تشرع الأبواب في كل موسم رمضاني للدراما العربية حتى تضع بصمتها، وتقول كلمتها، وتثير الرأي العام لكل الشعوب، في ساحة شاسعة من اختلاف الأذواق والآراء والأفكار والتوجهات، بين حديث لا ينتهي مع دفتي المؤيد والمعارض، وإنما يتعداه لمساحة التأثير الوجداني على الجمهور، فلم يعد التنافس حكرا على نسب المشاهدات، بل على قدرة كل عمل درامي على الاستحواذ على "الترند"، في هدف غير معلن وهو "إثارة الجدل".
فمنذ لحظة الإعلان الأولى التي تسبق عرض المسلسلات الرمضانية بأيام، تبدأ منصات التواصل الاجتماعي بتحليل تلك الإعلانات بأساليب مختلفة، ومع عرض الحلقات الأولى تدأب المنصات لطرح جدلي حول المحتوى والمضمون والأداء والفكرة، وتبلغ ذروة الجدل عند المشاهد المفصلية، والتي تبدأ من خلال اقتطاع مشاهد لنشرها عبر منصة "تيك توك"، أو بكلمات مفتاحية تبلغ بها "ترند" في منصة "إكس"، أو عبارات وصور تحتل "إكسبلور" منصة "الإنستجرام".
ومع اليقين على أن الموسم الدرامي الرمضاني يشهد كثافة في متابعة الجماهير، حيث اجتماع العائلة، وتشابه الجدول اليومي لدى الأسر العربية يبرز سؤال مفصلي حقيقي: هل الجدل المثار إبان عرض المسلسلات الرمضانية يعكس حيوية فنية وصداما صحيا مع أسئلة المجتمع؟ أم أنه فعل متعمد يراد منه إثارة ضجيج عابر تصنعه سرعة التداول الرقمي أكثر من عمق الطرح؟ في هذا التقرير نحن لا نبحث عما يثير الجدل، إنما نقرأ تفاصيل الأعمال الدرامية لموسم رمضان 2026م، والبحث في ظاهرة "إثارة الجدل" التي غيرت ملامح المشهد الدرامي، وبدلت ذائقة المشاهد في زمن المنصات المفتوحة.
ومع الوعي المكتسب لدى الجمهور من خلال المنصات الرقمية صارت المعالجة الفنية الضعيفة بأي شكل من أشكالها "مثيرة للجدل" ومستفزة للجمهور أكثر من غيرها من الأسباب، فلم يعد الجمهور لا يفقه شيئا في المعالجة الدرامية، وإنما صار يشاهد ويحلل وينقد ما وراء النص، وما يصاغ في الحوارات، يفهم في زوايا التصوير وانتقال المشاهد، بين تصاعد الأحداث وفتورها، بين أداء الممثل ومبالغته، بين لغة الجسد وصوت الصمت، يلاحظ قوة الإخراج ويراقب الديكورات والأزياء والمكياج.
من يملك الحقيقة؟
سؤال تطرحه إثارة الجدل، يا ترى من يملك الحقيقة.. بين صناع العمل والجمهور؟ فهل يا ترى يعد الجدل دليل نجاح؟ إذ يعتبر صناع العمل الدرامي أن الجدل هو مكسب ودليل نجاح، على مقولة: "لا دخان من غير نار"، ولكن هل تلك النار أشعلت لتدفأ البيوت العربية في موسم الدراما الرمضانية؟ أم أنها أشعلت لأهداف تسويقية مقصودة، فالمنتجون يرون أن العمل حين يثير نقاشا وتداولا فهذا مكسب، في حين أن الجمهور يحارب ذلك بقوله: إن "المشاهد ليس حقل تجارب"، بل هو واعٍ بشكل كاف ليرفض فكرة دخيلة، ويهاجم مضمونا خادشا جريئا، ويناقض حقائق تاريخية، وينقد طرحا عشوائيا ومستفزا، وهنا تقف الأعمال الدرامية بين حرية الإبداع وحدود القيم المجتمعية ومسؤولية الطرح.
مع وجود منصات التواصل الرقمي تغيرت الحال بالنسبة للأعمال الدرامية، فلم تعد حكرا على مشاهدة محبيها، بل صارت متاحة لكل فئات المجتمع، من خلال ما تروجه المقاطع القصيرة المنشورة عبر المنصات، فيتعدى أمر الجدل من كونه نقدا فنيا إلى محاكمة أخلاقية رقمية، وعلى الرغم من الجدال حول المقطع بين من أعجبه ومن رفضه ومن هاجمه باستماتة، إلا أن العمل نفسه يلقى بذاك رواجا ومشاهدة وبلغ "الترند" المنشود، بقصد وتعمد أم غير قصد.
"الجدل" كأداة تسويقية
قد تلعب بعض شركات الإنتاج الدرامي على هدف التسويق بأسلوب "الجدل"، فتنشر مقاطع ترويجية قبل عرض المسلسل بأسلوب يثير اهتمام الجمهور ويفتح باب الجدل، كما تنشر أيضا مقاطع أثناء العرض لحلقات لم تبث بعد، في أسلوب جذب مباشر، بغض النظر عن محتوى ومضمون المشهد، قد يكون مركبا أو مقتطعا يبدأ الجمهور بتداوله ونشره، وتدخل فيه التحليلات والنقد والأسئلة، ويحقق العمل بذلك مراده من الانتشار.
