واشنطن "د. ب. أ" - لفتت الزيارة الأخيرة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان- و ليس جورجيا- الانتباه إلى تراجع مكانة تبليسي لدى واشنطن. ويرجع المعلقون ذلك إلى التراجع الديمقراطي في البلاد. ويقول المحللان السياسيان، جيورجي جفاليا وبيدزينا ليبانيدزه، في تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، إن هذه الرواية تبدو مقنعة للوهلة الأولى، ولكها تعد غير مكتملة.
يشار إلى أن جفاليا هو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وحائز على كرسي جان مونيه في جامعة إيليا الحكومية بتبليسي،عاصمة جورجيا، أما ليبانيدزه، فهو حاصل على درجة الدكتوراه، ويشغل منصب محلل أول في المعهد الجورجي للسياسة، كما يعمل زميلا بحثيا لما بعد الدكتوراه في معهد اللغات السلافية ودراسات القوقاز في "فريدريش شيلر ينا"، وهي جامعة بحثية عريقة تأسست في تورينجيا، بألمانيا، عام .1558
والتفسير الأكثر إقناعا لا يكمن في إخفاق قياسي/معياري، بل في إعادة حسابات استراتيجية: إذ يبدو أن القيمة الجيوسياسية لجورجيا بالنسبة لأمريكا تتراجع في وقت تبدو فيه تبليسي أقل استعدادا للحفاظ على تقارب وثيق مع واشنطن، بل ومع الغرب على نطاق أوسع. وخلال معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، كانت جورجيا تعد على نطاق واسع الشريك الأكثر موثوقية والأبرز لواشنطن جنوبي القوقاز. وقد سعت علنا إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، وساهمت بقوات في مهام قادتها أمريكا، وقدمت نفسها كنموذج إصلاحي في منطقة صعبة.
ويرى جفاليا وليبانيدزه أن الحال قد تبدل اليوم، حيث تبدو جورجيا غائبة إلى حد كبير عن جدول الجولات الإقليمية والمحادثات الاستراتيجية الأمريكية. ولا يرجع ذلك في الأساس إلى أنها صارت أقل ديمقراطية، ولكن لأنها أصبحت أقل فائدة من الناحية الاستراتيجية.
وليس هناك شك في أن المسار الديمقراطي لجورجيا شهد تراجعا خلال السنوات الأخيرة، حيث أدى الاستقطاب السياسي والتشريعات التقييدية التي استهدفت الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية إلى توتر العلاقات مع الشركاء في الغرب.
ومع ذلك، نادرا ما يفسر التراجع الديمقراطي وحده استمرار تراجع الانخراط مع أمريكا. إذ تحافظ واشنطن على شراكات وثيقة مع مجموعة واسعة من الأنظمة التي تبقى مؤهلاتها الديمقراطية محل شك، طالما أنها تخدم أهدافا استراتيجية واضحة.
ويؤكد المحللان أن هذا النهج له ما يقره في التفكير الاستراتيجي الأمريكي الحديث، إذ توضح استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة أن واشنطن لن تسمح لطبيعة الأنظمة السياسية بتقييد التعاون عندما تتوافق المصالح، مشيرة إلى أن أمريكا "يجب ألا تتجاهل الحكومات صاحبة التوجهات المختلفة التي نتشارك معها، رغم ذلك، مصالح مشتركة وترغب في العمل معنا". وبعبارة أخرى، تعد الديمقراطية جانبا تفضيليا، وليست شرطا أساسيا، لاستمرار المشاركة.
ومن الناحية العملية، تتفوق الفائدة الجيوسياسية باستمرار على الاعتبارات المعيارية، فالاهتمام يتواصل بالدول ذات الأهمية الاستراتيجية، بينما يتم تدريجيا تراجع أولوية الدول الأخرى. وتندرج جورجيا بشكل متزايد ضمن الفئة الأخيرة.
تقلص الأهمية الاستراتيجية لجورجيا واستندت أهمية جورجيا بالنسبة للولايات المتحدة في السابق إلى عدة ركائز، وقد ضعفت أو اختفت تماما.
ويقول جفاليا وليبانيدزه ، شكلت جورجيا من الناحية التقليدية ممرا رئيسيا يربط منطقة بحر قزوين بالبحر الأسود، وصولا لأوروبا. غير أنه مع تقدم عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان، واهتمام واشنطن المتزايد بمبادرات الربط الإقليمي البديلة، مثل "مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي"، تواجه جورجيا خطر فقدان ميزتها الطويلة الأمد كممر عبور، وبالتالي قيمتها الاستراتيجية. وبعد انتهاء مهمة أفغانستان، تراجعت الأهمية العسكرية لجورجيا- التي لم تكن يوما ما محورا رئيسيا في الاستراتيجية الأمريكية. وكانت جورجيا ضمن أكبر الدول المساهمة- غير الأعضاء في الناتو- ضمن قوة المساعدة الأمنية الدولية هناك، وخامس أكبر مساهم بشكل عام، وهو دور عزز مكانتها لدى واشنطن. ومع انتهاء المهمة، تراجعت بطبيعة الحال قيمة جورجيا كمساهم في الجهود العسكرية الأمريكية العالمية. وإلى جانب ذلك، تغيرت الصورة الاستراتيجية لمنطقة البحر الأسود. فمنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، ركزت الولايات المتحدة والناتو اهتمامهما بشكل متزايد على الدول الأعضاء في الحلف مثل رومانيا وبلغاريا وتركيا. وبينما تظل جورجيا ذات أهمية جغرافية، صارت البلاد هامشية من الناحية السياسية في الحسابات الدفاعية الأساسية.
