تأتي تجربة رمضان خارج الوطن بلون آخر أقل صخبًا وأكثر عمقًا؛ حيث تتبدّل الزينة، وتتفاوت مواقيت الصلاة، وتجتمع على موائد الإفطار وجوهٌ من جنسيات متعددة، ولا يفقد الشهر روحه، لكن يتغير معناه من طقس جماعي ممتد بأصوات العائلة إلى ممارسة شخصية واعية، يصبح رمضان في الغربة مساحة لإعادة اكتشاف الذات، ولصياغة طقوس صغيرة تحفظ الانتماء.
تواصلت «عمان» مع عدد من المغتربين في الخارج للتعرف على أجواء رمضان والصيام لديهم، حيث تقف سهام بنت حميد الشملي على شرفة شقة صغيرة تطل على شوارع Newcastle upon Tyne، تتأمل شهر الصيام من خلف نافذة بعيدة عن ازدحام عُمان، الصباحات معتدلة وساعات النهار أقصر، لذلك كان جسدها يغالب عطشًا أقل مما اعتادته في الخليج، لم تكن هذه مجرد مسألة مناخ؛ كانت إعادة تعريف للصيام نفسه.
تقول سهام" في الغربة تتراجع صخب الطقوس الاجتماعية لتمنح العبادة بعدًا فرديًا واضحًا، لا زينة في الشوارع، ولا موائد ممتدة في الحارات، لكن المساجد والمراكز الإسلامية في المدينة تحولت إلى مراكز حيوية لروح رمضان، تراوحت الوجوه فيها بين ألوان وجنسيات متعددة، فتشكلت صورة مناخية إنسانية؛ مصافحات تتجاوز الحواجز، وموائد إفطار أسبوعية تُقسم فيها العائلات أطباقها لتصبح مناسبة تعارف وتواصل".
لم تكن الصعوبات غائبة، كان الحنين إلى مائدة العائلة يزورها في كل مساء، وفارق التوقيت أربع ساعات يعقّد المكالمات مع أهلها، خصوصًا في وقت الإفطار، أما ضغط العمل من التاسعة حتى الخامسة فكان أقسى وتقول "أعود إلى المنزل أجد أن موعد الإفطار قد اقترب ولا وقت لديّ لتحضير وجبة متكاملة كما اعتدت".
وأوضحت خلال حديثها أن مائدة الإفطار في الغربة لم تعد مجرد طعام، ولكنه لقاء يخفف من وطأة الوحدة، ومن باب التعويض اقترحت سهام الزيارات المتبادلة مع الزميلات، وتبادل أطباق بسيطة بعد العمل، والمشاركة في موائد إفطار أسبوعية بالمركز الإسلامي، كل ذلك ليتركوا أثراً إنسانيًا دافئًا في ليالي الشتاء.
وفي الأحياء المنظمة عندهم تُقام مسابقات رمضانية بسيطة للأطفال وأنشطة فنية تربطهم بقيم الشهر، وتشارك سهام أحيانًا بتلك الفعاليات، وكل يوم يمر تكتشف أن جوهر الصيام لا يختفي مع البعيد فهو عبادة قلبية قبل أن يكون طقسًا مجتمعيا.
تبادل ثقافي
وتحكي ليلى بنت علي الكلبانية عن أجواء رمضان في ماليزيا وهي تتأمل أضواء الشوارع من نافذة سكن الطلبة في كوالالمبور. وتقول"هنا في جمهورية ماليزيا احتضنت الغربة رمضان بصورة مختلفة هادئة واعية، وأقرب إلى جوهر العبادة، لم يأتِ الغياب خفيفًا؛ فاللحظات الصغيرة في الوطن هي التي تصنع نسيج الشهر".
