ينتج مصنع تسلا في شنغهاي عددا من السيارات لكل عامل يفوق بكثير ما ينتجه مصنعها في كاليفورنيا. وتعكس هذه الفجوة أمرا مزعجا في ما يتعلق بتفوق الصين العام في مجال التصنيع، وهو أنها توصلت إلى طريقة لتنظيم الإنتاج حول الاستعمال واسع النطاق للأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي؛ وهذا ما لم تفعله الولايات المتحدة.
ويعد إعادة التصنيع من الأهداف الاقتصادية القليلة التي يجمع عليها الحزبان في الولايات المتحدة؛ إذ جعلت إدارات متعاقبة ـ بدءا من جو بايدن ثم ترامب الآن ـ من إعادة بناء التصنيع الأمريكي أولوية لها. وغالبا تفسر واشنطن الفجوة القائمة بين المصانع الأمريكية ومنافسيها في العالم باعتبارها نتيجة لدعم غير منصف أو أسواق مشوهة أو أشكال أخرى من الخداع.
وهذه عوامل مهمة، شأن قدرة الهيكل السياسي الصيني على فرض تغيير سريع من أعلى إلى أسفل.
لكن التحدي المركزي الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يتمثل في تحايل الصين على القواعد؛ ففي العالم كله، لم يعد التصنيع الحديث مماثلا لما كان عليه المصنع في منتصف القرن العشرين. فالروبوتات والأتمتة والذكاء الاصطناعي الآن تجعل من الممكن إنتاج المزيد من خلال عدد بشري أقل، بالرغم من أن المتبقين لا يزالون أكثر مهارة وأعلى أجورا.
وخلافا للصين، فشلت أمريكا في استيعاب هذا الواقع وتنظيم قطاع التصنيع بما يحيل نقاط قوتها التكنولوجية إلى مكتسبات موازية.
تتحدث أمريكا عن الذكاء الاصطناعي كأنه يعيش في المختبرات البحثية ومحافظ رأس المال الاستثماري ومراكز البيانات. بينما تعامله الصين باعتباره جزءا من عمل المصانع.
فالذكاء الاصطناعي اليوم مندمج في جهود الصين لتسريع الأتمتة، أي في توجيه الآلات وجدولة العمل وتحديد المشاكل في وقت وقوعها، وقد أقامت الصين أكثر من ثلاثين ألف مصنع ذكي، وأكثر من نصف الروبوتات الجديدة العاملة في العالم في عام 2024 ذهب إلى مصانع صينية.
وقد تبين لبحث أجراه ويجان شان ـ المستثمر والاقتصادي المقيم في هونج كونج ـ أن هذه المصانع العاملة في قطاعات تمتد من الصلب حتى بناء السفن تنتج الآن بالقياس إلى العامل أكثر مما تنتجه المصانع الأمريكية المناظرة.
والتحول مشهود على مستوى عنبر الإنتاج؛ ففي العام الماضي، كان لدى شركة زيكر للمركبات الصينية أكثر من ثمانمائة روبوت في مصنعها في نينجبو؛ ولقد جربت الشركة استخدام روبوتات شبيهة بالبشر في مصنعها لرفع الصناديق وتجميع المكونات وإجراء فحوصات الجودة.
وبدلا من اتباع التعليمات الثابتة، فإن الروبوتات تستعمل الكاميرات وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي للاستجابة لظروف العمل، شأن أنظمة مساعدة السائق التي تتكيف مع حركة المرور.
وقد تسمح هذه المرونة لها بالتعامل مع التغيرات، والعمل بأمان بجانب العمال البشر واستيعاب التغييرات الروتينية التي قد ترغم على تعطيل الإنتاج في حال عدم استيعابها. وهذه هي مكتسبات الكفاءة التي يمكن في نهاية المطاف أن تزيد الإنتاجية لكل عامل وتساعد في تخفيف وقع نقص العمالة الماهرة.
ولا تقتصر هذه المكتسبات على الأنظمة التجريبية. ففي شركة ميديا، وهي إحدى أكبر شركات تصنيع الأجهزة المنزلية في العالم، يقوم نظام تحكم يعمل بالذكاء الاصطناعي بالتنسيق بين الروبوتات وأجهزة الاستشعار والآلات في مصنعها بمدينة جينجتشو.
وقال مسؤول في الشركة إن النظام قلص زمن الاستجابة من ساعات إلى ثوان.
وتأتي تحسينات الإنتاجية من أشكال متعددة للذكاء الاصطناعي. حيث إنه بوسع البرامج أن تحلل لقطات الكاميرات لإزالة العيوب من خط الإنتاج.
وبوسع خوارزميات الجدولة أن توازن أوتوماتيكيا بين الإنتاج والمخزون والخدمات اللوجستية، إذ تقول لينوفو على سبيل المثال إنها تستعمل هذه الأنظمة لتقليل أزمنة جدولة الإنتاج من ساعات إلى دقائق. وبوسع الذكاء الاصطناعي أيضا أن يحلل بيانات تيارات الإنتاج فوريا ويبرز الاختلالات الصغيرة قبل أن تبطئ خط الإنتاج بالكامل.
وتقول شركة شاومي للتكنولوجيا إنها استعملت التصنيع الذكي وأكثر من سبعمائة روبوت في مصنعها ببكين لإنتاج سيارة كل ست وسبعين ثانية في المتوسط.
