لا أريد الحديث في هذه المقالة عن هذه الجريمة غير الإنسانيّة المتعلّقة بالقصّر والاتّجار بالبشر، إنّما أطرح تساؤلا: هل هذه الجريمة نتيجة الثّقافة أو الحضارة الغربيّة المعاصرة كما يسميها بعضهم؟ هل فعلًا الثّقافة الغربيّة تؤدّي بالضّرورة إلى هذه الحالات غير الإنسانيّة؟ بمعنى آخر: هل مثل الحوادث ناتجة عن حالة ثقافيّة معاصرة تقود إليها بالضّرورة؟

العديد من الكتاب ـ في مقالاتهم ومنشوراتهم ـ ربط الحادثة بالثّقافة الغربيّة تمامًا، واعتبرها نتيجة من نتائجها، وبعض هذه النّشرات صدرت من أقلام لها اعتبارها سايرت التّيار الغالب؛ ليكون لها حضور أو تعقيب أكثر من أن تكون قارئة من خارج الحدث ملازمة للإنصاف؛ وهذا ليس دفاعًا عن الغرب، وليس تبريرًا لمثل هذه القضايا غير الإنسانيّة.

سبق أن كتبت مقالين في جريدة عُمان أحدهما بعنوان: «الإنسان بين الحضارة والثّقافة»، والثّاني بعنوان: «ثنائيّة الشّرق والغرب وجلد الذّات» لهما علاقة بموضوعنا يمكن الرّجوع إليهما؛ حتّى لا أكرّر الحديث.

أشير هنا إلى خلاصة ما لها علاقة بموضوعنا تتمثل في ضرورة التّفريق بين الثّقافة والحضارة، والحضارة حالة إنسانيّة اليوم الكلّ يسهم فيها شرقا وغربا؛ فالصّين واليابان والهند مثلا لها حضورها شرقًا لا يقلّ تأثيرًا عن الحضور الغربيّ، وأمّا الثّقافة في أيّ مكان ليست على حالة واحدة؛ فهناك ثقافات مختلفة ومتداخلة، منها العريقة في بلد ما، ومنها المهاجرة، ومنها الوليدة والمتطورة؛ فأيّ بلد أو جزء ما من العالم ليس على صورة ثقافيّة واحدة، بل على صور متداخلة ومعقدة لتعقيد طبيعة المجتمعات البشريّة.

هذه الحادثة غير الإنسانيّة لها علاقة بالمال والسّلطة والسّياسة، وليس بالثّقافة الأفقيّة، وشيء طبيعيّ أنها ليس لها علاقة بالحضارة.

فالحضارة كينونتها القيم الكبرى، ومنها قيم العلم وكشف سنن الكون، وما يعمر الحياة ويصلحها عن طريق سنن الكشف والوجود.

وقولنا الثّقافة الأفقيّة أي هناك من يحاول أن يخلق ثقافات تبرّر بعض القضايا السّلبيّة كالاتّجار بالبشر قانونًا، كما برّرت سابقا في صور الاستعباد باسم الإماء والعبيد.

هذا لا يعني أنّ الثّقافة الأفقيّة جميعها تنحى هذا المنحى؛ فقد تتأثر، ولكن لها خطوطها العامّة الّتي ترفض مثل الحوادث السّلبيّة وتقنينها.

الغرب ليسوا على صورة واحدة من حيث الثّقافة وتعدّد الهويّات، مثلهم كباقي شعوب العالم، وحدوث مثل هذه الجرائم تدرس من جميع زواياها.

ففي العالم اليوم يسود بشكل كبير الاتّجار بالبشر نتيجة الأوضاع الماديّة المترديّة بسبب انعدام الإدارة الجيّدة عالميّا وقطريّا، وسوء توزيع الثّروة، ممّا يؤدّي إلى استغلال الشّعوب الفقيرة.

كما أنّ هناك من السّياسات من تحافظ على بقائها عن طريق الابتزاز بكافة صوره، والعديد من المخابرات الدّوليّة والقطريّة تلجأ إلى هذا الأمر، خصوصا عند رجال الأعمال والمؤثرين علميًا ودينيًا وثقافيًا وسياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، وشيء من هذا ارتبط بهذه الجزيرة المشؤومة، إن لم تك غايتها التّلاعب بسياسات العالم وشعوبها وخيراتها.

