د.علي الريامي أكاديمي وباحث عُماني -
«والكتابُ يُقرأُ بكُلِّ مكانٍ، ويُدرَّسُ في كُلِّ زمانٍ، واللِّسان لا يَعْدُو سَامعَه، ولا يتَجاوَزه إلى غَيْرِه»، بهذه المقولة للجاحظ بدأ تصدير كتاب: «السُّخرية في أدب الجاحظ»، للدكتور علي البوجديدي، أستاذ الأدب العربي القديم والتَّرجمة وتحقيق المخطوطات، بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيَّة، من جامعة قابس، بالجمهوريَّة التُّونسيَّة. وهو عبارة عن أطروحة دكتوراة في الأدب العربي القديم، نُوقِشت بكليَّة العلوم الإنسانيَّة والاِجتماعيَّة، من جامعة تونس، عام 2017. بدأ الكتاب بكلمة على سبيل التَّقديم للأستاذ محمَّد مشبال، تطرَّق فيها إلى مزايا الكتاب في سياق الدِّراسات الأدبيَّة والبلاغيَّة المتعلِّقة بالسُّخرية في الأدب العربي القديم بشكل عام وبأدب الجاحظ بشكل خاص، والإشارة إلى تَمَكُّنِ البوجديدي من تقديم دراسة مهدت الطَّريق للباحثين وفتحت لهم آفاقا جديدة؛ لسبر أغوار التّصور الدَّقيق للسُّخرية، كبنية فكريَّة وجماليَّة، فهي -عنده- ليست نكتة أو تسلية جِيءَ بها للضَّحك، بل بوصفها إستراتيجيَّة خطابيَّة ومنهجا معرفيَّا استطاع الجاحظ توظيفها لإعادة بناء الواقع وتعرية عيوبه. وهو يعترف بصعوبة وضع حدٍّ دقيق لمصطلح السُّخرية؛ لأنَّهُ «مفهوم ملتبس ومصطلحٌ غائم مائع، يعتمد على نظرة موَارِبة تنبني على الالتواء والغموض والمقابلة بين الواقع والمُثَل العليا».
وممَّا يُحسبُ للبوجديدي محاولته وضع السُّخرية ضمن إطارها الفلسفي كفلسفة وجوديَّة، فالجاحظ يرى أنَّ السُّخرية وسيلة من وسائل تحقيق التَّوازن النَّفسي والعقلي، فالعقل الذي يبذل جهدا في التَّفكير لا شكَّ أنَّه يحتاج إلى السُّخرية التي تعيد إليه توازنه وتعمل على ترتيب حقائقه. وقد اعتمد في كتابه على مجموعة من الأدوات اللغويَّة والأسلوبيَّة التي أسهمت في التَّشكيل الجمالي لأدب الجاحظ وجعله متفردا، فتجده مثلا يضع القارئ أمام موقف قد يبدو لك في ظاهره منطقيا، لكنَّه في جوهره يحمل تناقضا عجيبا. ويشيرُ إلى أنَّ الجاحظ لم يكتفِ برصد التَّفاصيل الحركيَّة والجسديَّة للمواقف التي يتناولها مثلا، بل يعمد إلى وصفها وصفا تصويريا دقيقا قائما على التَّجسيد الكاريكاتيري، وكأنَّه يحول النَّصّ إلى لوحة بصريَّة غاية في الدِّقة والجمال، فلا «يكتفي بقول: فلان بخيل، بل يصف حركة أصابعه وهي تقبض الدّرهم، ورعشة جفنه عند رؤية الضَّيف». وتراه يستطرد استطرادا ذكيَّا مُحكما لا يُسبب للقارئ أيَّ تشتيت، بل هو -عنده- مقصود؛ للتَّخفيف من استعمال الجديَّة بقصد «تمرير نكتة أو قصة ساخرة تخدم الفكرة الأصليَّة بطريقة غير مباشرة».
وقد استطاع البوجديدي في دراسته وضع حدٍّ للمصطلحات، فعمد إلى إزالة اللبس عن كثير منها، من قبيل: الفكاهة، وهو مصطلح يتداخلُ إلى حدٍّ ما مع حقل السُّخرية الدَّلاليِّ، يتَّضحُ ذلك من مادَّته اللغوية: «فَكَه»، الذي يحمل «تواشجا دلاليَّا بين الفكاهة والسُّخرية وتلاقيا في بعض السِّمات»، وله أبعاد تجعله يرتبط ارتباطا عضويا بالمتعة والتَّمتُّع، ففيه معنى: «الإطراف والمزاح والتَّمازح والتَّمتُّع والإضحاك، وفيه أيضا: معنى الاغتياب والنَّيل من الآخرين». يقول أبو هلال العسكريّ في الفروق اللغويَّة: «الفرق بين المزاح والاستهزاء أنَّ المزاح لا يقتضي تحقير من تمازحه، بينما يقتضي الاستهزاء تحقير المستهزأ به واعتقاد تحقيره». وهذا لا يغيب عن الجاحظ في أسلوبه وكتبه، إذ يقول في بيانه: «وقد روَيْنا نوادرَ من كلام الصِّبيان والمحرَّمِين من الأعراب، ونوادرَ كثيرةً من كلام المجانين وأهل المِرَّةِ من المُوَسْوِسِين، ومن كلام أهل الغفلةِ من النَّوْكَى، وأصحاب التَّكلُّف من الحمقَى، فجعلنا بعضَها في باب الاتِّعاظ والاعتبار، وبعضَها في باب الهَزْل والفكاهة. ولكلِّ جنسٍ من هذا موضعٌ يصلح له. ولا بُدَّ لمن اِستكدَّهُ الجِدُّ من الاستراحة إلى بعض الهزل». والجاحظ بذلك يجعل الفكاهة مصطلحا يجاور الهزل، ويُمكن أن يتحوَّلَ إلى وسيلة للتَّرويح عن القارئ عند من أتعبه البؤس والشَّقاء والعناء، وسئم من ضنك العيش وقلة الحاجة. وأمَّا السُّخرية فتعدُّ «ظاهرة أكثر عقلانية، ذات تمشٍّ جدليٍّ نهايته ليست معلومة سلفا، ولا مأمونة العواقب»، ولذلك ولأنَّها ليست كذلك، فقد اكتسبت السُّخرية سمعة سيئة يأنفها كثير من النَّاس، عكس ما تميَّزت به الفكاهة بتخابثها الحلو المُغلف بالتَّسلية والتَّمتُّع والإضحاك، وطبيعتها العفوِّيَّة وضوحها.
