صباح 28 فبراير 2026م تشن أمريكا وإسرائيل الحرب على إيران، والعالم يضع يده على قلبه وجلًا من مآلات الحرب، وقد بذلت سلطنة عمان جهودها الحثيثة في إدارة المفاوضات بين الطرفين؛ لمنع حرب شرها مستطير تحدثت عن آثارها الخطيرة في مقال «البيت العماني.. وثقافة السلام وإطفاء الحرب» «جريدة عمان، 10/ 2/ 2026م»، وأشرت فيه إلى وقوع: (تحول كبير في الخارطة الجيوسياسية على مستوى العالم). فالحرب فاصلة، ولن تقتصر تبعاتها على إيران؛ فتكاد تجمع آراء المحللين شرقًا وغربًا أنَّ للحرب امتدادًا عالميًا بما فيها أمريكا ذاتها.

إنَّ أمريكا تشن الحروب لأجل مصالحها الاقتصادية، كتوفير الأسواق لمنتجاتها، وتأمين مصادر الطاقة من النفط والغاز، والاستحواذ على مناطق نفوذ استراتيجية، وقطع الطريق أمام أية قوة ناشئة. ولكن هذا يحكي فصلًا فقط مِن رواية طويلة أخذت أمريكا على عاتقها إكمال فصولها. فأمريكا جزء مِن الحضارة الغربية التي تعود بدايتها إلى الإمبراطورية الرومانية القديمة، فلما جاء الإسلام أخذ يهيمن على مناطق نفوذها إلى أنْ سقطت بيد العثمانيين عام 1435م. ثم عاد انبعاث الغرب مِن بين عصور ظلامه، فمد نفوذه مستعمرًا العالم بسفنه الضخمة المدججة بالمدافع والبنادق النارية، حتى صحا العالم مِن غفوته ونهض مِن كبوته، فناضل لتحرره باذلًا النفس والنفيس، إلا أنَّ الاستعمار لم يطوِ ذيوله، وإنَّما بدّل جلده بما يتناسب مع الحقبة التي تمر بها البشرية، وكانت أمريكا هي القوة التي تمسك بتلابيب هذه المرحلة.

لقد أعلنت أمريكا عن نظامها العالمي الجديد بداية تسعينيات القرن الميلادي المنصرم، ودشنته بما أسمته «الحرب على الإرهاب»، فدفعت بالمنطقة إلى مزيد مِن العنف، لتصطنع «المشروعية» لحروبها، فغزت أفغانستان والعراق، واكتسحت أنظمتهما القائمة، وأورثتهما مزيدًا مِن العنف.

أمريكا لا تفعل ذلك ردةَ فعل على ما يحصل في العالم، فهي لديها استراتيجيتها طويلة المدى للهيمنة على المنطقة، وكلام الرئيس الأمريكي ترامب مع بدء الحرب: (إنَّ نتائج هذه الحرب ليست للآن، وإنَّما للأجيال القادمة) يؤكد هذا.

فما تقوم به هو سلسلة مِن الأحداث في هيمنتها الحضارية، وقد عرف فلاسفتها ذلك، فاعترفوا به في تحليلاتهم، وأودعوه في نظرياتهم؛ كـ«صدام الحضارات، ونهاية التاريخ، والرجل الأخير، والسوبرمان». ونكران هذا ضرب مِن الخداع الحضاري، وإغماض العين عن مجريات التأريخ، أو عدم فهم لفلسفة الهيمنة الحضارية، فهذه الهيمنة لا تقوم على تحقيق مصالح قريبة أو اجتلاب غنائم محدودة فحسب، وإنَّما هي نهرٌ مادٌ من الصراع الحضاري.

إنَّ أمريكا وصلت مدنيتها إلى تبني الليبرالية؛ فهي ترى فيها العمود الفقري لحضارتها والأذرع لسيادتها. وهي تنطلق مِن مبدأ في صراع الحضارات هو أنْ تخضع دول العالم لعقيدتها الليبرالية؛ فأية دولة لا تعتنق هذه العقيدة ترى فيها تهديدًا لوجودها. فالليبرالية -بهذا المعنى- دين يقوم على الاستعلاء والبغي. إنَّها إيديولوجيا يراها أتباعها أبدية، وفيها خلاص البشرية، ومِن دونها فالعالم ينهار.

أثبتت أمريكا أنَّها لا ترضى عن الأمم إلا بالانصياع لليبراليتها؛ حيث رأيناها في اليابان وفيتنام، فقد سحقتهما، ولم تتركهما حتى دخلتا في شرنقة الثقافة الغربية وسجن السوق الحر. ثم دخلت في حرب ساخنة -أسمتها تضليلًا «الحرب الباردة»- مع الاتحاد السوفييتي حتى فككته، واجتلبت دوله إلى حظيرتها، وهي الآن في صراع مع الروس، لكيلا يتمكنوا مِن النهوض مرةً أخرى والسيطرة العالمية.

وقد دعمت إسرائيل؛ لتبقي العالم العربي ضعيفًا مستجديًا وجوده مِن تبعيتها.

