يذكر الشقصي في منهج الطالبين أنّ ناسا من أهل البصرة قالوا: انظروا لنا رجلا قريب الإسناد ورعا، حتى نكتب عنه ونترك ما سواه، فنظروا، فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب، فطلبوا منه ذلك، وأخذوا على هذا عهدا، ثم إن الربيع لما خاف أن يشيع ذلك أغلق عليه بابه إلا من أتاه من إخوانه.
واستنتج بعض الباحثين أن الإمام الربيع اشتغل في هذه الفترة بجمع المسند، وقد اختار الإمام الربيع رواياته بحيث تصوّر المذهب الإباضي في الفقه والعقيدة، ولم يجعل همه أن يجمع الأحاديث جمعا عاما يستوعب ما حفظه، ويستوفي ما تلقاه عن السلف. فمن هو الإمام الربيع؟
الإمام الحافظ الحجة المحدث أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد ابن عمرو الفراهيدي العماني مولداً، البصري إقامة. ولد الإمام الربيع سنة 80هـ أو قبلها بقليل في منطقة الباطنة من عمان، قيل في ودام وقيل في غضفان، وبعد أن أخذ بعض المبادئ على يد والده حبيب بن عمرو ومشايخ العلم في عمان رحل إلى البصرة حوالي سنة 90ه،ـ حيث سكن في البصرة في منطقة تسمى "الخريبة" وهناك تتلمذ على يد كبار التابعين، وبقي فترة طويلة إلى أن رجع إلى عمان في أخريات حياته.
قال الإمام الربيع عن نفسه: "إنما حفظت الفقه عن ثلاثة: أبي عبيدة وضمام وأبي نوح" وهو يعني أن هؤلاء هم شيوخه الكبار، فالذي يطالع المسند وزياداته يجد أن الإمام الربيع قد أخذ العلم عن عدد كبير من علماء الأمة وأنه جلس في حلقات عدد من المحدثين، أما شيوخه الثلاثة فهم:
1- الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء، قال عنه العلامة الدرجيني: "كبير تلامذة جابر، وممن حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها... كان عالماً مع الزهد في الدنيا، والتواضع مع نيل الدرجات العليا".
2- الإمام أبو نوح صالح بن نوح الدهان: قال عنه العلامة الدرجيني: "شيخ التحقيق، وأستاذ أهل الطريق..... أخذ عنه الحديث والفروع، وكان ذا خشية لله وخضوع".
3- الإمام أبو عبد الله ضمام بن السائب الأزدي العماني: كان يسمى (راوية جابر بن زيد) لأن أكثر فتواه، قال جابر وسمعت جابراً.
بعد وفاة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لم يجد الإباضية خيراً من الإمام الربيع بن حبيب لتوليته إماماً وقائداً لهم، وبهذا أسندت إليه هذه المهمة الجسيمة التي يحتاج من يقوم بها إلى ورع تام وعلم واسع إضافة إلى حسن السياسة.
وحمل العلم عن الإمام الربيع عدد كبير من الطلبة منهم أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي وموسى بن أبي جابر الأزكوي وبشير بن المنذر النزواني وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة ومنير بن النير الجعلاني ومحمد بن المعلى وأبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي وهاشم بن غيلان السيجاني وغيرهم من العلماء.
كثر الثناء على الإمام الربيع من المتقدمين والمتأخرين، فقال عنه شيخه أبو عبيدة: "فقيهنا وإمامنا وتقينا" وقال عنه تلميذه محبوب بن الرحيل: "فقيه المسلمين وعالمهم بعد أبي عبيدة" يقول عنه الشماخي: "طود المذهب الأشم وبحر العلوم الخضم، صحب أبا عبيدة فنال وأفلح، وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح"
*توفي الإمام الربيع في بلدة غضفان على ساحل عمان حوالي سنة 175هـ.
(2)
ترك الإمام الربيع عدداً من الآثار، منها ما دونه بنفسه ومنها ما كتبه تلامذته وتلك الآثار منها:
1-المسند: وهو روايته عن شيخه أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة رضوان الله عليهم
2-كتاب العقيدة: وهو يضم حوالي (140) حديثاً وأثراً، ويشكل الجزء الثالث من ترتيب الوارجلاني المطبوع تحت اسم "الجامع الصحيح".
3-روايات الإمام محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع: وهي تشكل بعض الجزء الرابع من "الجامع الصحيح"
4-آثار الربيع: وهو كتاب ألفه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة جمع فيه روايات الإمام الربيع عن ضمام بن السائب.
