يعالج فقه الكتابة في التراث العُماني مسائل الكاتب الذي يكتب الحجج الشرعية، أو الكاتب بالعدل، وما يجوز له وما لا يجوز، وقد أُلِّفَتْ في ذلك كُتُب أغلبها عن المتأخرين، منها كتاب «جامع الخيرات» لسالم بن راشد بن سالم بن ربيعة البهلوي (ق12هـ) و«التهذيب» لأبي سليمان محمد بن عامر بن راشد المعولي (ت:1190هـ) وقد تعرضّ في أبواب منه لفقه الكتابة، مع موضوعات شتى في أبواب أخرى، وهناك كُتب أخرى، وأبواب في فقه الكتابة ضمن كتب فقهية متوسعة.


ومما اطلعتُ عليه في هذا الباب كتاب غير منسوب إلى مؤلف تحتفظ به مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، وقد كُتِب عليه بخط حديث: «كتاب في الألفاظ من أجوبة ابن عبيدان وغيره»، والمراد الفقيه محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان النزوي (ت:1104هـ).


وتختص مسائل فقه الكتابة بألفاظ كتابة الحجج الشرعية في المعاملات والأحوال الشخصية مثل صكوك البيع والرهن والهبة والوكالات والوصايا والوقف وغيرها. وحيث إنها تعالج شيئًا من واقع الناس، فمن البديهي أن تكون لغة المجتمع ومعجمه وألفاظه واستعمالاتها حاضرة فيما يسأل عنه السائلون وفي جوابات الفقهاء. وها هنا نتعرّض لبعض ما جاء في تلك المسائل مما يتعلق بالأسماء والنِّسَب، فمنها مثلًا مسائل في التفريق بين ما يُكتَب بالضاد والظاء: «ومنه وما تقول في مسجد اسمه مسجد الظفريّة، أيكتب بالظاء أم بالضاد؟ وكذلك فلج يسمى الظبي، يكتب بالظاء أم بالضاد» فجاء الجواب بأنها تكتب بالظاء. وفي مسألة أخرى: «ومنه وفي بلد اسمه الحميضة أو الحميضيين أيُكتَبان بالضاد أم بالظاء؟ وكذلك جهضم اسم رجل، وكذلك رجل اسمه غظيفان، ما تكتب هذه الأسماء؟ الجواب: أرجو أنه يُكتَب جميع ما ذكرته بالضاد، وسمعتُ بعض الأشياخ يرفع عن الفصيح محمد بن عبدالله بن عمران أنه [إن] اشتبه الضاد من الظاء ولم يقدر الكاتب أن يميز بين ذلك فإنه يكتب بالضاد لأن الضاد أوسع، والله أعلم»، وكذلك: «في امرأة اسمها ظنُّوه، وكذلك ضمّوه، وأرض تسمى الضاحية، تُكتَب هذه الأسماء بضاد أم بظاء؟ الجواب: أما ما ذكرتَه فإنه يُكتَب جميع ذلك بالضاد فيما عندي، والله أعلم».


وفي سؤال عن أسماء عُمانية يكون حرفها الأول ساكنًا جاء الجواب أنها تحتاج إلى أَلِف قبله سواء كان الحرف الأول مُشدَّدًا أو غير مُشدّد، والأسماء التي وردت في السؤال: ارخيوه، وامعدّ، وازوردة، وارويّة، ويظهر أن الألِف هنا تُكتَب ولا تُنطق، على عكس ما جاء في مسألة أخرى: «وفي امرأة اسمها عشرقة، تُكتَب ألف قبل العين؟ وكذلك بلدة اسمها حدا تُكتَب ألف قبل الحاء أم لا؟ الجواب: أرجو أن مثل هذا لا يُكتَب ألف قبل العين ولا قبل الحاء، والله أعلم».


ومما جاء في النِّسبة إلى البلدان: سؤال عن «نسب الإنسان أنه فلان بن فلان النزوي، أو صاحب قرية نزوى، أو الساكن قرية كذا، أو الساكن كذا، كانت البلد كبيرة أو صغيرة مثل أو إمطي أو سيما أو مقزّح أو حممت أو وبال» إن كان ذلك ثابتًا أم لا. وعن تخفيف الأسماء عند كتابتها كما يلفظها بعض العامة جاء في مسألة كأن يكتب: فلان بن فلان بن راشد: براشد، وأحمد: حْمَد بغير ألف، وإسماعيل: سْماعيل من غير ألف، ومعلوم أن التخفيف مما درج عليه الناس حتى اليوم.


أما عن رسم الأسماء بين المقصور والممدود، وما يرسم بألف طويلة أو مقصورة فقد وردت مسألة عن أسماء تُكتَب بألف طويلة لا مقصورة وهي: فرحا، وريّا، وميّا، وجعيدا، وبدرا، وفي مسألة أخرى عن الفقيه خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي: «...أن الكاتب يكتب رفعا وزلخا بالألف، وكذلك نصرا وأسما، وما كان مثل هذا يُكتَب بالألف، ولا أعلم في ذلك وجهًا، وأما ما كان من مقصور فيُكتَب بالألف والياء...».
وفي الحلقة الآتية -بعون الله- نتعرض لنصوص أخرى من الكتاب في باب ضبط الأعلام والأماكن..