حاورتها: مريم البلوشي -
تميزت البطلة فداء البرواني بمسيرة رياضية حافلة بالإنجازات في رياضة التايكواندو، حيث حققت العديد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية في بطولات محلية وإقليمية ودولية، وبفضل شغفها والتزامها الطويل، استطاعت ترك بصمة واضحة في عالم التايكواندو وأصبحت نموذجًا يُحتذى به لكل من يسعى لبناء مسيرة رياضية ناجحة.
وفي هذا الحوار مع "عُمان الرياضي"، تتحدث البرواني عن بداياتها في التايكواندو، أبرز البطولات التي شاركت فيها، التحديات التي واجهتها، طرق استعدادها البدني والذهني، الدعم الذي تلقته من الجهات الرياضية، طموحاتها المستقبلية، ورسالتها لكل من يسعى لتحقيق طموحاته في الرياضة.
بدايات المسيرة
شهدت مسيرة البطلة فداء البرواني في رياضة التايكواندو مثابرة منذ بداياتها المبكرة، حيث بدأت رحلتها في سن صغيرة مدفوعة بشغفها بالرياضة ورغبتها في تعلم فنون الدفاع عن النفس، لما تحمله هذه الرياضة من قيم الانضباط والقوة والثقة بالنفس، وأوضحت البرواني أن بداياتها لم تكن مرتبطة بطموحات تنافسية كبيرة، بل كانت خطوة لاكتشاف قدراتها وتنمية مهاراتها البدنية والذهنية، غير أن التزامها بالتدريبات وانتظامها في الحصص اليومية سرعان ما حول تلك الهواية إلى مشروع طموح تسعى من خلاله إلى إثبات ذاتها على الصعيدين المحلي والدولي.
وقالت: إن البيئة التدريبية كان لها أثر بالغ في تعزيز شغفي، حيث وجدت عامل التشجيع والدعم الذي دفعني للاستمرار وتطوير مستواي الفني تدريجيًا، سواء من خلال تحسين مهارات الركلات أو سرعة الاستجابة داخل النزال، ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بأن رياضة التايكواندو نشاط رياضي مهم في حياتي، ومساحة لصقل شخصيتي وبناء روح التحدي لديّ، ووصفت مشاركتها الأولى في بطولة رسمية عام 2020 بأنها المحطة المفصلية في مسيرتها، إذ شكلت تلك التجربة نقطة تحول حقيقية في نظرتها للرياضة، فمجرد ارتداء زي المنتخب والشعور بمسؤولية تمثيل الوطن أمام منافسات من مدارس مختلفة منحها دافعًا مضاعفًا للعمل بجدية أكبر، وقالت: إن تلك اللحظة رسخت بداخلي قناعة بأن الطريق نحو الإنجاز يبدأ من الالتزام والقدرة على التطور، لتتحول الرياضة بعدها من هواية إلى هدف واضح تسعى من خلاله إلى بلوغ منصات التتويج ورفع اسم الوطن عاليًا في المحافل القادمة.
المشاركات والإنجازات
وأوضحت فداء أن مشاركاتها تنوعت بين البطولات المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما أسهم في صقل خبرتها التنافسية وتوسيع احتكاكها بمدارس مختلفة في رياضة التايكواندو، مشيرة إلى أنها حرصت منذ بداياتها على خوض تحديات متعددة، إيمانًا منها بأن الاحتكاك الخارجي يمثل خطوة أساسية في بناء شخصية اللاعب وصقل مستواه الفني، لا سيما في البطولات المصنفة التي تتطلب جاهزية عالية بدنيًا وذهنيًا.
وأكدت أنها تمكنت من تحقيق رصيد مميز من الميداليات تنوع بين الذهبية والفضية والبرونزية، كان أبرزها الميدالية الذهبية في بطولة قطر المفتوحة للتايكواندو (G1) عام 2025، وهي من البطولات ذات التصنيف الدولي التي تحظى بمشاركة واسعة من لاعبين ولاعبات على مستوى عالٍ، كما حققت الميدالية الذهبية في بطولة الفجيرة الدولية للتايكواندو 2024، إلى جانب حصولها على جائزة أفضل لاعبة في فئة الناشئين (فتيات)، وهو إنجاز تعتز به لما يحمله من تقدير فني لمستواها وأدائها.
وفي العام ذاته، أحرزت الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الخليجية الأولى للشباب بالإمارات 2024، إضافة إلى ذهبية بطولة السويد 2024، وذهبية بطولة الأردن الدولية المفتوحة 2024، كما نالت البرونزية في بطولة كأس العرب 2024، والبرونزية في بطولة الفجيرة 2023، ما يعكس ثبات مستواها في مختلف المشاركات.
