ملايين الجوعى حول العالم لا يحصلون على ما يسد رمقهم، يبحثون عن المأكل والملبس والمشرب والمأوى في بيئات قاسية لا ترحم، وفي المقابل آلاف الأطنان التي يرميها الصائمون كل يوم في صناديق القمامة، ويتخلصون منها دون مبالاة ودون اكتراث، فكيف بجائع لا يشعر بجائع؟!! وكيف بصائم ـ يفطر كل مغرب ـ ألا يستحضر في ذهنه صائمين طوال اليوم لا يجدون ما يأكلون؟!! الأمر غريب، ولكنه حاصل عند المسلمين الذين ينفقون أموالهم في الأسواق، ويرمون بنقودهم في أكياس الزبالة بعد الإفطار، وفي المقابل يشاهدون أولئك المسلمين في بقاع كثيرة لا يجدون ما يسدون به رمق جوعهم، ولا يلقون ماءً يكسرون به عطش صومهم!!
في غزة، في السودان، في الصومال، وفي كثير من دول إفريقيا وآسيا، لا يجد الصائمون ما يفطرون عليه، بينما تمتلئ موائد شعوب أخرى ـ والحمد لله ـ بما لذ وطاب، موائد لا أول لها وليس لها آخر، يُرمى نصفها أو أكثر إلى الفراغ، ليأكل منه الطير والقطط والكلاب، في مشاهد لا تعكس ذلك الدرس المجاني الذي يقدمه شهر رمضان للناس، وهو الشعور بالآخر والتفكّر في نعم الله الكثيرة التي مَنّ بها على الناس، دون أن ينتبه الكثيرون إلى الدعوة التي يوجهها شهر الصوم للمسلمين بعدم التبذير والإسراف، والتحكم في شهوة المال والسوق والنفس، كما هي القاعدة الربانية التي ذكرها الله عز وجل في كتابه الحكيم: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».
يأتي شهر رمضان، فينهال الناس على الأسواق، يشترون ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه من (باب الاحتياط)، تشعر بأن مجاعة كبيرة على وشك الحصول، أو أن حربًا ستقع قريبًا، ويتكدس الرجال والنساء في المحلات، وكأنهم قاموا من نوم عميق يبحثون عن كل ما يخطر على بالهم استعدادًا للصيام، وتتحول الوجبات الثلاث إلى وجبة واحدة يتم تناولها في وقت واحد، مع فترات متقطعة لوجبات بينية، ولا يكاد البعض يتوقف عن الأكل من بعد صلاة المغرب إلى وقت السحور، وكأنه خرج من سجن الجوع إلى حرية الطعام، وفي الطرف الآخر هناك من المسلمين من لا يجدون ما يفطرون عليه، ولا يوجد في قاموسهم شهوة الشبع أو تنوّع المائدة، بل إن كثيرًا منهم يواصلون صيام الليالي والأيام دون أن يحصلوا على ما يمكن أن يسد رمقهم، أو ما يفطرون عليه غير الماء، وأحيانًا لا يتوفر معهم حتى الماء، فأي تناقض نعيشه، وأي دروس لم نلتفت إليها في شهر الصوم؟
إن شهر رمضان هو شهر العبادات، وشهر الصدقات، والشعور بالآخر، وتقمّص دور الجائع والفقير، والإحساس بما يعانيه الغير في كل مكان، وهو شهر التدبر والتفكّر والتأمل في الذات، والعمل على تطهير النفس من أدران بشرية علقت بها، فمن لا يشعر بأخيه المسلم يحتاج إلى دروس تقوية أخرى أقسى وأكثر وقعًا وأشد صرامة، فالصدقة في هذا الشهر الفضيل لها أجر عظيم، وهناك الكثير من الجمعيات الخيرية التي تستقبل الصدقات والزكوات وتصرفها في وجوهها الصحيحة، سواء كانت في داخل البلاد أو خارجها، كما أن هناك سيارات (نقل النعمة) التي تقوم بتوصيل ما يفيض عن حاجة الصائمين من طعام إلى مستحقيه، المتعففين الذين ينتظرون ما يجود به إخوانهم عليهم، فكونوا سندًا لهم، وعونًا على أيامهم، ولا تنسوا أن شهر رمضان مُعلّم روحاني عظيم، يجب علينا أن نفقه دروسه، ونستوعب مواعظه وحكمته، ونستفيد من وجوده بيننا قبل أن يرحل، ونرحل نحن عن الدنيا.
مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني