حين انتقلتُ من مصر للعمل في سلطنة عُمان عام 2005 كان أول احتكاك مباشر لي بالمجتمع العُماني من خلال المدارس التي ألحقتُ بها أبنائي، وعبر المعلمين الذين تولّوا تدريسهم.
كانت المدارس الحكومية حديثة البناء متكاملة الخدمات منضبطة إداريًا وتعليميًا واضحة الطموح في أهدافها، ويقف فيها معلمون مخلصون لرسالتهم.
غير أن المشهد داخل الفصول الدراسية كان يعكس آنذاك مرحلة انتقالية في مسار النظام التعليمي مرحلة يتداخل فيها التوسع المتسارع مع الحاجة إلى استكمال بناء الكفاءات التعليمية الوطنية في مختلف التخصصات.
في تلك المرحلة كان حضور معلمين من جنسيات عربية متعددة خاصة في مواد أساسية مثل اللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات ينسجم مع طبيعة التحول الذي كانت تمر به المنظومة التعليمية.
فقد شهد النظام التعليمي نموًا متسارعًا أفقيًا ورأسيًا في آنٍ واحد؛ مدارس جديدة تُفتتح في جميع المحافظات والولايات والمدن والقرى، ومناهج تخضع لتحديثات مستمرة، وأعداد طلبة تتزايد بوتيرة تفوق قدرة برامج الإعداد الجامعية المحلية آنذاك على تغطية جميع التخصصات بالكفاءات الكافية. ضمن هذا السياق شكّلت الاستعانة بالخبرات العربية آلية مرحلية لإدارة التوسع وضمان استقرار الجودة إلى أن تكتمل عملية بناء قاعدة وطنية مؤهلة تحقق الاكتفاء والاستدامة المهنية على المدى الطويل.
التحولات التي شهدها النظام التعليمي خلال العقدين الأخيرين تكشف أن المرحلة التي أشرتُ إليها في مقدمة هذا المقال لم تكن سوى خطوة في مسار طويل ومدروس. فبعد عشرين عامًا تبدّل المشهد بصورة جوهرية وأصبح الحضور الوطني في مختلف التخصصات هو القاعدة لا الاستثناء. ويشكل المعلمون العُمانيون اليوم في الفيزياء والكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية، كما في الدراسات الاجتماعية والعلوم الإنسانية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام التعليمي الوطني.
تتجاوز المقارنة بين مشهد عام 2005 والمرحلة الراهنة حدود المفارقة الزمنية، وتكشف مسارًا مدروسًا في تطوير المنظومة التعليمية. فقد تطور النظام التعليمي من إدارة فجوات تخصصية مؤقتة بمعلمين من الخارج إلى تعزيز الكفاءات التعليمية الوطنية باعتبارها محورًا للاستدامة المهنية.
وجاء هذا التحول نتيجة حزمة سياسات متكاملة شملت إعدادًا جامعيًا متخصصًا، وبرامج تأهيل تربوي متقدمة، وتوسعًا مستمرًا في التدريب والتطوير المهني إلى جانب مواءمة التخصصات الأكاديمية مع احتياجات الميدان التعليمي.
وقد عكس هذا المسار تحولًا في فلسفة إدارة التعليم نفسها؛ ففي المراحل الأولى من البناء كان التركيز على التوسع في التعليم وضمان وصوله إلى جميع أبناء الوطن، أما في المراحل اللاحقة فتحول الاهتمام إلى ضمان الجودة والاستدامة، وبناء الاكتفاء المهني التعليمي. وقد نجحت المنظومة التعليمية في الانتقال من تلبية الحاجات العاجلة، إلى التخطيط لاستقلالها المهني على المدى الطويل ما يعزز الاستقرار المؤسسي، ويعمّق الثقة المجتمعية.
من منظور اجتماعي يحمل هذا التحول دلالات تتجاوز المدارس؛ فحين يصبح المعلم في التخصصات العلمية الدقيقة من أبناء الوطن فإن ذلك يعزز لدى الطلبة الإحساس بإمكانية التفوق في هذه المجالات، ويتحول المعلم إلى نموذج واقعي للكفاءة الوطنية، وليس مجرد ناقل للمعرفة. وبذلك يسهم التعليم في إعادة تشكيل التوقعات المهنية والاجتماعية للأجيال الجديدة، ويعزز ثقة المجتمع بقدرته على إنتاج خبراته الذاتية.
ويعمق توطين الكفاءات التعليمية العلاقة بين المدرسة والمجتمع؛ فالمعلم الذي ينتمي إلى السياق الاجتماعي ذاته يفهم خصوصياته الثقافية، ويستوعب تحولات البيئة المحلية، ويشارك في بناء جسور تواصل أكثر رسوخًا بين المؤسسة التعليمية والأسرة. هذا البعد الاجتماعي يشكل أحد عناصر الاستدامة التي يصعب تحقيقها عبر الاعتماد المؤقت على كفاءات خارجية.
