ثمة إطاران يتنافسان في المشهد الأمريكي-الإيراني: أولهما يتمثل في المسعى الدبلوماسي والسعي نحو حل تفاوضي قائم على مبدأ الربح المتبادل، والثاني يشير إلى التصعيد المستمر والضغوط المتزايدة مع إمكانية وقوع صدام.
في ظل هذا التوتر، تبرز أسئلة محورية حول ما إذا كانت الجهود الدولية ستنجح في تفكيك عقدة الخلاف أو أنها ستنتظر تطورات جديدة!
تفاؤل ساد المنطقة خلال الفترة الماضية بنجاح الجهود الدبلوماسية، وإيجاد صفقة ما باللحظات الأخيرة لاحتواء الخلاف المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن المؤشرات القادمة من واشنطن خلال الأيام الأخيرة والوضع الميداني المتصاعد للقوات على الأرض تنبئ بشيء آخر تماما، ربما يكون هو الهدوء الذي يسبق العاصفة! وقد يكون مجرد إحدى وسائل الإكراه، وفوضى مقصودة للدفع باتجاه الصفقة المرتقبة. وبين هذا وذاك، لا شك أن المواجهة وصلت الآن إلى مرحلة حاسمة، فهل اقتربت الحرب بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أم أن الجهود السلمية قد تصنع المعجزة وتنقذ المنطقة من إعصار مرتقب؟ وهل يمكن استنساخ اتفاق 2015 والتوصل إلى اتفاق جديد، أم يضيق أفق الحل هذه المرة؟
دبلوماسية تحت وقع التهديد
جهود كبيرة بذلتها دول المنطقة لتشجيع الحوار، توجّت بجولات مفاوضات بمسقط وبسفارة سلطنة عمان بجنيف، والاتفاق على جولة ثالثة قريبة بجنيف. مواقف الأطراف -على الأقل العلنية منها- لا تزال تراوح مكانها، ودون انفراجة تذكر؛ الولايات المتحدة تتمسك باشتراطاتها، وبالمعروفات المعهودة المتمثلة في وقف وتصفير التخصيب النووي، تقييد قدرات إيران الصاروخية، وقطع علاقة إيران ودعمها لأذرعها بالمنطقة، بينما ترفض إيران التهديد، وترى أن الحل ممكن، وتتمسك بالحوار المباشر، وتؤمن بوجود فرصة للتوصل إلى حل دبلوماسي قائم على مبدأ الربح المتبادل.
ومع أن الطرفين يرغبان في حل سريع وبتكاليف قليلة لتحقيق أهدافهما المتعارضة من هذه المواجهة، ثمة اختلافات عميقة وتحديات، من شأنها أن تجعل المفاوضات أمرا في غاية الصعوبة.
لماذا هذه المواجهة مختلفة؟
نظريا، المشكلة هي ذاتها، إلا أن هناك فروقا جوهرية بين الاتفاق الأول والمفاوضات الحالية. لعل أبرز الاختلافات والعامل الأهم هذه المرة هو الوقت! فالولايات المتحدة في عجلة من أمرها لعقد صفقة سريعة تتناول جميع الملفات المطروحة على الطاولة دفعة واحدة، ولذلك ما يبرره عمليا لا يمكن لأمريكا إبقاء قواتها في حالة الاستعداد لفترة طويلة، دون اتخاذ قرار واضح، كما أن الانتشار العملياتي الكثيف يعد باهظ التكلفة ويأتي على حساب مناطق أخرى.
هناك أيضا قيود ومحفزات أخرى على المستوى السياسي؛ فالرئيس ترامب، وإن منح بعض الوقت لفريقه التفاوضي لاستنفاذ فرص الحل الدبلوماسي، إلا أن هذه المهلة على ما يبدو ستكون قصيرة جدا، والمعروف عن صبره أنه ينفذ سريعا.
كما أن ضغوط إسرائيل، ومن ورائها اللوبي الصهيوني في ازدياد ملحوظ، وتواصل بشكل ذكي تغذية التوجهات نحو الحل العسكري، والترويج أن لدى الرئيس ترامب نافذة استثنائية لصنع تاريخ يمجِّد حكمه، وأن هناك فرصة استراتيجية تلوح في الأفق، قد لا تتكرر، ويجب عدم تضييعها لصالح إعادة رسم وتشكيل المشهد الجيوبولوتيكي بالمنطقة.
وترى هذه الآراء أن نظام الثورة الإسلامية، ولأول مرة منذ 47 سنة، بات في مرحلة دفاع، ويعاني من هشاشة داخليا وخارجيا، كما تدّعي وجهة النظر هذه، أن المجازفة -وإن كانت صعبة- إلا أنها لها ما يبررها، وأنه بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة التعامل مع أي نتائج (غير مقصودة) قد تنشئ من الضربات الأمريكية.
