تتلخص السردية السائدة حول الذكاء الاصطناعي في ضرورة التحرك بسرعة أو التخلف عن الركب. فـتُسـتَحَث الحكومات على تبني التكنولوجيا بسرعة، ونشرها بقوة، وتنظيمها برفق، كما لو أن السرعة بحد ذاتها استراتيجية تنموية.
هذا الافتراض خاطئ بقدر ما هو خطير. في واقع الأمر، يتمثل الخطر الرئيسي الذي يواجه عددا كبيرا من الاقتصادات النامية في تبني الذكاء الاصطناعي قبل الأوان، قبل أن تتوفر لديها البنية الأساسية الرقمية، والقدرات المؤسسية، وآليات استيعاب سوق العمل، والقدرات الإنتاجية اللازمة لضمان تمكين الأتمتة (التشغيل الآلي) من تحقيق مكاسب عريضة القاعدة.
أسمي هذا الخطر «الأتمتة المبتسرة»، والتي تعكس ظاهرة أطلق عليها داني رودريك وصف «التحول غير الناضج إلى التصنيع»: تآكل تشغيل العمالة في قطاع الصناعات التحويلية في البلدان النامية قبل أن تتمكن من تحقيق كامل إمكانات النمو. ومن المرجح أن يؤدي تبني الذكاء الاصطناعي على نحو متسرع إلى نتيجة مماثلة: تدمير الوظائف، وتآكل القدرات، وإعاقة التنمية بدلا من تعزيز التحول.
في الاقتصادات المتقدمة، من الممكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تكميل قوة العمل المتقدمة في السن وتعزيز إنتاجية الموظفين الإداريين. على النقيض من ذلك، تحظى اقتصادات ناشئة عديدة بسكان أصغر سنا في حين تظل فرص العمل لديها محدودة. في كل عام، يدخل ما يقدر بنحو 12 مليون شاب أفريقي سوق العمل، منهم ثلاثة ملايين فقط يحصلون على وظائف رسمية. على هذه الخلفية، قد تتسبب الأتمتة السريعة في صناعات الخدمات مثل دعم العملاء، واللوجستيات، والتمويل، أو حتى في الإدارة العامة، في إزاحة العمال قبل ظهور مسارات بديلة.
تواجه أمريكا اللاتينية وأجزاء من أوروبا التهديد ذاته: في الأرجح، يُفضي دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة إدارية مجزأة وعفا عليها الزمن وقطاعات تعاني من ركود في نمو الإنتاجية إلى القضاء على الوظائف المتوسطة المهارة دون خلق محركات نمو جديدة. إذا حاولت اقتصادات أساسياتها ضعيفة القفز إلى الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فإن هذه المحاولة لن تؤدي إلا إلى تفاقم اختلالها الوظيفي.
عندما تمتلك البلدان سجلات عامة ورقية، وأنظمة دفع مجزأة، وحوكمة ضعيفة للبيانات، يجري تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مدخلات رديئة وتبنى على بنية أساسية هشة. فتتفاقم الأخطاء، ويشتد التحيز، على النحو الذي يؤدي إلى إرهاق المؤسسات بأحمال زائدة.
والأمثلة وفيرة: استبعدت أنظمة الأهلية الآلية التي تحكم الخدمات العامة مستفيدين شرعيين لأن السجلات الأساسية كانت غير مكتملة؛ وجرى توظيف أدوات صنع القرار الخوارزمية قبل وجود آليات الاستئناف؛ وتنفيذ أنظمة التنبؤ في غياب بيانات قابلة للتشغيل البيني. هذه إخفاقات في التسلسل، وليست أعطالا تكنولوجية.
في غياب التسلسل المتعمد، قد تنتهي الحال بالدول إلى تصدير بيانات أولية خام واستيراد الخوارزميات، والمنصات، وأنظمة الحوكمة المصممة في أماكن أخرى، فيتسبب هذا في خلق تبعيات جديدة. يتركز استخلاص القيمة في المراحل الأولية، في حين تُحال الشركات المحلية والعمال المحليين إلى أدوار هامشية أو يزاحوا بالكامل. قد تختلف التكنولوجيا، لكن الهدف يظل هو الاستخراج.