لقد سعت بكين إلى تحديث المصانع باعتباره مشروعا وطنيا على مدى عقد من الزمن، بدعم من جميع مستويات الحكومة، متجاوزة مصانع رائدة من قبيل زيكر، وممتدة إلى أعماق سلاسل التوريد الصناعية في الصين.
وتقوم المقاطعات بتمويل شركات محلية تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة، وتقوم الوزارات الحكومية بتنسيق المعايير بحيث يتسنى للموردين والمصنعين التشارك في البيانات والحلول.
وتشجع الحكومة برامج تدريب العمال على استعمال التكنولوجيا، ويستطيع صغار المصنعين الاشتراك في شبكات رقمية مشتركة مدعومة من الحكومة تقوم بجمع بيانات الإنتاج وتنسيق الجداول ومراقبة المعدات بما يسمح بتبني أدوات الذكاء الاصطناعي دونما حاجة إلى إقامتها من الصفر.
في الجانب الآخر من المحيط الهادي، تركز سياسة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة على البحوث الرائدة في هذا المجال وتطوير نماذج لغوية واسعة النطاق.
وفي حين أن للأمريكيين الريادة في هذه المجالات، فهذا التركيز يتجاهل مجالات تطبيق أخرى لاستعمال الذكاء الاصطناعي والأتمتة بما يجعل من الصعب على المصانع الأمريكية أن تستعمل الأدوات الرقمية في المصانع.
ولذلك فإن 18% فقط من المصنعين الذين شملهم استطلاع مجلس قيادة التصنيع هم الذين قالوا إن لديهم استراتيجيات ذكاء اصطناعي في عملياتهم، وقال الثلثان إنهم يجدون مشقة في توسيع نطاق مشاريع اختبار الذكاء الاصطناعي لتشمل الإنتاج.
يقول بعض المصنعين الأمريكيين إنهم يجربون أدوات مماثلة؛ حيث يجرب مصنعو سيارات من قبيل فورد على خطوط التجميع أنظمة كشف بصري مزودة بالذكاء الاصطناعي لتحديد العيوب.
كما أنها تستثمر في أنظمة قادرة على اكتشاف مشكلات المعدات قبل إغلاق خطوط الإنتاج. غير أن هذه الجهود تبقى متفرقة.
والعوائق عملية أكثر مما هي تقنية، وبخاصة في الشركات الصغيرة والمتوسطة. ففي كثير من المصانع، إما أن بيانات الإنتاج منقوصة أو أنها لا تزال تُسجَّل يدويا، بما يجعل من المستحيل استعمال أدوات رقمية مما يعتمد على المعلومات المستمرة.
ويصعب على ثلاثة أرباع المصنعين الذين شملهم الاستطلاع ربط الآلات القديمة بالأنظمة القادرة على مساعدتهم في العمل بمزيد من الكفاءة.
كما يقول ثمانية من كل عشرة بنقص العمال القادرين على استعمال أدوات التصنيع المزودة بالذكاء الاصطناعي. ويقول أكثر من النصف إن التكلفة الأولية لمشاريع الذكاء الاصطناعي باهظة للغاية.
غير أن استجابة السياسة الأمريكية لصعود الصين في التصنيع تستهدف تدفقات التجارة بدلا من أداء المصنع؛ فقد يبدو المزيج المألوف من الرسوم الجمركية والتحقيقات التجارية والقيود المفروضة على المكونات والتقنيات المستوردة مزيجا صارما، لكنه لا يحقق الكثير في تقليل فجوة الإنتاج.
هذه السياسات في حقيقة الأمر تترك المصنعين الأمريكيين في مأزق؛ فحينما يسعون إلى الأتمتة، كثيرا ما يعتمدون على روبوتات وأجهزة استشعار وآلات مستوردة.
غير أن إدارة ترامب بدأت تحقيق أمن وطني في سلاسل توريد هذه الروبوتات بما قد يفضي إلى رسوم جمركية من شأنها أن ترفع تكلفة هذه المعدات التحديثية.
ولو أن الهدف هو استرجاع التصنيع من الخارج، فيجب أن يركز صناع السياسة الأمريكيون بقدر أقل على الحماية وبقدر أكبر على مساعدة المصنعين في استعمال الأدوات الرقمية.
ويعني هذا ربط المعدات القديمة بالأنظمة الرقمية لتوليد بيانات قابلة للاستخدام. ويعني أيضا تحديث المصانع القديمة لدمج المعدات بأجهزة الاستشعار والبرمجيات والتحليلات. ويعني كذلك الاستثمار في تدريب القوى العاملة ليتمكن الموظفون من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ويعني أيضا دعم الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات للبنية الأساسية الرقمية المشتركة التي تسمح للمصنعين الصغار والمتوسطين أن يتبنوا الأدوات المتقدمة.
وهذا هو ما تفعله الصين. وتستجيب اقتصادات متقدمة أخرى في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها باتباع استراتيجيات مماثلة.
لقد ركزت أمريكا على الابتكار أكثر من التركيز على التطبيق، ولكن في بعض الأحيان، يجب التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عملا مصنعيا، قد يكون غير جذاب بل ومملا، لكنه ضروري من أجل المنافسة.