أما على الجانب الآخر، قد يكون من الصعوبة بمكان للجمهورية الإسلامية الإيرانية توظيف عامل الوقت وكسبه لخدمة أهدافها التفاوضية. لا شك أنه السلعة الأكثر غلاء لإيران في هذه المرحلة الحساسة.
وبينما استغرقت المفاوضات المؤدية إلى الاتفاق النووي الإيراني الشامل في عام 2015 حوالي عشرين شهرا من المباحثات المكثفة، وتم تمديد الموعد النهائي للمحادثات مرتين، الأولى إلى 24 نوفمبر 2014، ثم إلى يوليو 2015 لشدة تعقيد الملفات، إلا أن الوضع هذه المرة مختلف تماما؛ فهامش المناورة أصبح محدودا جدا، ولا مجال واسع لدى إيران لتطبيق استراتيجيات التفاوض الذكية التي طالما تميزت بها.
ومن خلال التصريحات الأمريكية، لا يبدو أن تكتيكات «عزل الملفات» الموضوعة على الطاولة، والتعامل معها كلّها على حدة، سيكون لها الفعالية نفسها، ولا استراتيجية طرح «حلول مرحلية»، أو الاتفاق على إطار عمل أولي قبل التفاوض والتوقيع النهائي، كما حدث في لوزان في 2 أبريل 2015.
لذلك، من المتوقع أن يطالب فريق التفاوض الأمريكي من إيران بخطة ومقترح واضحين وجاهزين للتوقيع، وإذا تم تقديم عرض غير ذلك؛ فقد يُنظر إليه على أنه تسويف وإعلان بفشل المفاوضات.
من جانب آخر، أحد أهم الفوارق هذه المرة هو التغيير في موازين القوى على المسرح العملياتي. ومع عدم الاستهانة بقوة الردع الإيرانية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت هذه المرة بالتفاوض من مدخل القوة، تتحاور ويدها على الزناد، حيث قامت بنشر قوة نيران هي الأضخم منذ حرب العراق، قوة تسمح لها بالرد والدفاع مع قدرة على التنبؤ بأسلوب الرد الإيراني.
سيناريوهات المواجهة
في حالة الإعلان عن فشل المفاوضات رسميا، يبدو أن أغلب الاحتمالات تميل إلى تنفيذ ضربة جوية سريعة، محدودة، ودقيقة، لكن قائمة الأهداف هذه المرة من المتوقع أن تكون أكثر اتساعا وشمولا.
من المتوقع أن تطول القائمة الدفاعات الجوية، ومواقع تخزين وإطلاق الصواريخ البالستية، والقدرات الصاروخية، إلى جانب القواعد العسكرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بالإضافة إلى البرنامج النووي الإيراني، وكبار القيادات العسكرية، كما قد تتوسع وتشمل قوات الباسيج، المسؤولة عن الأمن الداخلي، بهدف إضعاف قدراتها وتحفيز المتظاهرين، كما قد تشتمل الضربات على أركان الدولة، والقيادات العسكرية والأمنية، والعلماء، وقد تكون أكثر جرأة، لتطال الرموز، وأعلى هرم الدولة.
ثم ماذا؟
الحديث عن النتائج شيء آخر تماما، إنه أمر يصعب التكهن به، ويفتح باب الاحتمالات، وصندوق بندورا Open Pandora›s box كما يقولون. إنه يعتمد بشكل أساسي وكبير على نطاق المواجهة، حجم ونوعية الضربات! هل تؤلم وتبقي النظام قائما -أو على الأقل شكلا منه- وفي هذه الحالة، يقوم برد عقلاني ومدروس، أم ضربات حادّة تؤدي إلى انهيار النظام، واستبداله بالفوضى، أو بحكم عسكري أكثر تشددا؟
في سيناريو قاتم كهذا، قد تجد بقايا النظام والعناصر الأكثر تطرفا به نفسها على الجدار، وهول الموقف يدفعها إلى طريق واحد، وهو الانتحار!
السيناريو الأخير يفتح باب الشرور على المنطقة ومصالحها على مصراعيه، حيث يمكن له أن يوسّع نطاق الصراع بدلا من تضييقه، كما قد يؤدي إلى حرب أهلية داخلية، كما كان في تجارب العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا.
بالطبع، قد تكون هناك بعض السيناريوهات المتفائلة، لكن عدم وجود قوات أمريكية على الأرض، وغياب خطة شاملة لليوم التالي، والإصرار الإيراني على المواجهة، تجعل تلك الافتراضات مجرد أحلام بعيدة عن الواقع.
وأخيرا، قد تكون فرص السلام في تضاؤل، لكنها تبقى الخيار الأقل كلفة على المدى البعيد. لا أعلم إن كنا اقتربنا من مرحلة يأس كهذه في اتفاق 2015، لكن صدق النوايا، وإدراك العواقب، هو من ساعد حينها في التوصل إلى حل، وهو ما يجب أن يتحلى به الجميع الآن.
ناصر الزدجالي محلل سياسي عماني