وصلني قبل عدة أيام قريبة مستند إلكتروني باللغة الإنجليزية بعنوان ـ بعد ترجمته إلى العربية ـ «قائمة الأمنيات العسكرية الصينية في الذكاء الاصطناعي»، وصدر هذا التقرير المفصّل عن «مركز الأمن والتقنيات الناشئة» الأمريكي في فبراير 2026.
اعتمد التقرير على تحليل أكثر من 9000 وثيقة غير سرية لطلبات تقديم مقترحات صادرة من الجيش الصيني في الفترة ما بين عامي 2023 و2024؛ بهدف استكشاف أولوياته في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة «CFISRT»، وهي اختصار يشير إلى: القيادة والسيطرة، والاتصالات، والحوسبة، والفضاء السيبراني، والاستخبارات، والمراقبة، والاستطلاع، والاستهداف.
تتلخص المفاصل الأساسية للتقرير في أن الجيش الصيني ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مرحلة مفصلية في مسار التحول نحو «الحرب الذكية» الذي يعكس هدفه المركزي في تحقيق الهيمنة المعلوماتية عبر جمع كميات هائلة من البيانات، ودمجها، ثم تحليلها خوارزميا؛ ليسرّع عملية اتخاذ القرار العسكري، ويرفع دقة العمليات.
كذلك يوضح التقرير أن الجيش الصيني يستثمر بصورة مكثفة في تطوير أنظمة تقنية متقدمة قادرة على دمج البيانات مفتوحة المصدر-مثل الأخبار، والبيانات الصادرة من منصات التواصل الاجتماعي، والبيانات التجارية- مع البيانات العسكرية التقليدية؛ لتوليد تنبؤات دقيقة بالأحداث السياسية والاجتماعية والعسكرية؛ فيدعم صناعة القرار الإستراتيجي، ويعزز فعالية العمليات العسكرية على المستويين العملياتي والتكتيكي.
عبر هذه التداخلات بين البيانات العامة والعسكرية شدني اهتمام الصين بتحليل البيانات الاجتماعية الشاملة التي تهدف بواسطتها -كما يشير التقرير- إلى تحديد نقاط الضعف المعرفية لدى المجتمعات المستهدفة، ونمذجة انتشار المعلومات داخل الشبكات الاجتماعية، ومحاكاة حملات التأثير؛ ليظهر الإدراك الصيني العميق لأهمية البعد المعرفي والنفسي في الصراعات الحديثة.
لكن ما يثير الانتباه في هذا التقرير أن الهدف الرئيس لتوظيف الذكاء الاصطناعي لدى الجيش الصيني يتمثل في كبح الهيمنة الأمريكية خصوصا في المجال العسكري. لا يسع هذا المقال تلخيص كل ما ورد في ذلك التقرير المفصّل، ولكنه كان بمثابة الشرارة التي دفعتني إلى التأمل في التجربة الصينية على نحو أوسع بعد قراءات سابقة عن الصين وتجربتها الحضارية، ففطنت إلى سؤال: ماذا يمكن أن نتعلّم من الصين؟
دفعني هذا التقرير بما يحمله من مؤشرات واضحة على البروز العسكري والتقني الصيني إلى قراءة أعمق لمسار التحوّل الذي تسلكه الصين. فيتضح أن الصين تعمل بصورة منهجية على تقويض الهيمنة العسكرية الأمريكية، ومع تتبعنا لمسار الصعود الصيني نجده بداية مع ترسيخ موقعها بأنها «مصنع العالم» مستفيدة من وفرة اليد العاملة وانخفاض الكلفة التشغيلية، ثم انتقلت إلى هدف أكثر طموحا يتمثل في أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم، بعدها يؤكد لنا هذا التقرير أن المرحلة التالية في هذا المسار هي السعي إلى بلوغ مرتبة القوة العسكرية الأكبر عالميا.
لكن من المهم أن ندرك أن هذا التفوق له تكلفته، وأنه حصيلة عقود طويلة من التحولات المؤلمة والتجارب القاسية التي عصفت بالصين؛ إذ عاشت الصين فترة من الجمود الحضاري والاقتصادي، واعتمد اقتصادها تقليديا على الزراعة قبل أن تدخل في صدامات كبرى أضعفتها بشدة. من أبرز تلك المحطات ما عُرف بـ«حروب الأفيون» التي انتهت بفرض معاهدات غير متكافئة عليها، وفتح موانئها قسرا، والتنازل عن «هونغ كونغ» لصالح بريطانيا. كذلك تعرّضت لتدخل واستعمار من اليابان، فأدى إلى تدمير بنيتها التحتية، واستنزافها اقتصاديا وعسكريا، فخرجت الصين من تلك الحقبة منهكة.
