د. سالم بن سعيد البوسعيدي

يقول الباحث القدير سلطان الشيباني "ومع هذا الكم الهائل من التراث نشهد تنوعا في أشكاله وأساليبه. فمن أشكال التأليف عند العمانيين: الجوابات والفتاوى» أو ما يعرف بـ «كتب النوازل»، وهو من أقدم الأساليب كما نرى في جوابات الإمام جابر بن زيد (ت٩٣هـ) إلى أتباعه،..... ومن أشكال التأليف: الجوامع الفقهية، وهي مصنفات يعنى مؤلفوها فيها باحتواء جمهرة مسائل الفقه، مع التعليق عليها وإبداء رأيهم فيها. ومن تلك الأشكال التأليفية الحواشي والتعليقات، وهو أسلوب شائع عند العمانيين وغيرهم. ومن أشكال التأليف: المنظومات العلمية، وشمل النظم العلمي في عمان جانب العلوم التجريبية كالفلك والبحار والطب. ومن أشكال التأليف التي كثرت الدراسات عنها ما اصطلح العمانيون على تسميته بالسير، و«السيرة» في عرفهم تعني : رسالة يبحث فيها مؤلفها قضية نازلة في المجتمع، تستدعيه أن يقول رأيه فيها. ومن أشكال التأليف الذي تميز به العمانيون، بل عده بعض الباحثين من أعاجيب الزمن، وهو «الموسوعات العلمية المطولة». والساحة العمانية تزخر بعدد وافر منها، ابتداء من القرن الثالث الهجري وانتهاء بعصرنا الحديث".
وبعد أن ألقينا الضوء على فن "السير" وفن "الشعر التعليمي والنظم العلمي"، نتوقف هنا عند خصائص التأليف في العلوم الدينية، وخاصة في كتب "الجوامع" و"الموسوعات الفقهية"، فقد حملت هوية هذا البلد ونكهته. (المحتوى/ اللغة والأسلوب/ الأحداث).
(2)
نقف قليلا مع ظاهرة الموسوعات الشرعية، وهو مصطلح يعنى بالمؤلفات التي تتناول مباحث الشريعة الإسلامية، معروضة من خلال عناوين متعارف عليها، بترتيب معين. ومن التسميات المشهورة للموسوعة كذلك: دائرة المعارف، أو المعلمة.
وفي عمان بدأت الموسوعات مبكرا مع "ديوان جابر" الذي فقد، والذي تقول الروايات أنه حمل بعير، مصورة ضخامته. ثم نجد النقلة الكبيرة في القرن الثالث الهجري بظهور كتب الجوامع مثل: جامع ابن جعفر وجامع الفضل وجامع ابن بركة وجامع البسيوي، وتلك الجوامع تميزت بأمور مهمة، فهي كنز حقيقي، لأنها تجمع آراء السابقين فهي خزانة تراثية، فضلا عن وضع اجتهادات نصية، وهي مع هذا تجمع بين العقيدة والشريعة والآداب باعتبار الإسلام شيئا واحدا لا يمكن تقطيع أوصاله. كما تميزت بلغتها العذبة، والعناية باللغة العربية.
أما ظهور التأليف الموسوعي الضخم، فيرى الباحث محمد بن عامر العيسري أن بدايته تعود إلى القرن الثالث الهجري "بكتاب محمد بن محبوب (ت:260هـ) الذي يروى أنه يقع في سبعين سفراً، ثم كتاب الخزانة المنسوب إلى نجله بشير بن محمد بن محبوب في سبعين سفراً. وفي القرن الخامس ظهر كتاب الضياء للعوتبي في أربعة وعشرين جزءاً. وامتاز كتاب الضياء للعوتبي يمتاز عن غيره من التآليف الموسوعية الباقية ـ التي تعود إلى القرون الأولى ـ بأن مادته أكثر تنوعاً بين فنون المعرفة، كما أن المؤلف قد أكثر من النقول اللغوية والأدبية، خلافاً للتآليف الأخرى التي طغت عليها مسائل الفقه مجردة عن الأسلوب الأدبي. على أن المؤلف ينتمي إلى المدرسة الرستاقية التي سلمت أغلب كتبها من زيادات الفقهاء والنساخ إلا قليلاً، وهذا الأمر ينسحب على كتاب الضياء الذي لا نجد فيه من النقول كما نجده في كل من بيان الشرع والمصنف والكفاية، رغم أن المؤلفين جميعاً قد عاشوا في ذات الحقبة الزمنية أو مع تقارب بينهم، بالنظر إلى تباين الآراء حول زمان العوتبي. ويشير أن العوتبي قد وقف على خزائن للكتب قد لا تكون وفرتها عند غيره من السهل اليسير، وتنبئ عن ذلك مصادره الكثيرة في موسوعة (الضياء)، ويمكن أن تقسم تلك المصادر من حيث موقع العوتبي (الموطن والهوية) إلى مصادر عمانية وغير عمانية."
(3)
يقول السالمي في تقديمه لموسوعة المصنّف "غير أنم القرن السادس الهجري كان عصر الموسوعات العمانية الضخمة، التي لم تشترك في الزمان فقط بل حتى في المنهج وأصول الاستنباط. بَيْد أنّ السمة الأخرى البارزة هي دلالات هذا التأليف الموسوعي على الحفاظ على تراث العلمي. فموسوعات القرن السادس وما بعد تعود بعد الكتاب والسُّنَّة إلى تراث علماء الإباضية ومؤلفاتهم بدون انقطاع منذ الإمام جابر بن زيد وإلى بقية أجيال علماء المذهب، فتحفظ بذلك تراثًا عظيمًا، وتُطَّلِعُنا على التطورات في الزمان والمكان ووجوه التغيير والتجديد.