في حين أن بعض صنّاع الدراما هم أداة صناعة الجدل، أن يتعمد مخرج بإظهار مشهد لامرأة في مسلسل ما وهي ترتدي ملابس تخدش الحياء العام وفي موسم رمضان –الذي لا يختلف على قدسيته شعب عربي- مستفزا بذلك الجمهور، فهو لا يتعامل بذلك مع مسلسله كمادة فنية تحمل رسائل ومبادئ وقيم يراعي بها المجتمعات، وإنما هي وسيلة نجاح، وسلعة تجارية يراد بها الربح فقط.
وفي جانب آخر يثار الجدل على كاتب قصة، يملك قلما يقدر من خلاله على صنع مضمون يلامس الوجدان، فيرفض ذلك، ويوجه قدرته على إثارة الجدل، بأفكار دخيلة، وقصص لا تمس حتى الخيال في مجتمع عربي، وبشكل متعمد تطال بسيناريو عملها للجرأة المبالغة، فتخرج تفاصيل العمل من إطار المشاهدة للمتعة، وتلهث وراء "الترند" وإثارة الجدل، دون الاكتراث لعواقب ذلك.
موسم رمضان 2026م
قبل انطلاق موسم هذا العام من الدراما الرمضانية، كانت الإعلانات والعروض التقديمية "البرومو" لكثير من المسلسلات قد عبأت شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية، في إثارة للتسويق، وجذب للانتباه، واستطاعت أن تحصل على مرادها من التسويق للمشاهدة، ومع بداية عرض الحلقات الأولى كانت قد تصدرت أعمال كثيرة شبكات التواصل الاجتماعي بمقاطع قصيرة نشرت على نطاق واسع، فعلى مستوى الأعمال الخليجية استطاع الجزء الثاني من مسلسل "شارع الأعشى" أن يسحب البساط عن بقية الأعمال، فبعد النجاح الذي لاقاه الجزء الأول، واقتراب الجمهور من أبطال العمل، وتدعيم الجزء الثاني بأسماء لها قاعدتها الجماهيرية، استطاع أن يكون جذابا للمشاهد، رغم ما تطال العمل من انتقادات أيضا، وانتشار الكثير من المقاطع لمشاهد عرضت أو تلك التي لم تعرض بعد عبر المنصات المختلفة، في انجذاب واضح للجمهور للوكيشن التصوير، وأزياء أبطال العمل، واللهجة التي كانت متداولة منذ الموسم الأول.
وعلى الموسم العربي كانت الترقب للدراما السورية العائدة بقوة هذا العام من خلال كم هائل من الأعمال السورية، وعودة نجوم لهم جمهورهم المحب، إلا أن جدلا واسعا قد طال تلك الأعمال، فالقالب الصريح حول الجانب السياسي، أو ذاك المبطن به، أثار سخط واستياء كثر، فلم يكن مسلسل "القيصر لا زمان لا مكان" المنتظر محل إعجاب من الجمهور السوري خاصة، ولا جذبا من الجمهور العربي عامة، ورغم شارة العمل التي قدمتها الفنانة أصالة نصري، إلا أنه أثار جدلا حول الأحداث التي عرضت محطات مفصلية من الثورة السورية، ووجهت له تهمة كونه عملا تجاريا يتحدث عن معاناة المعتقلين قبل حتى إنصافهم، ومع ما يتم تداوله من قبل الجمهور عن رفضهم لتحويل قضايا المعتقلين السوريين والمفقودين لمادة دراما ترفيه، كون أن العدالة تطلب في المحاكم لا في الاستوديوهات، ومطالبات كثيرة بإيقاف عرض المسلسل، إلا أنه لم يتوقف.
وعلى مستوى إثارة الجدل، كان الترويج لمسلسل "بخمس أرواح" قبل عرضه لا سيما مع اجتماع النجمين السوريين قصي خولي وكاريس بشار قد أثار اهتمام جمهورهما الواسع، إلا أن ظهور كاريس في الحلقة الأولى من المسلسل قد أثارت الجدل، فهي الراقصة في ملهى ليلي، وتتحدث بلهجة أهل الجزيرة السورية، وهو ما فتح بابا للجدل، تارة من لهجة هل تتقنها النجمة السورية، ومن غنائها بصوتها لمجموعة من الأغاني على المسرح، فالبعض تداول مقاطع لها بإعجاب، والآخر كانت رافضا وناقدا، ورغم أن مقطع غنائها لأغنية "عرب الشرقية" كانت الأشد انتشارا وقارنها البعض بغناء "أصالة نصري"، وفي مقاطع أخرى عبّر آخرون عن أداء تجاوز "سارية السواس"، إلا أن هناك من استهجن غناءها غير المتمكن، ولكن الحقيقة أن شخصية "سماهر" في "بخمس أرواح" قد أصبحت حديث الـ"سوشيال ميديا".
القيمة الفنية والضجيج
لا يمكن نكران أهمية القيمة الفنية المكتسبة من عمل درامي، فثمة قصص تحضر لتبقى في ذاكرة المشاهد، وأعمال لها بصمتها وعمقها، وممثلون يحملون رسالة الفن على عاتقهم فلا يقدمون إلا ما يليق بالصورة التي ترفع سقف الآمال للمشاهدين، في حين أن أعمالا أخرى لاقت صخبا إعلاميا، وانتشارا عبر المنصات إلا أنها قصيرة العمر، سهلة النسيان، ومعيار التقييم: هل يصمد العمل بعد انتهاء الموسم؟