كنت أعتقد أن المسافة بين الأدب والمقال الصحفي كما بين كتب التاريخ والرواية، أحدهما في ضفة الحقيقة والآخر في عهدة الأديب، لكن كما يستطيع الروائي المحنك أن يتلبس شخصياته التاريخية فيحكي بلسانها أحداثا تاريخية ذات بعد وعمق ضارب في الحقيقة والمخيلة في الوقت نفسه، فإن الصحفي المرهف حسا يستطيع أن يكتب مقالة بلغة رشيقة ذات صوت ولحن يأخذ القارئ إلى عوالم مكتملة الصوت والصورة، فيعيش معها منذ الكلمة الأولى وحتى نقطة النهاية، ولا نهاية للنص الأدبي أبدا، هو نص سيرافق القارئ، ولست متأكدا أن ذلك يحدث مع كل قارئ؛ لكنه يحدث معي على أقل تقدير، فالكتب التي أعيشها لن أنساها أبدا، فكيف بسفر مدهش وأنا ألبس قميص الغابة وأبحث عن نصوص زرقاء، لباقة ليست تحوي "أزهار زرقاء" فقط، بل هي ذات ألوان كثيرة، بعضها من السهل معرفته، وألوان أخرى يصعب نسبتها لهذا اللون أو ذاك.


لا أظن أنني قرأت كتاب مقالات من الغلاف إلى الغلاف سابقا، مع أنني أحب قراءة المقالات، خصوصا تلك المقالات ذات الطابع الفني الأدبي أو ذات البعد الإنساني، لكنني قررت أن أقرأ لمنى حبراس كتابها "أزهار زرقاء لقميص الغابة"، وهي المرة الأولى التي أقرأ لها بالمناسبة، أمسكت الكتاب وقلم التظليل بحثا عن الجمل التي سألونها، لأكتشف في النهاية أنني لونت كثيرا، بل وفي بعض المقالات لونت صفحات بأكملها، كنت أقرأ المقالات في سري، لكنني كنت أسمع صوتي أيضا، وهذا لا يحدث إلا نادرا وفي مواضع محددة، إلا أنه في كتاب منى حبراس حدث كثيرا.


في الغابة وحيث القميص الذي ألقته منى وجدت الكثير مما أعرف من أفكار، لكنها لم تكتف بطرح الأفكار والدفاع عنها كما قد نفعل حين نحاول أن نثبت فكرة، بل ذهبت منى لما هو أبعد من ذلك، استقصت الفكرة وأثبتتها دائما بالدليل والمثال، وحين كانت تطرح فكرة سبقها أحدهم لها كانت تطرحها بشمولية وموضوعية صحفية إعلامية، ثم وبعد أن تثبت الفكرة وتقنع القارئ تحكي الوجه الآخر من الفكرة، إنه الوجه الإنساني، ذلك الذي يتعلق بها، وبمشاهداتها اليومية التي وإن بدت بسيطة، إلا أنها وبعد كل ما سبق ستكون ذات أهمية وبعد إنساني كبير، ولأنها منى فلن تكتفي بذلك، ستبدأ موضعا آخر منها هي ثم ستلحقه بالقضية الأكبر، تماما كما فعلت في رسالتها لـ"رنا مصطفى "، أما في حديثها عن مكتبة والدها ومكتبتها الشخصية، فإنها كانت وقبل أن يكون الموضوع أشبه بيومياتها الخاصة كانت قد مهدت له بالسؤال عن المكتبات وما حل بها في الحروب أو الأنواء المناخية... وهذا مثال واحد عن تنوع الطرح في مقالات منى حبراس والتي فازت بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب.


الكتابة بشكل عام هي كسر لباب الخجل الحائل بين القراء وقلب الكاتب، وربما يستطيع الكاتب أن يواري بعضا من أفكاره في القوالب الأدبية، أو ربما يلتزم المنهجية حين يكتب مقالا ما، لكن مقالات منى حبراس حتى وإن التزمت بالمنهجية والتماسك الموضوعي فإنها لا تخلو من أن تحكي يوميات وحياة الكاتبة نفسها، وفي ذلك جرأة قد لا تشعر به الكاتبة، لكنه أيضا يقرب القارئ منها بشكل كبير، ومن خلال طرحها أيضا للأسماء الأدبية والإعلامية والفنية، ومن خلال ذكرها للكثير من الإصدارات والكتب والأغاني والفعاليات والأماكن... من خلال ذلك كله هي توثق المشهد الثقافي في عُمان خصوصا والوطن العربي عموما، وهذا ما يجعل لكتابها "أزهار زرقاء لقميص الغابة" امتدادا وحيوية، خصوصا حين تربط بين أفكارها وما تصادفه في صفحة جريدة أو موقف عابر، ثم تبني منه نصا يتصاعد نحو الفكرة التي تريد.


أما الحديث عن الصوت في مقالها "أغنية للطريق"، فهو يثبت فكرة أؤمن بها أيما إيمان، الصوت هو الأساس الذي ترصف به الطرقات وتقودنا إلى الأماكن، نحن نصل على طرقات الصوت نحو أماكننا الحسية، بل يصبح الطريق غاية لأجل السماع، ثم تحكي التفاصيل الدقيقة التي ذكرتها منى في مقالتها ما أعيشه شخصيا في الكثير من الجولات في السيارة حين أخرج للاستماع أولا وللمشاوير ثانيا، كالصمت الذي نلتزمه أنا وصديق يرافقني في "الطلعات السماعية"، حتى تتحول تلك الجولات لذكرى لا تنسى، تظل عالقة لزمن طويل.


وأنا أقرأ "أزهار زرقاء لقميص الغابة" طرأت على مخيلتي الكثير من الأفكار التي أحب أن أسجلها كما فعلت الكاتبة في بعض مقالاتها، حيث وضعت أفكارها على شكل نقاط، الأولى: أن تجد أفكارك بلسان كاتب آخر وبلغته المختلفة، أمر سيرسخ الفكرة في داخلك بصوتين ولسانين ونصين وقلبين وعقلين، أن تجد من يشاركك الفكرة، فهذا سيبعث السعادة لأسباب كثيرة أكبرها غير مفسر، وأوضحها أن الأفكار كالبشر لا تحب أن تعيش وحيدة. الثانية: بين التصنيفات الكتابية مناطق رمادية، هي الأجمل والأمتع، إذ تجمع بين الأدب والمقالة، أو بين العلم والأدب، ولربما بين المخيلة والواقعية. الثالثة: الكتابة المنهجية ذات الحس الأدبي الإنساني هو أكثر ما قد يلامس القراء، لكن كون أحدنا كاتب يستند على المخيلة، فذلك قدره، تماما كما يكون قدر أحدنا الآخر أنه يستند على الواقع والمشاهدات والمحسوسات اليومية. الرابعة: قراءة عمل صحفي مقالي لأحدهم يقربك منه كإنسان أكثر من قراءتك لعمل أدبي روائي مثلا، في المقال أنت تبصر أفكار الكاتب، ولربما تشاهده هو وتكون عنه صورة واسعة بنورامية، لكنها لن تخلو أبدا من لقطات مقربة. الخامسة: المتعة، جزء أساسي في أي عمل، لذلك لا تكفي الفائدة وحدها، ولا الموضوعية، ولا البعد المهني والمنهج المتقن لكتابة عمل ما، وحدها المتعة تمسك بالقارئ حتى النهاية.