كلّما انغمستُ في قراءة حديث الأدب ومتابعة أزماته ومشكلاته وتمتّعتُ بعصارة مختاراته ونفرتُ من سقْط متاعه، أجدني دومًا في حال عودةٍ إلى قديم الأدب أصفّي به أدران حداثتي، وأرسّخ به عميق مدركاتي، ولم يخذل القديم أبدا عودتي إليه، فأنا أعرف تجاويفه وأتقن الرجوع إلى مواطني الأولى. في رجعتي هذه وجدتني أمام كاتب قلق، أو على قَلق، لا تهدأ فورة وجوده، وأمام كتاب أهملتُه فأهملني. أمّا الكاتب فهو أبو حيّان التوحيدي الذي عرفناه باعث أدب المجالس في الإمتاع والمؤانسة، وصاحب إشارات الحال اللطيفة الخفيفة في الإشارات الإلهيّة، والغريب الذي أبان وجه الاغتراب الوجودي الحقّ للمبدع في زمن مبكِّر وفكرٍ سابقٍ لزمنه.

وأمّا الكتاب الذي أهمله العرب عامّة وانصرفتُ عنه لحين فهو كتاب البصائر والذخائر، وهو في حكم التصنيف ليس كتابًا خالصًا في الأدب، وإنّما هو موسوعة مبينة عن ثقافة سائدة في العصر العبّاسي زمن التوحيدي، هذا العصر العباسي الذي كثيرًا ما اشتكاه التوحيدي ونعى فيه يد المثقف وقصرها، زمن تميّز بالاضطراب السياسيّ حكم البويهيين الذي حكموا من تحت غطاء الخليفة العبّاسي، فسيطر الوزراء الفرس وكان لهم النفوذ وجعلوا الخليفة العباسي محض صورة قائمة. في ظلّ هذا السائد السياسي الذي تغلب عليه المكائد، وبداية سيطرة الفرس على البلاط، ازدهرت الحياة الثقافيّة والعلميّة، ونما أدب المجالس واتّسع، غير أنّ التوحيدي لم يكن ينعم بالحظوة ولا بالجاه، وإنّما كان على عتبات البلاط واقفًا، مرشّحا للإقصاء ولمزاج الوزير المستضيف.

لقد عاش التوحيدي في زمن حكم الوزراء البويهيين وارتبط بوزيرين لهما عميق الأثر في تاريخ الأدب العربي، وهما ابن العميد، وابن عبّاد، وكان التوحيدي لفترة من الزمن عاملا بالنسخ والكتابة في دوائرهما، ومؤثّثا أساسا لمجالسهما، غير أنّه لم ينل منهما التقدير الذي يرجوه.

الكتاب المهمل المنسيّ هو موسوعة في عشرة مجلدات أرادها التوحيدي صورة عن الحياة الثقافية في عصره، ووازن فيها بين وجهين وجه من ثروةِ المعلومات عن العصر مأكله ومشربه وملبسه وطبقاته ومكائد سياساته، وعن سوق الأدب وما راج فيه وما ابتخست بضائعه، وعن الإنسان في غناه وفقره وفي بؤسه ومرحه وفي حركته وعطالته، وعن البلاط وبطانته إضمارًا وإظهارًا كيدا وصفاءً، وعن الأسواق وحركتها، وعن المعمار وزينته، وعن الأدب وأجناسه، ووجه عن الذات، ذات التوحيدي الذي لا يعدم إظهار رؤيته للعالم من حوله، وللبشر مبينًا غلبة الفساد، وانتكاس الذات، والقلق الغالب عليه، بسبب افتقاد الصاحب وخيانة الوالي وقلّة ذات اليد، وبسبب من عدم تقديره منزلته، ووضعه في دون المنازل حتّى بلغ جوع البطن وخرق اللباس.

