يراقب العالم ساعته كما لو أنّ الحرب قدر لا فكاك منه. تتزايد المؤشرات، وتتضخم الحشود العسكرية إلى حد يعتقد فيه البعض أن الحرب العالمية الثالثة على وشك أن تنفجر؛ لإعادة صياغة العالم من جديد وبناء قواعده. لا أحد يتحدث عن البديل الممكن، وكأن دور طاولة المفاوضات ـ كما هو في السياق التقليدي ـ قد انتهى تماما. ينظر العالم لما تفعله تلك الطاولة على أنه تأجيل وقت الانفجار ساعة أو اثنتين ريثما يرتدي جنرالات الحرب بززهم العسكرية ويضعون نياشينهم على صدورهم لاكتمال بناء الصورة النمطية للمشهد. أما الدبلوماسية فتُركت للحنين، مع الأسف الشديد، للغة الخطابات والأحلام الوردية، وحديث السلم القادم من الماضي.. فرغها السياسيون قبل العسكريين من قدرتها على فهم العالم وتفسيره وإدارة وحشيته المفرطة. وللعسكريين أن يقتصوا لتاريخهم، في هذا السياق، من مقولة رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو الذي قال خلال الحرب العالمية الأولى: «إن قرار الحرب أخطر من أن يترك بيد العسكريين»، إنه اليوم أخطر من أن يوضع بيد السياسيين أيضا!
تنظر أمريكا إلى هذه الحرب المرتقبة وكأنها ضرورة تاريخية في سياق حسم «صراع حضاري» مع إيران الإسلامية، أو هو «صراع هيمنة» لضبط إيقاع العالم وفق ما تريده أمريكا/ الغرب. وما الملف النووي أو ملف الصواريخ البالستية ليست إلا واجهة لصراع أعمق وأعقد بكثير منها.. وإلا فإن الغرب هو من أسهم في وضع أسس القوة العسكرية الإيرانية قبل ثمانينيات القرن الماضي.
تقول إيران، في سرديتها الكبرى، إن الاستقلال جوهر هويتها، ورفض للهيمنة الغربية. أما السردية الأمريكية فتنظر إلى النظام بوصفه مجالا يجب أن يبقى قابلا للضبط، وأن الاستثناءات التي تخرج عن الشبكة العقابية والتحالفية تهدد هيبة المركز. وعندما يُقرأ كل هذا في حضور إسرائيل والصهيونية العالمية يصبح الاعتراض الإيراني تحديًا واضحًا لمنطق قائم على ضمان أمن إسرائيل بوصفه معيارا ثابتا، لا متغيرا.. أو غير قابل للتغير أصلا!
وهنا يتكشف أن المنطق «الحضاري» الذي تطرحه بعض الخطابات الفكرية والسياسية ما هو إلا حماية لإسرائيل وضمان تفوقها في المنطقة؛ ويلبس لباسا حضاريا لصناعة الضرورة الأخلاقية للحرب. تتحول الحضارة هنا إلى مجرد ذريعة لتسويغ الحرب والقضاء على مجتمعات وشعوب وبناء حضاري آخر. أما الحرب نفسها فينظر لها بوصفها واجبًا يعلو فوق جميع الأسئلة المنطقية أو الإنسانية بدل أن ينظر لها باعتبارها فشلا سياسيا كان يمكن تجنبه.
وبغض النظر عن منطق الحرب الحضاري أو التبريري فهي قمة المأساة الإنسانية وذروة ألمها، وأكبر هادم للبناءات الحضارية والتنموية عبر التاريخ. لكن تكرارها وتكريس الخطاب حولها جعل المنطقة تنظر لها بكثير من اللامبالاة؛ حيث أصبح غير المحتمل فيها قابلا للمشاهدة، ثم قابلا للتطبيع، ثم للتبرير! إنها تقضي على الحساسية التي تجعل قتل الإنسان جريمة، وجريمة عظيمة لا تغتفر أو تبرر.
إن أخطر ما في الحرب أنها تصنع على مهل؛ فكل يوم يمرّ يضيف طبقة جديدة من الاعتياد. تتهيأ المجتمعات لتقبل الفاجعة قبل وقوعها وحين تقع الحرب، تبدو وكأنها كانت هنا دائما، وأنها لم تكن بحاجة إلى تبرير أصلا.
لكن الحرب في الحقيقة ليست قدرا على البشر ولا يجب أن تكون كذلك، إنها اختيار تُصنع له المبررات العسكرية والحضارية حتى يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. لكن هذا الاختيار هو الذي ينهي إنسانية الإنسان ويحطم منجزه الحضاري.. سواء كان هذا الإنسان في طهران أو في فلسطين أو في واشنطن، وهو، أيضا، الذي يغتال ما بقي في الإنسان من قيم تناهض العنف وتستنكر البشاعة وترفضها.