وأضافت فداء البرواني أن عام 2023 شهد حصادًا غنيًا بالميداليات الذهبية، من بينها بطولة التحدي، وبطولة رضا اليعقوبي، وبطولة التحدي الدولية المفتوحة، وبطولة المدارس، فيما حققت الميدالية الفضية في بطولة قطر الدولية المفتوحة 2023، والبرونزية في بطولة البوسنة والهرسك 2023، كما كان لها حضور مميز في البطولات المحلية، حيث أحرزت ذهبية بطولتي صلالة ومسقط 2022، وذهبية مسقط 2020.
وأكدت فداء أن هذا التنوع في المشاركات والإنجازات ليس وليد الصدفة، إنما جاء نتيجة عمل متواصل وتدرج في المستوى، مؤكدة أن كل بطولة خاضتها شكلت محطة تعليمية جديدة أضافت إلى خبرتها ومهدت الطريق نحو طموحات أكبر في الاستحقاقات المقبلة.
أصعب التحديات في مسيرتها
وبيَّنت فداء البرواني أن من أبرز التحديات التي واجهتها خلال مسيرتها الرياضية كان التوفيق بين متطلبات الدراسة والبرنامج التدريبي المكثف، لا سيما في فترات الإعداد للبطولات المهمة، وقالت إن مرحلة الاستعداد لأي بطولة كانت تتطلب مضاعفة الجهد البدني والذهني عبر حصص تدريبية طويلة ومركزة، في الوقت الذي حرصت فيه على الحفاظ على مستواها الدراسي وعدم التأثر بالالتزامات الرياضية.
وأضافت أن ضغط الوقت شكل تحديًا حقيقيًا، إذ وجدت نفسها مطالبة بتنظيم يومها بدقة بين التمارين اليومية، وعمليات الاستشفاء البدني، ومراجعة الدروس والاستعداد للاختبارات، وقالت: إن ذلك استدعى قدرًا عاليًا من الانضباط والالتزام، إضافة إلى دعم أسري وتفهم من المحيطين بها، ما ساعدها على تجاوز تلك المرحلة دون الإخلال بأي من الجانبين.
وأوضحت أن عملية إنزال الوزن قبل المنافسات مثلت تحديًا إضافيًا؛ لأنها تطلبت التزامًا صارمًا بنظام غذائي محدد، ومراقبة دقيقة للتغذية ونمط الحياة، وقالت: إن ذلك جاء بالتزامن مع ضغط التدريبات والاختبارات، ما جعل المرحلة مرهقة أحيانًا جسديًا ونفسيًا، مؤكدة أن هذه التحديات لم تكن عائقًا أمام تقدمها، بل أسهمت في بناء شخصيتها وتعزيز قدرتها على إدارة الوقت وتحمل المسؤولية، وأضافت أن هذه الضغوط تحولت مع الوقت إلى خبرة متراكمة جعلتها أكثر نضجًا وثقة في التعامل مع متطلبات الرياضة والحياة الأكاديمية على حد سواء.
الاستعداد البدني والذهني للمنافسات
وحول استعدادها للمشاركات، أوضحت فداء أنها تتبع برنامجًا تدريبيًا مكثفًا بدنيًا قبل أي بطولة، وقالت إن هذا البرنامج يشمل تمارين اللياقة البدنية، وتقوية العضلات، بالإضافة إلى تطوير المهارات الفنية الخاصة بالتايكواندو، وأفادت بأن الالتزام اليومي بهذه التمارين ساعدها على الحفاظ على لياقتها البدنية واستعدادها لمواجهة المنافسات على أعلى مستوى.
وفيما يتعلق بالجانب الذهني، قالت فداء البرواني: إنها تولي اهتمامًا كبيرًا بالتركيز الذهني وتنظيم النوم والتغذية، باعتبارها عوامل رئيسية تؤثر في الأداء خلال المنافسات، وأضافت أنها تعمل على تعزيز ثقتها بنفسها من خلال ممارسة التصور الذهني لكل مباراة، وتحضير نفسها لمواجهة مختلف السيناريوهات الممكنة، سواء في الهجوم أو الدفاع أو التوقيت الحاسم للنزال.
وأوضحت أن هذا التوازن بين الاستعداد البدني والتحضير الذهني هو ما منحها القدرة على التعامل مع ضغوط البطولة بثقة، مؤكدة أن الأداء الجيد لا يأتي فقط من اللياقة البدنية، بل من الانضباط الذهني والقدرة على تجاوز كل التحديات أثناء المنافسة.
الدعم المؤسسي وأثره على مسيرتها
وأشارت فداء البرواني إلى أنها تتلقى دعمًا مستمرًا من اللجنة العمانية للتايكواندو، وقالت: إن هذا الدعم يشمل توفير البرامج التدريبية المتخصصة، والمعسكرات المكثفة، والمتابعة الفنية الدقيقة، بالإضافة إلى إتاحة فرص المشاركة في البطولات المحلية والإقليمية والدولية، وأضافت أن كل هذه الجهود أسهمت بشكل مباشر في رفع جاهزيتها الفنية والبدنية، ومكنتها من التقدم بثقة في مسيرتها الرياضية.