تعددت موضوعات السُّخرية عند الجاحظ، منها: البخل والمال، في كتابه: البخلاء. فالبخل طبعٌ خسيسٌ وخلقٌ وضيعٌ، استطاع الجاحظ تقديمه إلى القارئ بأسلوب رفيع، فقد سخر كثيرا ممَّا كان سائدا في مجتمعه من طمع وبخل وتكالب على جمع المال واكتنازه، فانهارت قيم السَّماحة والتَّكافل الاجتماعي، يقول في ذلك مثلا: «قال أصحابُنا من المسجديِّين: اِجتمعَ ناسٌ في المسجد، مِمَّن ينتحلُ الِاقتصاد في النَّفقة، والتَّثمير للمال، من أصحاب الجمع والمنع. وقد كان هذا المذهب عندهم كالنَّسب الذي يجمع على التَّحابِّ، وكالحِلف الذي يجمع على التَّناصر، وكانوا إذا اِلتقَوا في حِلَقهم تذاكروا هذا الباب، وتطارحوه وتدارَسوه؛ اِلتماسا للفائدة، واستمتاعا بذكْرِهِ». فهو لم يُفصح عن المسجديِّين وحسب، بل كشف النِّقاب عن تلك الألفة والمودة والرَّحمة التي تجمع بينهم، وأنَّهم قد اجتمعوا من أجل هدف نبيل يتمثَّل في الِاقتصاد في النَّفقة، والتَّثمير للمال، والجمع والمنع. «فاجتماعهم هذا هو عنوان التَّحابب وأنموذج الحلف الذي يزيد من التَّناصر، ويُقوي الدَّرس، ويُعمِّمُ الفائدة، ويذكي الذِّكر». هكذا يتناول الجاحظ السُّخرية بأسلوب رفيع ليس الهدف منه الإضحاك أو التَّسلية، بل تقديمه كمنهج يجعل نفس القارئ منشرحة منبسطة.
وهكذا يتبين لنا سعي البوجديدي إلى فحص تلك الآليات والمنطلقات اللغويَّة والأسلوبيَّة المُشَكِّلة للسُّخرية، من خلال اعتماده على المُقاربات اللغويَّة الموسعة في فحصه للإستراتيجيَّات الخطابيَّة التي شَكَّلت بناء أسلوب السُّخرية، باعتبارها صيغة خطابيَّة بلاغيَّة تتميَّز بمجموعة من السِّمات، تنكشف بالانفتاح على النُّصوص والحقول الأدبيَّة والفنيَّة والمعرفيَّة، التي يمكنها أن تفيد الباحث في التَّوصل إلى هذه المقاربة، فاعتمد في تحليله لأسلوب السُّخرية تصوُّرا بلاغيا دمج فيه البعدين الأدبيّ والتَّداوليّ؛ لأنَّها تُعدُّ «وسيلة بلاغيَّة تكمنُ أدبيتها في أنَّها لا توصل معناها إلى القارئ بطريقة مباشرة؛ فالقارئ شريك في إنتاج هذا المعنى، ولولا تفاعله بذخيرته وكفايته الموسوعيَّة لظلَّت وسيلة صامتة لا تفصح عن محتواها»، فهي إذن تتطلب تفاعل القارئ مع النَّصِّ، بما يحمله من معارف وخبرات وتجارب، تمكِّنه من التَّوصُّل إلى البعد التَّأويليّ الذي تشير إليه وتقصده، فهي لا تقتصر على «إحداث المتعة الجماليَّة الشَّكليَّة عند القارئ، بل هي أدبيَّة متعدية تنطوي على مقاصد عمليَّة، تمثل التقاء الوظيفتين الجماليَّة والتَّداوليَّة وانصهارهما في أجلى صورة».
فهو لم يحصر دراسته -كما يذكر محمَّد مشبال في تقديمه- على التَّوصيف البلاغيّ المقيد بالبنية الدَّاخليَّة للنَّصِّ من خلال جرد تلك الآليات والمنطلقات اللغويَّة والأسلوبيَّة المُشَكِّلة للسُّخرية، بل اعتمد دراسة بلاغيَّة ديناميَّة وظيفيَّة، فنصُّ الجاحظ لا يجوز إحالته إلى جملة من التِّقنيات المعزولة في شواهد، بل يُمكن أن تكتسب في سياقها تلك التِّقنيات أبعادها الجماليَّة والتَّداوليَّة والحجاجيَّة، وهذا يفيد أنَّ البوجديدي تجاوز التَّوصيف إلى التَّأويل، وعمد إلى إشراك القارئ في عملية إنتاج المعنى.