وتتابع قائلة "ماليزيا لها طعم رمضان مختلف، لا يقل روعة عن شوارع عمان، مع غروب الشمس تنبض الأسواق الرمضانية "البازارات" بألوان وأصوات مختلفة أكشاكٌ تبيع أطعمة محلية وتقليدية، وروائح تُغري العابرين بالتوقف لتذوق أكلات متنوعة، وفي المساجد تُقام إفطارات جماعية يشارك فيها السكان المحليون والوافدون، فتتجمع الجنسيات حول مائدة واحدة".
وكانت جمعية الطلبة العُمانيين شريانًا يمدّ الشهر الفضيل بالدفء، نظمت الإفطارات وجلسات التوعية ولقاءات ثقافية أعادت للحضور طعم الانتماء، وعززت الشعور بالهوية ووفّرت شبكة دعم جعلت الغربة أقل قسوة.
وتخبرنا أن الطبخ هناك كان أكثر من وسيلة لإطعام الجسد؛ كان شعاعًا يربطها بالبيت، تحضّر أحيانًا أطباقًا تعيد لها طعم الوطن، وفي أحايين أخرى تلجأ إلى المطاعم العربية المنتشرة التي تقدم لمسات مألوفة، فتصير مائدة السكن مسرحًا للحنين والاحتفاء. ورغم ميلها للهدوء داخل السكن، لم تهمل روح التجمع فشاركت في إفطارات طلابية، وحفلات طعام ثقافية مع زميلات من بلدان متعددة؛ كل واحدة تحضُر طبقًا من بلدها، فتحوّل اللقاء إلى تبادل ثقافي يذيب شعور الغربة.
تجربة اجتماعية ممتعة
ويتحدث محمود بن خليفة العزري عن رمضان في الغربة "في أول أيامي في شهر رمضان افتقدت أصوات الأهل وازدحام المائدة، لم يكن الأمر سهلا كان الجو الاستوائي والرطوبة تضيف صعوبة على الصيام؛ الظهيرة تصبح اختبارًا لصبر الجسد، والعطش يتربص عند كل خطوة"، ويتابع محمود حديثه ويروي أنه في كثير من الأوقات لجأ إلى المكتبة وقاعات الدراسة المكيّفة لتجاوز لحظات ذروة رطوبة الجو، وكيف أن وجود مطاعم وبقالات عربية قلل من مفاجآت الأذواق وقال "في البداية كان الطعام حارًا، وكُنت أفتقد الطعم العربي بشكل عام؛ لكن التعود سهل المهمة، ومع الوقت صرت أقدّر التنوع".
ويضيف" هنا مجتمع مسلم متماسك، مساجد تزدان بالتراويح، والشوارع تمتلئ بروائح مأكولات مشهية، هنا في الغربة لم يعد رمضان مجرد اشتياق للوطن بل أصبح فرصة لبناء "روتين" جديد، ومعرفة معنى الصيام في زمن العمل والمسؤولية".
في المساجد وبين صفوف المصلين، لاحظ محمود شيئًا يذكره بوطنه إحساس جماعي بالانضباط، وقت الأذان يُحترم، والتراويح تُؤدى بخشوع ويوما بعد يوم، صار الإفطار الجماعي في المساجد أو مع زملاء الدراسة وقتًا يعيد دفء الانتماء.
يبدأ محمود الإفطار دائمًا بالتمر واللبن والماء اقتداء بالسنة، يتبعها طبق متوازن من بروتين وخضار ونشويات معتدلة، ويختار لسحوره أطعمة تُثبت طاقته مثل الشوفان والبيض والفواكه، إضافة إلى النوم المنظم وشرب الماء بكميات كافية بين الإفطار والسحور، وتقليل المنبهات.
وفي بعض الأوقات كان الإفطار مع الأصدقاء في مطعم حلال يغيّر الروتين ويقوّي الروابط، ومع زملائه العمانيين ينظمون إفطارات جماعية بسيطة تجمع بين الضحك والحديث المتبادل.
انضباط واحترام
كانت حفصة بنت ناصر الكلبانية تشعر بطعم مختلف للصيام لا يشبه أجواء عمان، ساعات الصيام معتدلة وهو ما يتيح لها التركيز على الدراسة دون الإرهاق المفرط، ويحوّل الصيام من روتين جسدي إلى تمرين للمرونة والتنظيم الذاتي.
