هذه الرواية ليست بالعادية، لقد دمجت عنصرين قل ما يجتمعان، عنصري الإثارة والعمق، وأقصد بالعمق هنا هي تلك الأبعاد الرمزية والإسقاطات المدهشة التي أتقنها وتفنن في رسمها الكاتب، وليس بغريب على كاتب تشبع بكل تلك التجارب، أن "قضى زهاء عمره يتنقل من مكان إلى آخر في طول أمريكا وعرضها، مزاولاً الكثير من المهن إذ عمل كبائع، وسائق تاكسي، ومراسل، ومحرر رياضي، وحارس شخصي لأحد السياسيين، ومصارع، وصحفي، وكاتب سيناريو" إنه الكاتب الأمريكي هوراس ماكوي.
وكأن الرواية القصيرة هذه نظرة بانورامية للكاتب تختزل أفكاره ورؤاه إزاء العالم، وإزاء مجتمع هوليود بشكل خاص،هذا الروائي الذي أجعله في مصاف الكتاب العالميين الكبار، تماما كما فعلت فرنسا حين اهتمت بأعماله ووضعته مع كتاب كبار مثل فولكنر وهمنغواي؛ لأنها تراه البذرة الأولى للوجودية الأمريكية، بخلاف وطنه أمريكا التي لم تقدره حق قدره لمّا وضعته في كفة كتّاب الجريمة من حقبة الكساد الكبير، وهو ما لم يكن يسعده.
وكما تقول إيزابيل الليندي: "إن الرواية ككل هي في النهاية سيرة ذاتية" فإن هوراس ماكوي، عايش ذلك الزمن القاسي، زمن الرواية، حقبة الكساد الكبير والركود الاقتصادي الأمريكي في ثلاثينيات القرن الماضي التي رمت بأثقالها على المجتمعات والأفراد، الأفراد الذين كابدوا الأمرّين لأسباب خارجة عن إرادتهم.
وهذا ما أجبر بعض البسطاء وأبناء الفاقة بالمشاركة في مسابقة ماراثون الرقص، منهم البطل روبرت وصديقته جلوريا، جلوريا الاستثنائية التي سنستفيض في شخصيتها أكثر لاحقا.
ماراثون الرقص هذا هو الذي سيدبج أغلب أحداث الرواية، ذلك الرقص غير الممتع كما عهدناه، بل جولات من الألم والقهر، والبقاء للثنائي الذي يستمر أطول فترة في الرقص، وإقصاء الأضعف، إنها فلسفة "البقاء للأقوى" كما عرفناها من توماس هوبز وداروين، والأنكى من كل ذلك أن هذا الماراثون يستند على متعة وحماسة الجمهور بالغ الثراء وتشويقه على حساب ألم وصحة المشاركين، ومن بين الحضور كان نجوم هوليود والعاملين فيها مستمتعين بمشاهدة هذه المعركة البشرية الضارية التي تشبه عروض المصارعين والحيوانات المفترسة في رومانيا القديمة.
فكان كلما سقط أحد المشاركين مغميًا عليه يقف الجمهور ويصيح، وهذا ما سنشاهده أكثر في "ماراثون الهرولة" هذا الذي أسميه إعداما غير معلن صراحة، فكان من بين المشاركين الحامل والأعرج والمريض والمعافى يتصارعون من أجل 1000 دولار فقط يحصل عليها الثنائي الصامد في المسابقة. إنها محاكاة للحياة، الأغنياء غارقين في لهوهم واستمتاعهم برؤية الفقراء يتصارعون فيما بينهم لأجل لقمة الحياة.
يفضح ما كواي، من خلال هذا العمل الواقعي، الرأس مالية وما تتمخض منها من حالات وممارسات مقيتة مفرغة من الوازع الإنساني، وما يصاحب عالم هوليود من عبث لا أخلاقي، مستحضرا وأنا أقرأ الرواية جزيرة إبستين في زمننا الحاضر وما صاحبها من وحشية شيطانية طالت الكثير مشاهير وقادة وأغنياء هذا العالم.
" - جلوريا: سأخرج من هذه الدوامة. لم يعد هناك شيء يربطني بهذا الشيء العفن.
-روبرت: أي شيء؟
-جلوريا: الحياة."
ننتقل إلى شخصية جلوريا، وأقولها صراحة إن هناك شخصيات روائية أيقونية، صعب أن يمحوها التاريخ، حتى أنك تتذكرها في ممارسات حياتك الاعتيادية بين حين وآخر، وجلوريا ضمن هذه الشخصيات المهمة، على غرار زوربا ودون كيخوت وآخرين.
هذه التي تنضح بالموت والتشاؤم والعدمية التي لا ترى في الحياة سوى عبثية مستمرة، تذكرك بسيوران، لا تخفي تهكمها وحنقها وبغضها ولسانها الطائش بلا مكابح الذي يجسد فلسفة وجودية ورؤية للاجدوى. استدعيت وأنا أقرأ حواراتها الأخيرة من الرواية، اقتباس قد حفظته لمظفر النواب: "اغفروا لي حُزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية، بعضُكم سيقول بذيئة، لا بأس، أروني موقفًا أكثر بذاءةً مِمّا نحن فيه”.
تقول جلوريا في بداية لقائها مع بطل الرواية روبرت: "أقطع يدي إن لم أكن أفضل من معظم هؤلاء الممثلات اللواتي يعتبرن أنفسهن نجمات، تعال نجلس في الحديقة ونمارس الكراهية تجاه بعض الناس".
أما البطل والراوي في آن "روبرت" فكان على طرفي نقيض مع جلوريا، هو الممتلئ بالأمل والتفاؤل وجمال اللحظة، رغم فقره وحظه العاثر، ورغم أن كليهما كان يسعى للعمل في هوليود، يقول روبرت بعد صداقتهما التي استمرت طويلا باستمرار المنافسة:
"لكن عليكِ أن تبدلي موقفكِ من العالم ونظرتكِ إلى الحياة. صدقًا، موقفكِ هذا يؤثر على كل من يتعامل معك. خذيني أنا على سبيل المثال، قبل أن ألتقي بكِ لم أكن أفكر إلا في النجاح والأمل. لم يكن الفشل يخطر على بالي يوما. أما الآن...".
شاهدت الفيلم المستوحى من الرواية والذي يحمل نفس الاسم مرتين قبل أن أقرأ الرواية، وأجمل ما في هذه الثنائية هي اختلاف الكثير من التفاصيل بينهما، لهذا أحببت كل منهما على حدة واعتبرتهما عملين منفصلين أسلوبيا وفنيا وجماليا؛ إذ تظهر في الفيلم رؤية المخرج سيدني بولاك الإبداعية التي أضفت على الرواية جمالية تصويرية وتسلسلية رائقة.