القوانين العالميّة تجرّم الاتّجار بالبشر واستغلال القصّر، ولكن أصحاب الأموال يكونون في العادة أكبر من هذه القوانين ذاتها.

والعديد من السّياسات والأنظمة المخابراتيّة لها قدرة في التّلاعب بالأنظمة الرّقابيّة والضّبطيّة والقضائيّة، وهذا ما حدث لجيفري إبستين في 2008م؛ فعندما عقد صفقة مع الادّعاء في فلوريدا خلّصته من العقوبة في الجملة، ومع ذلك مؤسّسات العمل المدنيّ، وجمعيّات حقوق الإنسان ظلّت صامدة لأجل الانتصار للضّحايا رغم حالات التّكتيم والتّهديد، وعملوا ضغطا كبيرا عن طريق الصّحافة والإعلام الرّقميّ ووسائل التّواصل الاجتماعيّ، حتّى تمكنوا من فتح الملف من جديد في 2019م.

هذه نظرة عامّة قد يكون خلفها خيوط رأت من المناسب فتح الملف من جديد لغايات سياسيّة وابتزازيّة، وقد يكون القضاء والمنظمات الحقوقيّة - لمساحة الحريّة في الغرب - استطاع أن يثبت استقلالّيته، ويظهر مبادئه الدّستوريّة والحقوقيّة.

وبعيدًا عن رؤيتنا للغرب من زاوية جيفري إبستين وما حدث في الجزيرة علينا أن ننظر إليه أيضا من خلال هذه المنظمات الحقوقيّة، والمجتمع المدنيّ، والصّحافة الحرّة؛ حيث شكّلت ضغطا لأجل الانتصار لهذه المبادئ.

الّذين وقفوا مع هذه المبادئ ليسوا لاهوتيّين أو من أصحاب الأديان المختلفة فحسب، بل من جميع التّوجهات الدّينيّة وغير الدّينيّة من اللّاهوتيّين والإنسانويّين والعلمويّين من اليمينيّين والإصلاحيّين؛ فلا ينبغي هذا التّسطيح والأحكام المسبقة في مثل هذه القضايا، فينبغي دراستها في زاويتها مع عدم التّعميم.

فما قام به السّياسيّون الغربيّون مثلًا من جرائم حربيّة، خصوصا في عالمنا العربيّ لا يعني أنّ الثّقافة الغربيّة جميعها تبرّر ذلك وتدعو إليه؛ فهناك من وقف ضدّ الحروب، وانتصر للإنسان، كما رأينا في قضيّة غزّة الأخيرة. والأمر مثله من السّياسيّين عندنا من يشعل الحروب. هذا لا يعني أنّ ثقافاتنا تؤدي بالضّرورة إلى ذلك، وهو ذاته ما رأيناه من محاولات لإشعال حروب في الهند وباكستان وأفغانستان وبورما. هذا لا يعني بالضّرورة أنّ الثّقافة في هذه البلدان وأديانها وفلسفاتها تؤدّي إلى ذلك.

هذا الأمر ذاته ينطبق على جميع القضايا السّلبيّة؛ ينبغي قراءتها وإبرازها بعقلانيّة، والبعد عن المنشورات والمقالات العموميّة والوعظيّة التي قد تخدم هذه السّياسات ذاتها عبر إشغال المجتمعات الإنسانيّة في صراعات ثقافيّة وهويّاتيّة بدلا من الكلمة الواحدة في تحقيق الأبعاد والحقوق الإنسانيّة، ونحن نشترك جميعا في عالم واحد يسعنا بخيراته وما أودع الله فيه من آلاء ونعم.

العديد من السّياسيّين والمنتفعين لا يريدون أن تسود لغة الإنسان إلّا بقدر ما يحقّق مصالحهم ومنافعهم؛ فيشغلون العالم بقضايا وحروب بين فترة وأخرى، والمجتمعات الإنسانيّة جميعا ضحية لآثار نفعيّتهم وبرجماتيّتهم.