إنَّ ما تقوم به أمريكا تجاه إيران هو السير في هذا الطريق الناكب، ولن ترضى عن الإيرانيين حتى يرفعوا راية الاستسلام، ويقبلوا بإعادة بناء دولتهم على أساس مِن العقيدة الليبرالية، وهي لا يهمها أنْ تفسد في البلاد، وتهلك العباد؛ ففاتورة الدماء والدمار لديها مفتوحة حتى تحقق هدفها. إنَّ الحرب التي تشنها أمريكا على إيران لن تقف عند حد إيقاف البرنامج النووي وتحجيم قدرات الصواريخ البالستية، فهي -إنْ تحقق لها هذا- ستواصل الضغط لبناء إيران ليبرالية، وحينها قد تسمح لها أنْ تبني مفاعلها النووي، وتكون قوة ضاربة في المنطقة، كما كان حالها زمن الشاه.

فالغاية هي الدخول في الحضارة الغربية بكل تجلياتها المدنية، وبكل منتجاتها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية. إنَّ أمريكا ماضية لصياغة عالم ليبرالي لا يؤمن بالتعددية إلا تحت قبة الثقافة الغربية.

إنَّ الغرب الليبرالي في صراعه لن يتوقف إلا بدخول العالم تحت كساء ليبراليته. إنَّه يَمْتَعُ مِن مبدأ كلي نبَّه عليه القرآن: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) «البقرة:120». هذا المبدأ عام لا يقتصر على زمان بعينه، ولا ينحصر في أمة دون سواها، ولا يختص بدين دون غيره.

فالغرب يصر على خضوع العالم له؛ بالانقياد طواعية أو الاستسلام كراهيةً، ولا تظن دول المنطقة أنَّ النهاية مع إيران، فالكل مستهدف، وأمريكا في صراعها الحضاري لا تكتفي بالمساومات السياسية، ولا يغريها تقديم الإتاوات المالية، فهي تقبلها مرحليًا؛ لكي تتقوى بها وتضعف الدول، وغايتها انتظام العالم في سلك نظامها.

وبعد؛ فالغرب يدير للعالم ظهره وهو يتحول باتجاه التعددية، ليست تعددية الأقطاب السياسية، وإنَّما التعددية الحضارية المطلقة التي يسير إليها في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويبدو أنَّ «عقل الحضارة الغربية» -لهيمنته الطويلة- لم يستوعب بعد مرحلة هذه التعددية، والإيمان بضرورة مساهمة كل الحضارات في مشروع الوجود الكوني.

لست ضد الحضارة الغربية التي تتزعمها أمريكا رغم مشكلاتها العميقة، ولا ضد الإسلام السياسي الذي تتبناه إيران رغم انحساره، فكل مشروع حضاري مِن حقه أنْ يعيش في هذا العالم طالما أنَّه يحتكم للمبادئ الإنسانية، ولا يمارس الظلم، ولا يهدد بقاء الآخرين.

إنَّ المشروع الليبرالي الذي تفرضه أمريكا لم يعد صالحًا لإدارة العالم؛ ولذا نشهد تتابع كوارثه الكبرى بتدمير المجتمعات وإبادة الجماعات، والاستحواذ على الاقتصادات، وبإيجاد أنظمة السفاهة والتفاهة.

إنَّ ما يحتاجه العالم في ظل إعادة بنائه تحت سماء العصر الرقمي المفتوح -الذي يحدث تحولات مستمرة في الكيان الإنساني- هو التعددية الحقيقية، وأنْ يتاح للشعوب تقرير مصيرها، وأنْ تواجه الأنظمة مجتمعاتها بنفسها، لا أنْ يُفرض عليها نظام مِن أمريكا، ولا غيرها.

إنَّ المدنية الغربية التي أدخلت العالم في هذا المأزق الوجودي ستضعف تحت مطارق التحوّل الذي يشهده العالم، ولن تكون الحضارة الغربية استثناءً رغم ما نراه من استعلاء أمريكا، ولعل هذا من مؤشرات أفول الليبرالية.

ويبدو أنَّ الحرب بين أمريكا وإيران اختبار لليبرالية الغربية قبل غيرها، وأنَّ الغطرسة قد بلغت بأمريكا مداها غطرسة صرفتهم عن رؤية مسار التأريخ الذي يقول: إنَّ الزمن يعطي ظهره لليبرالية، والعالم يستقبل التعددية الحضارية الكونية، والذي لا يستلزم وجود قوى عظمى مهيمنة سياسيًا عليه.

إنَّ ما يحتاجه العالم هو المساواة بين شعوبه والعدالة بين أممه. إنَّ انتصار أمريكا أو خسارتها في هذه الحرب يضعها بين طريقين: إمَّا الإصرار على نهجها، وهذا يؤدي إلى مزيد مِن الرفض العالمي لها، وإمَّا الإفساح للتعددية الحضارية، وفي كلا الحالين إيذان بأفول نجم اليبرالية، وهو أفول لا يكسف فجأةً، وإنَّما نقص متوالٍ.

لقد أدت سلطنة عمان ما عليها من واجب إنساني بمحاولة منع وقوع حرب مدمرة، وفي الوقت ذاته. مشت خطوات أساسية لإرساء التعددية الكونية التي حان وقتها، والتي تحفظ للعالم توازنه. وهي بهذا قد أسست مدرسة للتعددية الحضارية لما بعد الليبرالية الغربية. هذه المدرسة السياسية العمانية ينبغي أنْ تسود العالم لإيقاف الصراعات وتحقيق العدالة الإنسانية، وأنَّ تدرّس بالمعاهد الأكاديمية.

خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين»