خلال أغلب فترات التاريخ الجيولوجي لعمان، الممتد لأكثر من 800 مليون عام، ظلت هذه الأرض تقع على الحافة الشرقية للصفيحة العربية في موقع يطل على محيط واسع، كما هو الحال اليوم. وقد منح هذا الموقع البحري لعمان دورًا محوريًا في تسجيل التحولات التي شهدتها المحيطات والقارات عبر الزمن؛ فبفعل التيارات المحيطية وحركة الصفائح التكتونية، كانت الكائنات الحية تنتقل من منطقة إلى أخرى، وتنتشر عبر المسطحات المائية الشاسعة. وعندما تتقارب القارات أو تتباعد، أو عندما تنفتح المحيطات وتنغلق، تتغير أنماط الحياة وخصائص البيئات بصورة جذرية. وحتى قبل أن يكتشف الجيولوجيون آليات حركة الصفائح، لاحظ الناس تشابه الأحافير بين قارات متباعدة بآلاف الكيلومترات، وهو ما شكل لاحقًا أحد الأدلة الرئيسة على نظرية الانجراف القاري.
ويمثل العصر الطباشيري أحد أهم العصور الجيولوجية، ليس فقط في سياق التاريخ الجيولوجي العام، بل في حقبة الحياة المتوسطة على وجه الخصوص. فقد امتد هذا العصر من نحو 140 مليون عام مضت إلى 65 مليون عام مضت، أي قرابة 80 مليون عام من التطورات البيئية والبيولوجية المتسارعة. وقد انتهى هذا العصر بحدث انقراض جماعي شهير أدى إلى فناء مجموعات واسعة من الكائنات الحية، من أبرزها الديناصورات غير الطائرة. ومع ذلك، استطاعت بعض الكائنات النجاة من هذا الانقراض، مثل الطيور والثدييات، التي وجدت في غياب الكائنات المهيمنة فرصة للتنوع والانتشار في مختلف أنحاء الأرض.
وتجسد أحافير عمان كثيرًا من تفاصيل القارات والمحيطات والمناخات القديمة خلال العصر الطباشيري، كما توفر معلومات قيمة عن التحولات المناخية والانقراضات والتطور البيولوجي عبر الأزمنة الجيولوجية. فقد عُثر في مناطق متفرقة من سلطنة عمان على أحافير تعود إلى ديناصورات وأنواع من التماسيح والسلاحف المنقرضة، إضافة إلى بقايا نباتية من جذوع وأوراق يقدر عمرها بنحو 72 مليون عام. ومن أبرز المواقع الأحفورية محيط قرية الخوض القديمة بولاية السيب، حيث كشفت الاكتشافات عن تنوع لافت في بقايا الكائنات البرية التي عاشت في أواخر العصر الطباشيري.
وتنتمي أحافير الديناصورات المكتشفة في محيط قرية الخوض إلى أربعة أنواع على أقل تقدير، وهي ديناصورات الأورنيثوبود، والهادروسورس الذي يعد نوعًا متقدمًا من الأورنيثوبودات، إضافة إلى ديناصورات الثيرابود والساروبود. ويعكس هذا التنوع وجود بيئة برية غنية ومتنوعة كانت قادرة على دعم سلاسل غذائية متكاملة تضم آكلات نبات وآكلات لحوم. غير أن الاكتشاف الأهم يتمثل في العثور على بقايا ديناصور هادروسورس، إذ إن الأنواع الأخرى عُثر عليها سابقًا في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وإن كانت بأعداد أقل وحالة حفظ أضعف.
وتكمن أهمية اكتشاف الهادروسورس في أنه لم يكن معروفًا سابقًا في أفريقيا أو في الجزيرة العربية، بل كان يُعتقد أنه يقتصر على القارات الشمالية، مثل أوروبا وأمريكا الشمالية. ووجوده في عمان خلال العصر الطباشيري يشير إلى احتمال وجود رابط جغرافي بري أو شبكة من الجزر الضحلة التي أتاحت انتقال الكائنات بين أوروبا والجزيرة العربية. ويعني ذلك أن الجغرافيا القديمة للأرض كانت أكثر تعقيدًا مما كان يُتصور، وأن محيط التيثيس، الذي كان يفصل بين أفريقيا والصفيحة العربية من جهة، والقارة الأوروبية الآسيوية من جهة أخرى، لم يكن حاجزًا مطلقًا أمام حركة الكائنات.
إن اكتشاف الهادروسورس في عمان يضفي بعدًا جديدًا على فهم العلاقات الجغرافية بين القارات خلال العصر الطباشيري، ويعزز من أهمية سلطنة عمان بوصفه موقعا مفتاحيا لإعادة بناء خرائط الأرض القديمة. كما يؤكد أن عمان لم تكن مجرد هامش جغرافي، بل كانت جزءًا فاعلًا في مسرح الحياة القديمة، سواء في بيئاتها البحرية أو البرية.
وتشير هذه الاكتشافات مجتمعة إلى أن عمان شهدت في الماضي بيئات متنوعة، من سهول نهرية وسواحل بحرية إلى مناطق دلتاوية خصبة، احتضنت حياة غنية ومتشعبة. ومن خلال دراسة هذه الأحافير يمكن إعادة بناء تفاصيل المناخات القديمة، وفهم كيفية استجابة الكائنات للتغيرات البيئية الكبرى، بما في ذلك أحداث الانقراض الجماعي. وهكذا تسهم أحافير العصر الطباشيري في عمان في توسيع آفاق المعرفة بتاريخ الأرض، وتؤكد أن هذه الأرض تحتفظ في طبقاتها الصخرية بسجل علمي بالغ الأهمية لفهم تطور الحياة على كوكبنا.