يمثل تدخّل فلاديمير بوتين في أوكرانيا سنة 2022 أشياء كثيرة؛ فهو استيلاء سافر على أرض، ووهم نشأ في عزلة، ومحاكاة للقيصرية، وأيضا استجداء للاحترام.

فبعد ثلاثة عقود مما اعتبره الرئيس بوتين تجاوزا من الغرب سعى إلى الرد على السبب في محاصرة روسيا أي الولايات المتحدة.

فلا بد أنه تصور أن بوسع حرب خاطفة أن تضع أمريكا في مكانها وتمنح لروسيا القوة لصياغة مصير أوروبا، ولما تكلم الرئيس بوتين كان لزاما على الولايات المتحدة أن تصغي.

وبرجوع الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض بدا أن رهان بوتين بات أخيرا قريب المنال بعد سنين من الفشل من أن يؤتي ثماره.

فقد بدا الرئيس ترامب ملهوفا على غسل يديه من حرب أوكرانيا، والزعم بأنه استطاع إنهاءها في «أربع وعشرين ساعة».

وحتى إذا كان الرئيس ترامب لم يتخل تمام التخلي عن أوكرانيا؛ فقد ظل بوسعه أن يماطل ويضيع الوقت بينما القوات الروسية تتقدم في ميدان المعركة.

وبمرور الوقت تستعيد روسيا والولايات المتحدة علاقاتهما، وتتعاونان من القطب الشمالي إلى الشرق الأوسط، ومن الحد من التسلح إلى التبادل التجاري.

وفي نهاية المطاف يبدو موقف أمريكا من روسيا غير مناف للمنطق.

غير أن تلك الآمال تبددت في غضون عام؛ فمع استمرار الحرب لم يتحول إعجاب الرئيس ترامب بالرئيس بوتين إلى نفع كبير لروسيا.

ولم تمض جهود تطبيع العلاقات الثنائية إلى أي وجهة؛ فلم يتحقق تقدم في استئناف الرحلات الجوية المباشرة أو إرسال سفير جديد للولايات المتحدة إلى موسكو.

فلم يكن البساط الأحمر الذي امتد في القمة الاستثنائية للزعيمين بألاسكا في الصيف الماضي، أو التربيت على الأكتاف والمودة بديلا عن العلاقات الدبلوماسية السليمة. وبعيدا عن الكلام لم يكن في بيت ترامب الأبيض خير لروسيا.

ابتداء انتقص الرئيس ترامب من مطامح الرئيس بوتين الجيوسياسية؛ فبعد ضربات أمريكا لإيران في يونيو أعرض الرئيس ترامب عن اقتراح الرئيس بوتين بالتوسط. وبعدها لم يبال الرئيس ترامب بدعوة الرئيس الروسي للقمة التي عقدها في مصر ليحتفل بوقف إطلاق النار المهزوز في غزة.

ولمزيد من الحرج كان على الرئيس بوتين أن يرجئ لقاءه الروسي العربي.

وبدلا من العمل مع روسيا في الشرق الأوسط تجاهل الرئيس ترامب إلى حد كبير الرئيس بوتين، وأشار إلى أن الرئيس الروسي ينبغي أن يسوي أمر حربه قبل أن ينخرط في العمل بأماكن أخرى.

ولم يبد الرئيس الأمريكي عناية تذكر بالشركاء أو الحلفاء أو مجالات النفوذ الروسية؛ ففي منطقة القوقاز التي يعدها الكريملين فناء خلفيا قام الرئيس بوتين بالوساطة السافرة بين أرمينيا وأذربيجان مرسلا نائب الرئيس جيه دي فانس لإنهاء الصفقة.

وفي فنزويلا -بالإطاحة الصاعقة بنيكولاس مادورو- أبدى مدى قدرته على تهديد بلد تابع لروسيا. وبعد حشده لما وصفه بـ«الأسطول الرائع» في الخليج العربي قد يضرب الرئيس ترامب إيران مرة أخرى، أو يستهدف كوبا، وهي الأخرى حليف روسي.

وتدخل الرئيس ترامب في المصالح الروسية بأشكال أخرى؛ فقد فرض عقوبات على شركات نفط روسية، واستولى على حاوية تحمل العلم الروسي، وضغط على الهند؛ للتوقف عن شراء الخام الروسي.