لم يكن كتاب البصائر والذخائر محض تجميع لأخبار عصْر التوحيدي أو جمعًا لشتاتٍ من المعلومات والقصص، وإنّما هو مدوّنة وسيعة تأخذ من مواضيع سادت وغلبت، مثل زمرة المهمّشين وبيان أفعالهم وأعمالهم، ومثل ظاهرة المجانين العقلاء، ومثل أخلاط العباد من عامّة وطبقات مسحوقة، فالكتاب وإن توزّعت مواضيعه بين سياسة وأدب ومجتمع وأنواع أدب، فهو على شتاته ينشدّ إلى ثنائيّة تضبط إيقاعه وتشدّ شتاته، وهي الجدّ والهزل، وقد تقصّد الكاتب ذلك، فلا جامع يشدّ مواضيع المجلدات العشرة إلاّ قصديّة أرادها المُصنّف، قائمة على الإغناء دون الإملال، والإفادة دون الإعراض، والاستدراج دون الاستبعاد، وهو القائل في مقدّمة كتابه، مبينًا نهجه وخطّته: «هذا الكتاب لم أضعهُ ليكونَ بابًا واحدًا، بل جعلتُهُ روضةً أنِفًا، يخرجُ القارئُ من فنٍّ ليدخلَ في فنّ، ومن جدٍّ ليفضيَ إلى هزل، لئلا يملَّ الناظر، وتكلَّ البصيرة». وعلى ذلك، فقد تنقّل المؤلّف في هذه الموسوعة الشاهدة على القرن الرابع، من أدب عالم تجسّد في الفكر والمحاورة والجدل العقائدي والمذهبي والفقهي، وفي السياسة وأعمالها، وفي الأدب ومختلف مصنّفاته وأجناسه المعلومة والمتروكة، فالكتاب -على سبيل المثال- يحوي مدوّنة هامّة من جنس نثري لم يعتن به الدارسون وهو أدب التوقيعات، إلى الأدب العامّ الشعبيّ من أخلاط أناس يبدعون أنواعًا من الكلام تظلّ سائبة، متروكة، إن لم يلتقطها مثقّف يُنصت إلى وقْع اليومي مثل التوحيدي.

عوالمُ شتّى أبانها الكتاب وخاض فيها الكاتبُ تشفُّ عن أنطولوجيا ثقافيّة هامّة، منها يُدرك القارئُ التنوّع الثقافيّ والحضاريّ والمذهبيّ والكلاميّ والعقديّ والاجتماعيّ في العصر العبّاسيّ، ومنها نتبيّن أيضا صُورة عن واقعٍ حضاريّ لا نجده في كتب التاريخ التي لا تؤرّخ لليوميّ وللثقافيّ، ولا تضبِط العقلاء والمجانين، والأسوياء والمختلفين، وأحوال الساسة والمكدّين، وتاريخ الظرف والمهمّشين. وفي الأثناء هنالك ذاتٌ منكسرةٌ هي نتاج هذا العصر وخلاصته، تجمع الأخبار وتشاهد الوقائع وتعاني وعي المثقّف الحامل لغربته في ظلّ كونٍ مضطرم مضطرب، يجتمع فيه الجحيم والنعيم، الزهد والفجور، المال والفاقة، الوعي والجهل.

ذاتُ التوحيدي الشكّاءة، تبدو ملامحها في هذه الموسوعة الفاتحة، يشكو الناس، والناس مواطن التباس، ولا خلاص من فساد أمزجتهم، فزمن التوحيدي زمن دنس ودلس ورياء ومراء أصبح فيه الجميل غريبا والخير بدعة والشفقة ملقًا، وصار فيه العلم شبكة والدين تلبيسا والإخلاص رياءً، ولا رأس يُنقذ الناس مما تهاووا فيه، ولا عقل، ولذلك فإنّ الفراغ إلى الله والهروب إليه هو الفوز الفردي الذي وجده التوحيدي، والذي أدّى به إلى إحراق كتبه وتطليق الدنيا ودخول حال التقشّف والتنقية الذات من أدران الدنيا، «فانج بنفسك إلى الله الذي يحرسك وأنت حامل، ويدعوك إلى حظك وأنت شامس».

لقد بذر التوحيدي في كتاب البصائر والذخائر مشروعه في الكتابة الذي فرّخ كتبًا عنه نتجت، فعن الدخول في أدب المجلس نتج الإمتاع والمؤانسة، وعن شكوى الأصدقاء وخذلانهم وافتقاد الصفاء منهم وُلد كتاب الصداقة والصديق، وعن نقد مكائد الوزراء وعدم الركون إليهم كتب كتاب أخلاق الوزيرين، وعن فقدانه الأمل في عصره، ويأسه من جدوى ما يكتب وهو الغريب الذي لا يأنس هديًا في أرضه، المنكَر في زمانه، نتج «الإشارات الإلهيّة»، هروبًا إلى اللّه، وعزوفًا عن النّاس بجميع أخلاطهم ومراتبهم، وانتهاءً إلى إحراق كتبه، إذ ضنّ بها على واقع «فاسد المزاج». كتاب البصائر والذخائر، هو نموذج الكتاب الذي ينبض بالحياة وإن كان كاتبه ينبض باليأس.