وبيَّنت أن دعم اللجنة الأولمبية العُمانية بقيادة صاحب السمو السيد عزان بن قيس آل سعيد كان له أثر بالغ في تعزيز مسيرتها، وقالت: إن هذا الدعم يوفر بيئة محفزة ومتكاملة للرياضيين، ويعكس اهتمامًا حقيقيًا بنجاحهم على جميع الأصعدة، وأضافت أن هذا التشجيع يعزز ثقة اللاعبين بأنفسهم، ويدفعهم لتقديم أفضل ما لديهم، وتمثيل سلطنة عمان بشكل مشرف في المحافل الإقليمية والدولية، وأن وجود هذا الدعم المؤسسي المتواصل لم يكن فقط محفزًا لها على الصعيد الشخصي، بل ساهم أيضًا في إرساء قاعدة قوية لرياضة التايكواندو في سلطنة عمان، من خلال توفير الإمكانيات التي تجعل كل لاعب قادرًا على تطوير مستواه وتحقيق إنجازات وطنية وعالمية.
طموحاتها المستقبلية
وأكدت فداء أن طموحاتها المقبلة تتسم بالتميز على المستويين الشخصي والرياضي، وأوضحت أنها تسعى لتحقيق إنجازات أكبر على الصعيد الدولي، من خلال المشاركة في بطولات عالمية تمثل فيها سلطنة عمان، والعمل على تطوير مهاراتها لتكون قادرة على المنافسة على أعلى المستويات، وأضافت أن إحدى أهم أهدافها المستقبلية هي التأهل والمشاركة في الأولمبياد في لوس أنجلوس عام 2028، معتبرة ذلك خطوة مهمة نحو رفع اسم بلدها في المحافل العالمية وإظهار قدرة الرياضي العماني على المنافسة على أعلى الساحات الدولية.
وعلى الصعيد الشخصي، قالت: إن طموحي لا يقتصر على الإنجازات الرياضية فحسب، بل أسعى أيضًا لأن أكون قدوة إيجابية للفتيات في مجتمعي، لتشجيعهن على الانخراط في الرياضة وبناء شخصيتهن، وإن طموحي ينبع من رغبة صادقة في خدمة الرياضة العمانية، والمساهمة في رفع مستوى التايكواندو محليًا وإقليميًا، مع الحرص على أن أكون مثالًا حيًا على التفاني والإصرار والالتزام لتحقيق الأحلام.
رسالة للفتيات
كما أوضحت أن حضور المرأة في رياضة التايكواندو أصبح قويًا وملحوظًا، وقالت: إن الفتيات أثبتن قدرتهن على المنافسة على المستويات الإقليمية والدولية، ويتركن بصمة واضحة في كل بطولة يشاركن فيها، وأضافت أن تطور مستوى المشاركة النسائية يعكس الوعي المتزايد بأهمية الرياضة في حياة الفتيات.
وقالت فداء البرواني: إن رسالتي لكل فتاة طامحة في دخول المجال الرياضي هي: "لا تجعلي الخوف أو كلام الناس يحد من طموحكِ، فالرياضة تعلّم الانضباط والقوة والثقة بالنفس، وكل حلم يمكن تحقيقه بالإصرار والعمل الجاد".
وأوضحت أن التجربة الرياضية تمنح الفتاة أدوات لبناء شخصيتها، وتعلمها كيفية مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص للنمو والتقدم، مشددة على أن الدعم الأسري والمؤسسي يعد جزءًا مهمًا لتحقيق النجاح، مؤكدة أن الإنجازات النسائية في الملاعب ليست مجرد أرقام، بل رسائل قوية تعكس قدرة الفتيات على الإبداع والتألق في أي مجال يختارنه.
واختتمت البرواني حديثها بالتأكيد على أن مسيرتها مع التايكواندو إضافة إلى كونها منافسات وتحقيق ميداليات، فهي كذلك رحلة متكاملة من الانضباط والتحديات المستمرة، مؤكدة أن كل تجربة واجهتها ساهمت في صقل شخصيتها وبناء طموحاتها على أسس قوية، وقالت: إن هدفي الأسمى هو تمثيل سلطنة عمان بأفضل صورة في المحافل الدولية، وأن أكون مصدر إلهام لكل من يسعى لتحقيق طموحه في الرياضة، لافتة إلى أن الإصرار والشغف والعمل المتواصل هم سر النجاح والتميز في أي مجال.
وأضافت أن الرياضة تمنح القوة والثقة بالنفس، وأن الانخراط فيها منذ الصغر يساعد على بناء شخصية متكاملة قادرة على مواجهة التحديات، مؤكدة أن طموحها لم يتوقف عند حدود الميداليات، إنما يمتد نحو تحقيق إنجازات عالمية وترك أثر إيجابي مستدام في رياضة التايكواندو العمانية.