ويكتسب الاحتفاء بيوم المعلم العُماني الذي يتجدد في الرابع والعشرين من فبراير من كل عام دلالة تتجاوز حفلات التكريم وشهادات التقدير. والمعروف أن المناسبات الوطنية تم اختيارها لتكون موجهة لاهتمام المجتمع وترتيب أولوياته، والإسهام في تعزيز القيم التي يراد لها أن تبقى معيارا للتقييم. وعندما يحظى المعلم العماني بهذا الاهتمام يتعزز إدراك المجتمع بمكانة التعليم والمعلمين داخل المشروع الوطني. ويتصل هذا المعنى بمستهدفات «رؤية عُمان 2040» التي جعلت الإنسان محور التنمية، وربطت جودة التعليم بقدرة المجتمع على الانتقال إلى اقتصاد المعرفة. وتظهر هذه الرؤية في الممارسة اليومية داخل الصفوف الدراسية حيث تتكون مهارات التفكير، وتنمو القدرات، وتتعمق قيم الانضباط والمسؤولية.
ويفرض الحفاظ على هذا المنجز التفكير في شروط استمراره؛ فمهنة التعليم تتحرك في بيئة عالمية سريعة التغير تتوسع فيها مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال وتتبدل فيها أنماط سوق العمل. وتبقى قدرة النظام التعليمي العُماني على احتضان الكفاءات وتأهيلها، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة مؤشرًا مهمًا من مؤشرات استمرار جودة الأداء التعليمي وتطوره.
في تقديري أن جاذبية مهنة المعلم ترتبط بعدد من العوامل المتداخلة تتجاوز البعد المالي لتشمل المكانة الاجتماعية، ووضوح مسارات الترقي المهني، وتوافر فرص البحث والتطوير والابتكار داخل البيئة المدرسية.
ويعزز الشعور بالتقدير المهني ووضوح الأفق الوظيفي قدرة المعلم على العطاء المستمر وتحقيق التميز. في الوقت نفسه تتزايد الأعباء المهنية للمعلم بصورة ملحوظة لتشمل إلى جانب التدريس أعباء المتابعة والتقييم والامتحانات وخدمة المجتمع. هذا الاتساع في الأدوار يعكس تطور وظيفة التعليم، لكنه يفرض ضغطًا يستدعي تنظيمًا إداريًا أكثر مرونة، ودعمًا مؤسسيًا يحول دون الإرهاق المهني والاحتراق الوظيفي. وتتحقق استدامة الأداء التربوي العالي في ظل وجود بيئة عمل توازن بين التوقعات الواقعية والطاقة الإنسانية.
ويمثل التحول الرقمي التحدي الأكثر تعقيدًا في المرحلة الراهنة لمهنة المعلم؛ فالتقنيات الحديثة، ومنصات التعلم الإلكتروني، وأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من المشهد التعليمي في العالم كله. ويرتبط نجاح إدماج التكنولوجيا في التعليم بتمكين المعلم من استخدامها بفاعلية، وإعادة تعريف دوره في بيئة جديدة تتغير أدواتها بسرعة. وعلى هذا يجب الاستثمار في تأهيل المعلم تأهيلا رقميًا بصورة مستمرة؛ حتى لا يصبح التحول التقني عبئًا إضافيًا عليه، والحفاظ في الوقت نفسه على البعد الإنساني في العملية التعليمية؛ كون التعليم في جوهره علاقة بشرية تتجاوز الوسائط.
بين صورة عام 2005 وصورة اليوم تتضح ملامح تحول وطني هادئ وعميق؛ فقد أعادت المنظومة التعليمية تشكيل ذاتها عبر مسار تدريجي انتقل من إدارة فجوات تخصصية مؤقتة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي القائم على بناء الكفاءات التعليمية الوطنية. ويعكس هذا المسار رؤية ممتدة واستثمارًا متواصلًا في الإنسان بوصفه محور التنمية وأداتها. ومن هنا فإن يوم المعلم العُماني يحمل دلالة تتجاوز الاحتفاء الرمزي، ويفتح المجال لتقييم هذا المسار واستشراف متطلباته في المرحلة المقبلة.
إن استدامة المنجز التعليمي ترتبط بالحفاظ على جاذبية مهنة المعلم في بيئة تتسارع فيها التحولات، وبإدارة الأعباء المهنية للمعلمين بما يضمن تحقيق الجودة دون إنهاك، وبحسن توظيف التكنولوجيا بما يعزز دور المعلم داخل العملية التعليمية ويطوره. وتبقى مكانة المعلم العُماني تعبيرًا عن تقدير المجتمعٍ لدوره في تشكيل مستقبله. فكل صباح يطل فيه المعلمون على أبنائنا في الطابور المدرسي وفي الصفوف الدراسية يمثل استمرارًا لمسار بناء طويل، يتحول فيه الجهد التربوي والتعليمي المتراكم إلى قوة ناعمة تصوغ وعي الأجيال، وتشكل ملامح المستقبل.