لا نفقد علاقتنا بالكتب لأننا نتصف بالكسل، نفقدها لأن العالم أعاد تدريبنا على نوع آخر من أساليب العيش السريع والخفيف والذي لا يترك أثر. كل شيء صار يمر بنا، لكنه لا يستقر فينا. نعرف كثيرا، لكننا نتذكر قليلا وما نتذكر أو حتى ما يمر بنا لا نعي جوهره ولا نستطيع أن نضعه في سياق تكاملي. نرى أكثر مما نحدّق. ونسمّي هذا «اطلاعا» بينما هو في الحقيقة شكل مهذّب من التلاشي.

في مثل هذا المشهد تصبح القراءة فعل مقاومة. ليست مقاومة ضد أحد، بل مقاومة ضد حالة عامة تُقنعنا أن العمق ليس ذا أهمية وأن البطء معيب، وأن الجملة الطويلة علامة ثِقل. ولذلك فإن القراءة لا يمكن أن تكون هواية هي أقرب ما تكون تمرين على البقاء. أن تبقى حاضرا داخل نفسك، لا مجرد سطح يعكس ما يمرّ عليه.

تقاوم القراءة التي نعنيها التسطيح؛ تلك القدرة الجديدة للعالم على تحويل أكثر الأفكار تعقيدا إلى عناوين، ثم إلى نكات، ثم إلى ضجيج سرعان ما يتلاشى. وتقاوم الانهيار ثانيا: انهيار المعنى في داخلنا والآراء المتساوية، والدهشة مستهلكة. وتقاوم التلاشي أخيرا: تلاشي الفرد حين يفقد الصلة بالسرد الطويل، وبالأسئلة التي لا تُجاب في دقيقة.

القراءة الجيدة لا تعطينا معلومات فحسب؛ تعطينا شكلا من النظام الداخلي. تمنحنا قاموسا نسمّي به الأشياء قبل أن تبتلعنا فوضاها. وتمنحنا ذاكرة ـ لا ذاكرة أحداث، بل ذاكرة أفكار: كيف تطورت فكرة، كيف سقطت حجة، كيف تغيّر الإنسان حين واجه نفسه في كتاب.

لهذا لا تبدو القراءة اليوم «أقل» أهمية من قبل، بل أكثر. لأن ما يُنتَج حولنا من كلمات لم يعد يطلب فهمنا، بل طلب استجابتنا. القراءة، حين تتم على مهل، تعيد إلينا حقا بسيطا: أن نختار ما يدخل إلى وعينا، وأن نعطيه الوقت الكافي ليصير جزءا منا. وهذا ـ في عصر السرعة ـ نوع نادر من المقاومة.