وسط ما نسمعه ونراه وما لا نتوقعه، لم نعد نفرّق بين شخص محتاج للمساعدة وبين متسول محترف في كسب تعاطف الناس "وسرقتهم بالباطل"، وهذا الأمر أثار حفيظة البعض منا وأحدث جدلاً واسعًا بين فئات أخرى من المجتمع، ما بين متعاطف ومتشدد في رأيه.


من خلال العين المجردة، نرى تزايدًا ملحوظًا في أعداد المتسولين خلال شهر رمضان الفضيل، يتوزعون بين أزقة المباني السكنية يطرقون أبواب المنازل، ويجلسون في محيط المساجد، ويرتادون محطات التزود بالوقود وماكينات الصراف الآلي، ويتجولون بين الأسواق الشعبية والمحلات التجارية وغيرها.
بعض المتسولين يطرق على نافذة السيارة، ويلح بالسؤال والاستجداء وسرد قصص حفظها وألقاها مئات المرات على من سبقك، وأمام إلحاحهم في الحصول على مبلغ مالي تجد نفسك في حالة حرج وضيق، ويدفعك هذا "الشر" إلى الرضوخ المرغم لمطالب من يقف خارج سيارتك فتخرج له ما تريد أن تعطيه وأحيانًا ما لا تريد.


الملاحظة الأكثر وضوحًا هذه الأيام أن المتسولين يركزون جل نشاطهم على "شهر رمضان المبارك"، وذلك سعيًا منهم للاستفادة من ارتفاع منسوب "البر والإحسان والعطاء" الذي يتقوى بروحانية هذا الشهر الفضيل، إذ تتضاعف فيه مشاعر التعاطف من فئات المجتمع وخاصة كبار السن.
لقد أجمع الخبراء والمختصون على أن تفاقم ظاهرة التسول خلال شهر رمضان ليس مجرد سلوك عابر قد يظهر في يوم ثم يختفي في بقية الأيام، بل هو مسلسل متواصل أمام عملية "استجداء وخداع" مربحة تدفعهم إلى الاستمرارية والانتقال من مكان إلى آخر وبشكل متواصل.


عملية التسول ينظر إليها المختصون على أنها "نتاج تداخل عوامل معقدة"، قد تبدو في ظاهرها الحاجة والعوز والفقر، ولهذا يطرق المتسولون على مسمار البعد الديني وخصوصية أيام الشهر المبارك، الذي يرتفع فيه هرمون الاستعداد النفسي للعطاء وإخراج الزكاة، وهذا الأمر يلعب دورًا محوريًا في عملية التحصيل اليومية من مهنة "التسول" التي تصل إلى مبالغ مالية كبيرة.
إن انتشار ظاهرة التسول خلال هذه الفترة بشكل مكثف يعد من الفرص الذهبية والموسمية للتسول، وللأسف يتحول السلوك الإحساني المرتفع عند البعض إلى محرك أساسي لزيادة أعداد المتسولين الذين يحاولون تقديم أنفسهم على أنهم "ضحايا للعوز والحاجة".


بعض المتسولين، وخاصة ممن يجلبون أطفالهم معهم، يحاولون إضفاء الشرعية الأخلاقية على ظاهرة التسول خلال الشهر الفضيل، إذ يصبح تقديم المال أحيانًا وسيلة للمتصدق لتخفيف شعوره الداخلي بالذنب من عدم تقديم الصدقات للمحتاجين خلال أيام العام. وهنا تكمن الخطورة، فهذه الممارسات تخرج من نطاقها المحلي إلى الدولي. كيف ذلك؟
الجهات المختصة رصدت خلال السنوات القليلة الماضية عددًا من التحويلات المشبوهة خارج الوطن، حيث اتضح أن هناك شبكات منظمة تعمل على استغلال العطايا وتحويلها إلى جهات "ضالة" خارجية، وقد تم الكشف عن قيمة مبالغ التحويلات الخارجية لتلك المنظمات عبر أشخاص امتهنوا "التسول" طريقًا لجمع الأموال وإرسالها.


في الوقت ذاته، تحذر الجهات المختصة من مغبة الانسياق وراء المظهر الخارجي الخادع للمتسولين، الذين يقنعون الناس بأنهم بحاجة ماسة إلى المساعدة، بينما يتخفون تحت غطاء الفقر المادي العفوي، وهم في الواقع يمارسون الاحتراف الممنهج لعملية التسول.
من المفزع جدًا أن نعلم أن ظاهرة التسول باتت بالنسبة لكثير من الممتهنين "خيارًا عقلانيًا"، كونه يدر دخلًا يفوق ما توفره قطاعات العمل الطبيعية، إذ يمتلك بعض المتسولين مصادر دخل أخرى ثابتة، لكنهم يتجهون نحو مهنة "التسول" كأسلوب لا يفرض عليهم أي شهادة علمية أو شروط معينة لشغل هذه الوظيفة المربحة سوى تقمص دور الضعيف المحتاج.


نحن بحاجة ماسة إلى التمييز الدقيق بين الفقراء الحقيقيين الذين يحتاجون إلى عون ومساعدة وبين محترفي التسول الذين يستغلون الشفقة الاجتماعية دون وجه حق.
كذلك، من المؤسف جدًا أن نقول إن ظاهرة التسول أصبحت تمارس على نطاق واسع من قبل أفراد غير محتاجين، بل فقط تطبيق لغرائز نفسية بعينها، ومآرب قد تكون "إجرامية"، أو عبارة عن هوس بالتسول وتغليب روح الاتكالية.
يرى بعض الناس عدم ممانعتهم من طلب الإحسان من قبل المستضعفين والمحرومين والمحتاجين للعطاء، لكن ذلك لا يجب أن يتحول إلى إحراج دائم للأسر، فهناك عائلات محتاجة ولكنها متعففة، وأيضًا أبواب العطاء لها جمعيات وأطر قانونية تقوم بدورها الصحيح من أجل الحصول على العدالة في العطاء للمستحقين.