5-آراؤه وأجوبته الفقهية: وهي مبثوثة في كتب تلامذته ومن بعدهم كأبي غانم بشر بن غانم الخراساني.
ونحن هنا سنتحدث عن كتابه الرائد "مسند الإمام الربيع"، فقد اشتهر أن الإمام الربيع قد وضع مصنفه مرتبا على أسماء الرواة، وقد بلغت مسانيد الصحابة الذين روى لهم الإمام الربيع 45 صحابيا، وأكثر ما فيه من روايته عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن شيخه أبي الشعثاء جابر بن زيد، وقد جاء أغلبُه ثلاثي الإسناد. وروى المسند عنه تلميذه محبوب بن الرحيل، ورواه عن محبوب ابنه محمد بن محبوب، ثم إن المسند انتشر عن طريق حملة العلم في المشرق والمغرب.
ولما كان البحث في المسانيد صعبا؛ احتاج إلى ترتيبه على حسب الأبواب، فتصدّى لذلك أبو يعقوب الوارجلاني، فرتبه على كتب (الطهارات، الصلاة، الصوم، الزكاة والصدقة، الحج، الجهاد، الجنائز، الأذكار، النكاح، الطلاق والخلع والنفقة، البيوع، الأحكام، الأشربة من الخمر والنبيذ، والأيمان والنذور) وقام أبو يعقوب بتقسيم كلّ كتاب إلى أبواب، ووضع تحت كلّ باب الأحاديث المختصة به، وجعل كلّ ذلك في جزئين؛ الجزء الأول: من أول الإيمان إلى نهاية الزكاة والصدقة، والثاني: من الحج إلى حلية الرسول. ثم أضاف أحاديث العقيدة، وهي آثار احتج بها الربيع على مخالفيه في مسائل الاعتقاد وغيرها، وجعلها جزءا ثالثا من الكتاب، ثم أضاف إلى ذلك كله روايات محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن الإمام أبي غانم وغيره ومراسيل أو مقاطيع الإمام جابر بن زيد، فجعلها جزءا رابعا من الكتاب، وسمّى عمله هذا "ترتيب المسند"؛ مع أن مسند الإمام الربيع هو الجزءان الأول والثاني من الكتاب المذكور فحسب،
وشاء الله أن يقبل الناس على عمل أبي يعقوب؛ لسهولة التعامل معه، وتركوا الأصل، فذهب مع مرور الأيام، وقد أطلق عليه الإمام السالمي اسم "الجامع الصحيح"، وقيل: بل سمّاه بذلك أبو يعقوب الوارجلاني، وقيل: سمّاه بذلك مؤلفه الإمام الربيع.
(3)
يعدّ مسند الإمام الربيع بن حبيب من أصحّ كتب الحديث سندا وأعلاها مستندا؛ لأن كلّ حلقاته ثلاثية، ومنها ما هي ثنائية؛ لأن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة قد أدرك كثيرا من الصحابة، فهو يعتبر من التابعين، فلا يكون بين الربيع صاحب المسند والنبي سوى حلقتين؛ حلقة شيخه أبي عبيدة التابعي وحلقة الصحابي الذي قد يكون أدركه وروى عنه، وقد وردت في المسند بعض الأحاديث التي رواها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن آخرين غير "جابر" إلا أنها قليلة.
ويعدّ مسند الإمام الربيع أحد المصنفات القليلة التي وصلتنا من القرن الثاني من الهجرة، فهو يعطي صورة صادقة للحركة الحديثية السائدة في ذلك الوقت.
ذكر يحيى بن معين "الربيع بن حبيب" في كتابه "التاريخ" حيث قال: ("الربيع بن حبيب" يروي عن الحسن وابن سيرين وهو ثقة). لكن الإمام الربيع ومسنده لم يأخذا حقهما في الشهرة لأسباب منها: اعتبار الإباضية إحدى فرق الخوارج المبتدعة الضالة مما أدى إلى تجنب المحدثين الرواية، عنه لأنهم اشترطوا فيمن يؤخذ عنه الحديث ألا يكون مبتدعا وداعيا لبدعته. ومنها عزلة فرضها الإمام "الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي " على نفسه بإغلاق الباب في وجوه طلبة العلم من غير أصحابه.
ومنها قلة مصادر تاريخ الإباضية بذهاب كثير منها نتيجة التعصب والظلم والحسد وحرق المكتبات. ومنها ظلم الولاة والحكام الذين تسلطوا على الأمة الإسلامية في العصور الأولى وسياستهم الجائرة التي طاردت كل من رفع صوته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكرّهوا الأمة فيمن يقول بجواز الخروج على الحاكم ووصفوه بالخروج من الدين.