أما السمة الثالثة البارزة فتتمثل في الفقه المقارن حيث تعدد الآاء وشمولها، وطابع المقارنة من ضمن أدب الاختلاف الفقهي. فالفقهاء الإباضية في كتبهم وبخاصة في موسوعاتهم يستشهدون بآراء علماء المذاهب الأُخرى ذكرًا للإفادة والتوسع، أو نقدا أو ملاحظةً وتصحيحًا. وهذا النزوع الواثق والمنفتح. منذ القديم أسهم في استمرار التواصل العلمي، وشرّع الأبواب لتبادل الآراء والاندفاع الدائم نحو آفاق رحبة للاجتهاد والتجديد من طريق التقارب والتحاور."
(4)
وتبرز أهمية تلك الموسوعات في أمور كثيرة، وحسبي لضيق المقام أن أذكر بعضها:
أولاً: قيمة دينية، كونها تحوي معظم مباحث الشريعة المنثورة في مئات الكتب بين دفتي كتاب واحد، وإن تعددت أجزاؤه، فهي قدمت موجزا للتراث السابق مع وضعه في إطار منهجي واضح.
ثانياً: قيمة حضارية، فهي تدل على تحضَر المجتمع والعلماء، وانتشار المعرفة والعلوم، فيهولنا كثرة المصادر والمراجع، بين شفوية وكتابية، وبين علاء عمان وغيرها من البلدان، مما يدل على وجود مكتبات ونهضة علمية واطلاع.
ثالثا: قيمة اجتماعية، فمن سمات الفقه الإسلامية "الواقعية" فهو -كما يقول محقق موسوعة (المصنف) "ليس تشريعا في فضاء التجريد، بل هـو نظام يتعامل مع واقع بشري حي، ويواكب الناس في شتى ميادين الحياة، يعالج القضايا ويقدم الحلول، حتى تسير الحياة بالناس رُخَاءً لا عواصف فيها ولا عراقيل. والفقه بعد ذلك لوحة دقيقة وشاملة؛ لنمط الحياة وطبيعة العلاقات، وصور المشكلات، يتبيّن منه كيفَ طَرَقَ الفقهاء القضايا وقدّموا الحلول للناس، وكيف كانوا في فقههم وفتاواهم أمناء على هداية البشرية للتي هي أقوم، فَهُمْ من الوحي يَصْدُرون وإليه يرجعون. من هنا كانت موسوعات الفقه سجلات أمينةً، ووثائق صادقةً لمختلف جوانب حياة المجتمعات الإسلامية. لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من وقائع تلك المجتمعات؛ إلا وحفظتها بأمانة ودقة تدعو إلى الدهشة والعجب. وهي بعد ذلك مادة ثمينة لدراسات تاريخية اجتماعية واقتصادية وفكرية وعمرانية، فهي بذلك كاميرا للمجتمع بما تحويه من معارف عن المجتمع وعلومه وفنونه وأنماط حياته، بل حتى فنونه ونقوده وأنماط حياته وطبقاته، وتقاليده الحضارية في العمران والزراعة والصناعة، وأنظمة المجتمع ومؤسساته.
رابعا: قيمة سياسية، بما تحويه من فقه السياسة الشرعية، وأنظمة الحكم وأبعاده، وسياسة الحكّام والأئمة، مراسلاتهم وعهودهم ومواثيقهم.
خامسا: قيمة تاريخية، بما حوته من حوادث تاريخية، وإضاءات زمنية مهمة على بعض الأحداث، وقد امتزج التاريخ العماني السياسي بالبعد الفكري الديني العقدي منذ قيام الإمامة الأولى في القرن الثاني الهجري.
سادسا: قيمة أدبية، بما تحويه من أشعار وأخبار وآثار، وهي من الكثرة بحيث تغدو بعض الموسوعات مصدرا أصيلا للغة والأدب مثل موسوعة "الضياء".
سابعا: قيمة فكرية، فمن يتأمل في المخزون الموسوعي العماني، يجد نهضة فكرية عملاقة، في تعدد الآراء، لا سيما الاجتهاد الفقهي لدى علماء عمان، ومنهجهم في التعاطي مع الوقائع والمسائل المستجدة، ومدى اعتمادهم على علم الأصول في تنزيل الأحكام، إضافة إلى ملمح مهم يمثل في تعدد الآراء والانفتاح على الآخر. كما يتسم ذلك الاجتهاد الفقهي ب استقلالية المجتهد وأحيانا مبدأ الاحتياط وواقعية الاجتهاد ومراعاة مقصد الشارع واتساع رقعة الاجتهاد وشموليته. فضلا عن الاعتناء بالتطبيق أكثر من التنظير. كما نجد توثيق المصادر والمراجع التي رجع إليها المؤلف والتي تتسم بالتنوّع والتعدد، فقد حفظت لنا الكثير من عناوين الكتب والكتّاب، وبل نقلت لنا -أحيانا- فصولا كاملة.
وهكذا يتجلّى لنا أن العمل الموسوعي مرآة فكر الأمة، ودليل على نضج فكرها، واتساع معارفها. ورقيها. هذا إضافة إلى حُسْنُ التأليف، والوضوح في العرض، وقوة الحجة. والعناية بفقه العمران.
وكان في البال أن نتناول المعاجم العمانية لولا ضيق المساحة المخصصة هنا.