وتضيف السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب بعدا إضافيا إلى هذا النهج الواقعي، إذ لا يقوم نهج الرئيس فحسب على حسابات المصلحة الوطنية، بل أيضا على تفضيل تحقيق انتصارات دبلوماسية واضحة وشخصية يمكنه الإعلان عنها بشكل واضح. وعلى النقيض من أرمينيا وأذربيجان- حيث نسب ترامب الفضل لنفسه في إنهاء صراع بينهما استمر عقودا- لا تقدم جورجيا فرصة مماثلة، حيث لا يوجد "اتفاق" جاهز ليتصدر العناوين الرئيسية، يمكن التوصل إليه في تبليسي.
وبحسب جفاليا وليبانيدزه، تظل الصراعات في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أمرا راسخا، وسوف تتطلب أي محاولة جادة لتسويتها مواجهة مباشرة، وربما مكلفة، مع روسيا- وهو خطر ليس من المرجح أن تتحمله إدارة ترامب. ونتيجة لذلك، ينظر البيت الأبيض إلى جورجيا كساحة أصغر للنجاح الدبلوماسي، مقارنة بكونها مصدرا كبيرا للتبعات الاستراتيجية.
أرمينيا وأذربيجان تحجبان على جورجيا ويظهر التهميش النسبي لجورجيا أكثر وضوحا لدى مقارنتها بجيرانها.
واكتسبت أرمينيا أهمية استراتيجية جديدة مع قيامها بالسعي لتنويع علاقاتها بعيدا عن روسيا. وحتى التحركات الحذرة نحو تحقيق تعاون أوثق مع الغرب تجعل أرمينيا موضع اهتمام أمريكا، ليس بسبب سجلها الديمقراطي المثالي، بل لتغير توجهها الجيوسياسي. وفي المقابل، حظيت باكو بنفوذ، بفضل دور أذربيجان في مجال أمن الطاقة الأوروبي، وموقعها الحاسم في أعقاب حرب ناجورنو كاراباخ الثانية، وقدرتها على تشكيل مشاريع الربط الإقليمي، وهو نفوذ لا تستطيع واشنطن تجاهله والمثال الأوضح على هذا التسلسل الهرمي الجديد، كما يقدمه التحليل، يتمثل في استبعاد جورجيا من مبادرة "مجلس السلام" الرئيسية التي أطلقتها الإدارة الأمريكية.
ففي حين وجهت الدعوات إلى قادة يتسمون بالسلطوية، مثل ألكسندر لوكاشينكو (رئيس بيلاروس)، لم تتلق القيادة الجورجية دعوة. ويكشف هذا التمييز الكثير: فبيلاروس، رغم وضعها المنبوذ، تعد لاعبا رئيسيا في الحرب الروسية الأوكرانية وتتمتع بنفوذ في مجال الأمن الإقليمي. أما جورجيا، وعلى النقيض من ذلك، فهي لا تتمتع بإعادة تموضع استراتيجية أو نفوذ يؤثر على التطورات الإقليمية الرئيسية. وإذا أضيف إلى ذلك ترددها في التوافق بوضوح مع المصالح الإقليمية الأمريكية، لن يكون مفاجئا خروجها، إلى حد كبير، من دائرة الاهتمام الاستراتيجي لواشنطن. ويستند نهج إدارة ترامب تجاه الشراكات إلى منطق بسيط: إعطاء أولوية للشركاء الذين يتوافقون بوضوح مع القضايا الجيوسياسية الكبرى، وتجاهل هؤلاء الذين يتبنون مواقف غامضة، فالغموض يقلل من القدرة على التنبؤ، ويعقد التعاون، ويخفض العائد المتوقع من المشاركة. وفي عصر المنافسة الاستراتيجية والاهتمام المحدود، تتراجع مكانة هذه الدول، في هدوء.
ويفسر ذلك سبب عدم "معاقبة" جورجيا بشكل دراماتيكي، بل تجاهلها بدلا من ذلك، حيث إن غياب الزيارات رفيعة المستوى ليس عقوبة، بل إشارة إلى إعادة تصنيف -من شريك استراتيجي إلى لاعب ثانوي. وفي ختام التحليل، يقول جفاليا وليبانيدزه، إنه من هذا المنظور، فإن مشكلة جورجيا لا تتعلق بإخفاقها في تلبية التوقعات الأمريكية بشأن الديمقراطية بقدر ما تتعلق بفشلها في إقناع واشنطن بأنها لا تزال ذات أهمية استراتيجية.
ويؤكد الاثنان ارتباط القضيتين ببعضهما، لكن دون علاقة سببية مباشرة. فقد أضر التراجع الديمقراطي بمكانة جورجيا بالمستوى القياسي، لكن تراجع قيمتها الجيوسياسية هو العامل الحاسم في تفسير تراجع انخراط واشنطن معها.