في هذه البيئة، تعد حوكمة البيانات سياسة صناعية. فالبلدان التي تفشل في ابتكار استراتيجيات للتشغيل البيني، والملكية، والمعايير ستكون تحت رحمة شركات الذكاء الاصطناعي. لتجنب هذه النتيجة، ينبغي لها أن تركز على التسلسل - بعبارة أخرى، تبني التكنولوجيا المتطورة فقط بعد بناء الأسس الضرورية.
في الممارسة العملية، يعني التسلسل رقمنة السجلات (تحويلها رقميا) وتطوير بنية أساسية رقمية عامة قابلة للتشغيل البيني قبل أتمتة القرارات. كما يعني تحديد وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي، بحيث يكون الإبداع مستداما. تتيح بيئات الاختبار والتجريب الآمنة، والمشاريع التجريبية الخاصة بقطاعات بعينها، وتقييمات تأثير العمالة للحكومات التعلم، والتكيف، وتصحيح المسار.
من المهم للغاية هنا أن مثل هذا النهج من شأنه أن يمنع الاضطراب الاقتصادي من خلال ضمان تكميل الأتمتة للعمل البشري بدلا من الحلول محله. عندما تظل المنظمات قادرة على التعلم من خلال الممارسة وتراكم القدرات، يصبح الذكاء الاصطناعي عاملا مسرعا للتنمية.
وقد يكون وضع المتحركين في وقت متأخر في هذا المجال ميزة، لأنه يسمح للبلدان بتصميم حواجز وقائية قبل تسارع الانتشار، وتجنب الأخطاء التي وقعت فيها الاقتصادات المتقدمة. يوضح نظام Pix، وهو نظام الدفع المدعوم من الحكومة البرازيلية، كيف من الممكن أن يساعد التسلسل المتعمد والبنية الأساسية العامة القوية الوافدين في وقت متأخر ليس فقط على اللحاق بالركب، بل ووضع معايير عالمية.
تركز المناقشات الدائرة حاليا حول حوكمة الذكاء الاصطناعي بشدة على الأخلاقيات، والسلامة، والمخاطر الحدودية. على الرغم من أهمية هذه القضايا، فإن التحدي الأكثر إلحاحا الذي يواجه معظم البلدان يتمثل في انعدام التوافق بين قدرات الذكاء الاصطناعي والاستعداد المؤسسي. لمعالجة هذه المشكلة، يتعين على صُنّاع السياسات وأصحاب المصلحة النظر في من يستفيد من القيمة؛ وكيف تُبنى القدرات الإنتاجية؛ وماذا يحدث للعمال؛ وكيف تتفاعل التكنولوجيا مع قدرات الدولة الحالية.
الأتمتة قبل الأوان، مثلها كمثل التصنيع المبتسر، سوف تجعل الاقتصادات أكثر هشاشة واعتمادا على الغير. لا تحتاج أفريقيا إلى الفوز في سباق لم تختر المشاركة فيه قط. ولا تحتاج إليه اقتصادات عديدة متوسطة الدخل -وحتى اقتصادات متقدمة- تواجه ركودا في الإنتاجية ومشكلات اجتماعية. بدلا من ذلك، تحتاج إلى استراتيجية الذكاء الاصطناعي القائمة على المنطق: الرقمنة تسبق الأتمتة، والقدرة تسبق الحجم، والحوكمة تسبق الانتشار.
في عصر يتشكل على نحو متزايد من خلال المنافسة الجيوسياسية على البيانات، وأشباه الموصلات، والبنية الأساسية السحابية، يصبح التسلسل أداة للسيادة من خلال السماح للدول بالتعامل مع التكنولوجيا وفقا لشروطها الخاصة. لا يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي قوة مزعزعة للاستقرار. لكنه سيكون كذلك في الأرجح إذا سارع صناع السياسات إلى تبني أنظمة لا يمكنهم التحكم فيها.