ويبدو السلام الهش في القوقاز شبيها بمقدمة لتوسع اقتصادي أمريكي؛ فلا عجب في أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قد حذر من أن الرئيس ترامب يريد «أن يسيطر على الاقتصاد العالمي».

فقد نرى الكرملين يلوح بصفقات هائلة محتملة لشركات أمريكية، لكن نقاشات التعاون الاقتصادي الأعم أحيلت ـ بما لا يخلو من دلالة ـ إلى مجموعة عمل ثنائية.

وفيما يتعلق بالحد من التسلح لم تتحسن الأمور كثيرا؛ ففي سبتمبر أعلن الرئيس بوتين عن اقتراح بأن تخضع روسيا والولايات المتحدة ـ مع اقتراب انتهاء معاهدة «نيو ستارت» ـ كلٌّ لحدودها الخاصة في الرؤوس النووية لعام آخر.

ولم يبال الرئيس ترامب قط بالرد رسميا على الاقتراح.

وقبل أن تنتهي المعاهدة في الخامس من فبراير ألمح الرئيس ترامب إلى أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يحتوي كوبا. وكان ذلك يتسق مع إعلاء الرئيس ترامب للصين على روسيا، وهو ما تجسد في اقتراح مجموعة الاثنين المؤلفة من واشنطن وبكين فقط.

امتد هذا التعالي إلى مجلس ترامب للسلام؛ ففي بادرة محتملة للاحتواء تم توجيه دعوة للرئيس بوتين للانضمام، لكن تتويج الرئيس ترامب لنفسه رئيسا دائما للمجلس أوضح أن العرض سوف يكون عرضه المنفرد، ولروسيا أن تتناغم في الجوقة أو تبقى خارجها. وبالنسبة لبلد يطمح إلى شيء قريب من الندية؛ فإن هذا الأمر يرقى بلا شك إلى التبعية؛ فلم تنضم روسيا، وتغيبت عن الاجتماع الابتدائي يوم الخميس؛ فنرجسية الرئيس ترامب ورغبته في الانفراد بمركز الاهتمام لا يسمحان بوجود أنداد.

وبطبيعة الحال؛ لا أقول: إن الرئيس ترامب سيىء تمام السوء تجاه روسيا؛ فالبيت الأبيض والكرملين متوافقان في العديد من المبادئ، ومن ذلك العداوة للاتحاد الأوروبي، والنفور مما يعرف بثقافة الصحوة والاعتقاد بأن القوة هي الحق.

لقد خربت سياسة الرئيس ترامب الخارجية الهوائية العلاقة العابرة للأطلنطي، وأحاطت بالشكوك التزامات تاريخية، وجعلت الجميع في حالة تأهب. وفي سياق التحوط العالمي الهائل الجاري حاليا قد تجد روسيا مجالا أكيدا للمناورة. وقد تكون سياسة ترامب التخريبية مصلحة لروسيا مع مرور الوقت.

والمشكلة هي أن روسيا تبقى محاصرة بحربها في أوكرانيا التي تدخل عامها الخامس، وعلى الرغم من تقلبه تجاه أوكرانيا فإن الرئيس ترامب لم يسلم البلد كليا لروسيا.

ولو أنه أرغمها على صفقة سيئة الآن لقوبل بمقاومة ضارية.

ويشير تراجع ترامب عن تهديده بالاستيلاء على جرينلاند بالقوة إلى أنه في حال توافر مقاومة كافية فإن ترامب يتراجع عن مطالبه القصوى.

وعلى بعض المستويات يبدو أن ترامب بات يفهم أن النجاح لا يعتمد عليه وحده دون الآخرين.

وفي ظل عجزه عن الحصول على ما يريد من الرئيس ترامب في أوكرانيا سوف يواصل بوتين القتال مستنزفا موارد روسيا أكثر مما استنزفها في هذه الحرب الكارثية، فتزداد التكلفة في المال والبشر ارتفاعا.

وفي الوقت نفسه سوف تستمر الولايات المتحدة في زعزعة النظام العالمي، غير مهتدية فقط بجاذبية تناغم القوى العظمى مع روسيا، وإنما بمبدأ (ترامب أولا).

وذلك المبدأ بأي معنى له لا يمكن أن يكون قريبا من الاحترام في كثير أو قليل.