لقد أعلنوا الحرب رسميا. يتحدثون بلا تهيّب عن هجوم عسكري، يرسمون الخطط، ويطلقون «زحفا» افتراضيا، ويتحدثون عن «تغيير الحكم بالقصف»؛ لا في غرف الحرب، بل في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية. يتكلمون الفارسية، لكنهم مبتهجون بخراب إيران! يطبّعون بوقاحة فكرة مقتل ملايين الإيرانيين. يسمّون تدمير المستشفى والمدرسة وبنية الطاقة التحتية «كلفة الحرية التي لا مفرّ منها». يتكلمون بمنطق الذئاب عن القتل والافتراس والإحراق، ولإكمال هذا العار يجرّون الشباب إلى التحريض على العنف بوعود خيالية. ثم -لكي يغسلوا أيديهم من هذا الدم «المتخيَّل» لكنه محتمل- يقولون: «إذا وقعت الحرب فالذنب ذنب إيران!» يا للعجب! العقل نعمة طيبة؛ مؤسف أن بعض الناس محرومون منها.

لكن تاريخ إيران يقول شيئا آخر؛ فخلال القرنين الأخيرين لم تبدأ حرب واحدة بإرادة شعب إيران. كلما اشتعلت نار كانت فرضا من أجنبي، أو ثمرة ضعف ـ وبالطبع تحت ضغط خارجي.

لم يكن الإيرانيون يوما بادئي حرب، لكن كلما فُرضت عليهم الحرب وقفوا وقفة الرجال. والدمويون الافتراضيون لا يفهمون هذا الفارق الدقيق، أو يتعمّدون إنكاره. من الحروب المفروضة والاحتلالات غير المرغوبة، وصولا إلى «الدفاع المقدّس» الذي امتد ثماني سنوات؛ بقي خط واضح في ذاكرتنا التاريخية: شعب إيران ليس محبا للحرب، لكنه رجل الميدان يحب السلام، لا الاستسلام، ويفرّ من الحرب، لا من الدفاع.

هذا ليس شعارا؛ إنها خبرة معيشة لأمة عمرها آلاف السنين. وللأسف في مثل هذه المنعطفات يظهر أيضا نمط متكرر: غالبا ما كان يظهر في اللحظات التاريخية الحرجة «مشاة داخليون» للأجنبي؛ أولئك الذين استقبلوا الغريب بقولهم: «ليأتوا.. سينقذوننا!» جاء الغريب، لكنه لم يجلب حرية، ولا رفاها، ولا كرامة. ترك فقط إرثا مشؤوما من الخراب، واعتمادا أعمق. التاريخ لم يمزح مع أحد منهم؛ لا مع مرتزقة الأجنبي، ولا مع المدافعين عن الوطن.

الحرب ـ على خلاف خيالات محبي الحرب البعيدين ـ ليست نظيفة ولا «هادفة» كما يتصورون؛ إذ لا تفصل بين الحكومة والناس. الصاروخ لا يسأل ضحاياه عن هوياتهم، بل يضرب المستشفى والثكنة معا، ويحرق الطفل والجندي معا. من يطبّع من وراء الحدود ومن خلف الشاشة فكرة قصف الوطن إمّا أنه لم يرَ حربا قط، وإما لا وطن له، أو لا ضمير. وهنا يجب أن يُرسم خط عريض: أن تكون إيرانيا ليس لغة تتكلمها، بل موقفا تتخذه.

الناطقون بالفارسية الذين يتوسّلون عدوًا خارجيًا كي يقصف إيران، والذين يطبّعون حتى احتمال تفكك البلاد وفنائها وذبح الشعب. مهما تكن هوياتهم فهم ليسوا إيرانيين. الإيراني صاحب غيرة، والإيراني ـ حتى في خلافه الداخلي ـ يقف خلف وطنه. أولئك الذين وقفوا في الجهة الخطأ من التاريخ ـ ولو تحدثوا الفارسية ـ لا يُعدّون في ثقافة هذا الشعب وذاكرته «إيرانيين». لا صلة لـ«الإيرانية» بالخيانة للبلد والشعب.

ولمن قد لا يعلم؛ لا بد من قول نقطتين أساسيتين بصراحة:

أولا: إن شعب إيران ليس في مأزق لا مخرج له إلا الثورة أو الحرب. إذا كان هناك سخط ـ وهو موجود ـ فطريق الإصلاح هو الآليات الديمقراطية. وقد أثبتت التجربة أن هناك دائما أذنا مصغية تنقل صوت الناس إلى المسؤولين، وهي ميزة لم تكن موجودة في زمن الاستبداد الملكي. كانت الثورة الإسلامية طريق العبور من الملكية إلى الجمهورية؛ طريقا للانتقال من الاستبداد إلى «الديمقراطية الدينية»، لكن ما معنى الثورة على الجمهورية؟ وفق تجربة التاريخ لا تعني سوى الرجعية والعودة إلى الدكتاتورية أو السقوط في مستنقع الفوضوية.

ثانيا: الإيرانيون لا يخافون الحرب، لكنهم لا يختارونها. إن فُرضت ثبتوا وجعلوا المعتدي يندم، لكن خيارهم هو العقل والتاريخ والوطن، لا الحماسة المدمرة. فلا يظنّن أحد أن بالإمكان صرف الإيرانيين ـ بتهديد عسكري من «عدو مُصطنَع» ـ عن أحلامهم وآمالهم الممتدة آلاف السنين. الإيراني قد يهب حياته، لكنه لا يهب عزته!

لقد قطعنا طريقا صعبا وطويلا لنصل إلى هذا القدر من الديمقراطية. حاشا أن نطأ بهذه السهولة على دماء مئات آلاف الشهداء ـ منذ المشروطة حتى اليوم ـ وأن نسمح لإرث السعي الديمقراطي عند الإيرانيين أن يصبح فريسة لضباع الرجعية عبّاد الأجنبي المتعطشين للدم.

نحن ثابتون على هذا الطريق، ولن نلين حتى تتحقق كامل أحلامنا الوطنية المقدسة. التاريخ محكمة صبر طويلة: لا صراخ المدّعين يعطّله، ولا ضجيج الحمقى عديمي الوطن يرعبه. يحفظ الأسماء، ويسجل الأدوار، وأسماء حربيي «عديمي الوطن» ـ ولو كانوا ناطقين بالفارسية ـ ستبقى إلى الأبد في القائمة السوداء لسيئي السمعة في التاريخ فيما سيظل شعب إيران ـ على الرغم من كل الآلام، وكل النقد يلمع في السطور المضيئة للثبات والعقل إلى أبد الآبدين. وسيسأل التاريخ كل واحد من أبناء هذا الشعب: في لحظة الاختيار هل وقفت تحت راية إيران، أم في صف «الأنيران»؟

سيد حسين طباطبائي كاتب إيراني يكتب مقالات رأي/تحليل في صحيفة «اطلاعات» الإيرانية

عن إطلاعات الإيرانية