تقول حفصة "في المساجد تُرتّب موائد الإفطار، فتتحول المساحة إلى لوحة بشرية، وجوهٌ من أعراق ولغات متعددة تتقاسم طعام المساء وصوت الأذان" ما لفت نظر حفصة ليس فقط الحشد، بل الانضباط، والزينة البسيطة التي تمنح المكان روحًا دافئة.
وتضيف "لكن الحياة الأكاديمية لا تتوقف من حيث ضغوط الدراسة، الاجتماعات، ومواعيد البحث تحاصر أوقات الراحة، وأكثر ما يؤرقني هو إيجاد طعام صحي، ومع ذلك ليس كل شيء فرديًا، نتشارك أحيانًا في الإفطارات الجماعية التي تنظمها جمعيات الطلبة أو فعاليات جامعية، خصوصًا تلك التي تحمل بعدًا ثقافيًا أو دبلوماسيا"، وكانت تقوم بعادات رمضانية صغيرة تحمل عبق الوطن مثل توزيع التمر العُماني على الأصدقاء، وإدخال أطباق عُمانية بسيطة على موائد الإفطار، والنطق بعبارات التهنئة العُمانية التي تطبع اللقاء بروح من الأصالة، هذه التفاصيل ليست مجاملات فحسب، بل جسر يربط هويتها بالمكان ويعكس صورة مشرقة عن المجتمع العُماني.
دهشة الاكتشاف
لم يكن ماجد البوسعيدي من عشّاق البرد، لكن فضول السفر قاده هذه المرّة إلى روسيا في رحلة سياحية امتدّت قبل قدوم رمضان بأيام.
ففي مساء أول يوم رمضاني، ارتدى معطفه الثقيل وتوجه إلى المسجد القريب من فندقه، ولدى دخوله لفت نظره تنوّع الحضور وجوه آسيوية وعربية، بل وحتى روسيون حضروا لمشاهدة طقس لا يملكونه لكنهم يستشعرون معناه، كان المشهد دافئًا رغم البرد؛ ترتيبات الإفطار بسيطة ومنظّمة، أطباق شوربة دافئة خفيفة وسلطات متنوّعة وأطعمة لم تكن مألوفة في مطبخ الخليج.
تعرف هناك على شاب عماني يقيم في سانت بطرسبرغ منذ سنوات، حدّثه عن طرقه اليومية، وكيف يقضي أيام رمضان في غربته. وشارك ماجد في رحلات نهارية وتبادل أطباقًا أعدّها متطوعون من الجاليات العربية، وتذوق شايًا روسيًّا بجوار تمر عُماني كان لقاء يجمع ثقافتين في فنجان واحد".
اختلاف نمط الحياة
وتتحدث أنوار بنت حميد السعيدية "في الغربة كان لرمضان نكهة خاصة، أذان المساجد يملأ الأجواء، وزينة بسيطة تضفي على الشوارع هدوءًا روحانيًا" كانت تراقب أنوار سوق الإفطار من نافذة الجامعة فتشعر بأن الناس هنا يعيشون الشهر بصدق؛ تبادل للطعام، عناية بالمحتاج، وأوقات صلاة يلتزمون بها باحترام، هذا الانضباط الاجتماعي لم يطفئ وحدتها، بل أراحها؛ فقد وجدت في روح التكافل متنفسًا يذكرها بأنها ليست وحدها في البعد.
وتخبرنا أن التحديات كانت حاضرة بين ضغط الدراسة والتزامات البحث، واختلاف نمط الحياة، وحتى أن المسافات بين المحاضرات والمكتبة قد تبدو أطول في حرّ الظهيرة.
وقالت" أختار أن أفطر في سكن الجامعة لأنه يمنحني سيطرة على الوقت ويترك فسحة للتهجد والصلاة بعد الإفطار دون استعجال".