جاءت بعدها نقطة التحوّل عندما بدأت القيادة الصينية بإعادة ترتيب الداخل، فكان الهدف الأول إنهاء التفكك الداخلي عبر القضاء على الصراعات الداخلية، وتوحيد الأراضي، وإخضاع الجيش لقيادة مركزية واحدة، ثم انطلقت مرحلة تثبيت السيادة، وإنهاء النفوذ الأجنبي المباشر، وأعقبها مشروع بناء وطني شامل ركّز على التوحيد السياسي والاقتصادي. لاحقا شرعت الصين في بناء قاعدة صناعية أولية مع استثمار متزايد في التعليم والتأسيس التقني، ولكن التحوّل الأعمق جاء مع إصلاحات «دينغ شياو بينغ» ابتداء من عام 1978؛ حيث تبنّت الصين ما يمكن وصفه بالتحوّل البراغماتي والانفتاح المنضبط، فانتقلت من اقتصاد مركزي مغلق إلى نموذج «اقتصاد السوق الاشتراكي»، وسمحت بقدر محدود من الملكية الخاصة، وشجعت الاستثمار الأجنبي.
لهذا؛ فإن ما نراه اليوم من طموح عسكري وتقني صيني يعكس امتدادا منطقيا لمسار طويل من إعادة البناء، والتحوّل الهيكلي، والاستثمار الإستراتيجي في عناصر القوة الصلبة والناعمة على حد سواء. بجانب هذا التفوق الصيني السريع نسبيا الذي أعادها إلى موقعها الحضاري السابق -كون الصين منذ تاريخها القديم أمة ذات حضارة كبيرة وقوية-؛ لهذا فإن الصين أعادت صناعة نفسها مرة أخرى عبر السياسات التي ذكرناها آنفا، ونستطيع أن نقول -كما تنبأ كثير من الخبراء-: إن الصين قادمة لتكون الإمبراطورية الاقتصادية والعسكرية الأقوى في العالم. بجانب ذلك أيضا قدرتها على المناورة الدبلوماسية، وقدرتها على توظيف إستراتيجية السلام بدل الهجوم، والتركيز على منظومة الدفاع بدل الهجوم العسكري والحروب غير المتزنة، وهذا ما تفقده الولايات المتحدة الأمريكية التي بالغت في سياسة الهجوم الخارجي بمبررات وبدونها مما يخضعها إلى قوانين الحياة وسننها التي تمنح حدودا للاتساع والقوة.
لكن ما ينبغي أن ندركه من كل ذلك أن الصين بجانب هذا التفوق وهذا النمو السريع في جميع القطاعات لم تتخلَّ عن ثقافتها، وأنها ما زالت تعيش ثقافتها الصينية الصميمة رغم الانفتاح الاقتصادي الذي لم يزعزع عنصرها الثقافي.
وكم سمعتُ ورأيتُ أن الصينيين عندما يأتون إلى دول العالم للتجارة أو لأي غرض كان ما زالوا يحافظون على لغتهم، ويُصرّون على بقائها، ويفرضونها باعتبارها لغة مهمة جدا في العالم. والثقافة الصينية من حيث الأكل والعادات والتقاليد ما زالت حاضرة في كل بقعة في العالم يضعون أقدامهم عليها. أرى أن ذلك أحد عناصر القوة التي جعلت من الصين قوة كبرى؛ كونها لم تتنكر لثقافتها مهما بلغ تفوقها العلمي الذي استمدت كثيرا منه من الدول الغربية المتقدمة عبر التعليم والابتعاث ونقل التقنيات وغيرها.
هذا ما ينبغي أن نكون عليه نحن العرب؛ إذ الواقع العربي اليوم في حالة حضارية متباعدة ومشتتة، ونجد أننا انفصلنا عن الواقع الحضاري وعن ارتباطنا بالثقافة والدين واللغة، ولم يتحقق اتحاد عربي حقيقي اقتصاديا ولا سياسيا ولا اجتماعيا ولا عسكريا بالشكل الذي نرغبه، وعلى مستوى التعليم ما زالت الأمة العربية متأخرة، وكذلك في المستوى الاقتصادي والعسكري. وتجاوز الأمر إلى أن الحديث المباشر والصريح -في هذه الفترة- يتعلق بتقسيم جديد واحتلال جديد لبعض الدول العربية، ويكشف ذلك تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الإسرائيلي -في مقابلة مع الصحفي الأمريكي «تاكر كارسون»- عندما قال: إن من حق إسرائيل أن تحتل دولا عربية في المنطقة وفق المنطلق الهزيل في حقها التاريخي في الأرض، ولا أتصوّر أن مثل هذا الحديث يمكن أن يُقال بالأسلوب نفسه تجاه دول أخرى مثل الصين أو روسيا. وهنا يتبيّن أن عنصر القوة عند العرب مفقود، وأننا بحاجة إلى إعادة التفكير في العامل الوجودي لدينا؛ إذ نحن اليوم لا نتحدث عن أزمة اقتصادية أو عسكرية أو تعليمية فقط، ولكننا عن مشكلة وجودية تهدد الكيان العربي في أكثر من دولة، ولذلك ليس من المعيب أن نتعلّم من التجربة الصينية؛ فهي خاضت مسارها بكل جدّ وكفاح، وأدركت أن ثقافتها وحضارتها ووحدتها عناصر أساسية في نهضتها، فتمسكت بها ونجحت؛ لهذا لنسأل أنفسنا: ماذا ينقصنا حتى نعيد التفكير في مشروع حضاري عربي يعيد للوحدة العربية عزتها وقوتها أسوة بالمشروع الحضاري الصيني الذي أثبت تفوقه؟
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني