حمود سعود -

لم يكن محمد عمران خان القادم من بيشاور يدرك أن لقمة العيش في العامرات سترجعه طفلًا، وهو الخمسينيّ الذي قدِمَ للعمل كهربائيًّا للسيارات في صناعيّة العامرات، ويسترجع ذكرياته مع طفولته.

عند وصوله إلى العامرات، وبعد أسبوع بالتحديد، رأى من الغرفة التي يسكنها مع ثلاثة مواطنين من بلاده، إنارة ساطعة، وأعمدة مصابيح طويلة. تعجّب من قوة الإنارة، وسمع هتافات وتصفيقا.

سأل بفضول رفاقه في الغرفة والغربة، ردّوا عليه: إنه ملعب للكريكت. اندهش من وجود ملعب لهذه الرياضة في بلاد لا يلعب أهلها هذه اللعبة، وقرّر أن يكتشف المكان بنفسه.

في صباح الجمعة، قاد دراجته الهوائيّة من صناعيّة العامرات المدفونة بين الجبال، شعر بنسمة هواء باردة تنثر خصلات شعره، وبفرح طفوليّ خفي. نظارته الطبيّة تتحرك على أنفه، مرّ على دوّار مكة، بعدها انحدر مع الشارع، رأى جامع عثمان بن عفان، توقف ليشرب من ثلاجة الجامع، بعدها انحرف إلى اليمين رأى حديقة صغيرة خالية من الأطفال، رأى عامل نظافة نائم تحت الأشجار، انحرف مرة أخرى ـ قبل الحديقة بقليل ـ إلى اليمين، عيناه مركزتان على عواميد الإنارة المطفأة، كلما اقترب من المكان، نبض قلبه أكثر، رأى الطفل الذي يركض خلف الكرة الصغيرة، حافي القدمين، بقدميه يدوس الآن دراجته، يدخل بوابة الملعب. يرى الملعب الدائريّ المُعشّب. لم تصدق عيناه، أوقف دراجته، خلع نعليه، لامستْ أقدامه العشب الأخضر، مندهشًا من الملعب، رأى عمالًا يجزون العشب، رأى اللوحة الإلكترونيّة، تخيّل اسمه يلمع هناك في تلك اللوحة، وجماهير غفيرة تصفق له، بعدما أحرز فوز منتخب بلاده، دمعت عيناه لهذا الخيال، تذكّر عمره الذي سرقته الحياة منه، فسقطت دمعتان من عينيه. بيده اليسرى خلع نظارته، وبأصابع يده اليمنى مسح الدمعتين.

أسند ظهره على الحائط القريب، ظلَّ يتخيل أنه الآن يقود منتخب بلاده، يركض بأقصى سرعته، يسمع صراخ وتصفيق وتشجيع، أغمض عينيه قليلًا، جماهير باكستانيّة في المدرجات تهتف له: خااان... خااااان، ارتفع حماسه، أمسك بالمضرب الخشبيّ، ضرب الكرة البيضاء الصغيرة، ضربها بكامل قوته وجنونه، ارتفعت، وارتفعت، وغابت بين الغيوم، رؤوس اللاعبين والجماهير، ارتفعت إلى الأعلى، في اللحظة التي ارتفعت فيها كرة خان، كانت طائرة تحاول أن تنزل في مطار مسقط الدوليّ، خاف أن تسقط الطائرة بكرته، استيقظ من خياله ليرى عصا أبيه، ترتفع لتطرده من ملعب الطفولة، ومن حلمه، إلى جبال الرعاة. يتذكر محمد عمران خان ذلك المساء، الذي أبرحه والده ضربًا؛ لأنه ترك الأغنام، وذهب مع رفاقه إلى ملعب القرية الترابيّ القريب من المدرسة، فحرمه من الملعب والمدرسة، وهو في الرابعة عشرة من عمره. لم يشعر إلا بعامل الملعب يصرخ في وجهه، ويطلب منه الخروج؛ لأن اليوم الجمعة، يُمنع الدخول إلى الملعب.

في الأيام التي تلت اكتشاف محمد خان لملعب الكريكت في العامرات، غمرته سعادة لا توصف، حتى زملائه في العمل، شعروا بذلك، وفي الخامسة من كل مساء يقود دراجته من صناعيّة العامرات، إلى ملعب الكريكت. يجلس في طرف الملعب بعدما يسند دراجته على الجدار القريب، يطلب شاي كرك من المقهى القريب، يمسح على شاربه الكثّ، ويظلّ يُراقب اللاعبين، يتحمس أحيانًا ويوجه اللاعبين، يغضب أحيانا من طالبات مدرسة دارسيت الهنديّة؛ لانخفاض شغفهن بالكرة، يندهش المدربون من هذا الرجل الذي يصرخ ويتفاعل، يظلُّ يُحدق في حركة الكرة البيضاء وهي ترتفع في سماء العامرات، وفي ركض اللاعبين من الفريق الخصم، وعند أذان المغرب يعود أدراجه إلى غرفته، لكنه يظلُّ يُحدّق في الإنارة الساطعة حول الملعب.

تنسكب دموعه بعدما يتمدد في سريره الأرضي، صارت كل أحلامه ملعب الكريكت، يرى في أحلامه أنه أصبح مدرّبا لمنتخب بلاده، يصل إلى المباراة النهائيّة ضد منتخب الهند.

ما حدث في اليوم العاشر من مارس، سيقلب حياة محمد خان بشكل جنونيّ، أخبره العامل الهنديّ، بأن بطولة ستقام نهاية الشهر للكريكت، وسيلعب فيها المنتخب الباكستانيّ، هذا الخبر كان كفيلا بأن يشعل براكين الفرح داخل روح محمد خان، جن فرحًا، حضن العامل الهندي، عاد إلى غرفته؛ وهو في حال خفة وفرح وكأنه طفل أمسك بقطعة حلوى، لم يشعر بالمسافة بين الملعب وصناعية العامرات، كادت أن تدهسه سيارة بالقرب من دوار مكة، كان يعيش في خيالاته، رأى نفسه يقود رابطة المشجعين، وجمع كل مواطني بلاده في مسقط، ومع المزامير والتصفيق، تخيّل أن التلفاز الباكستانيّ، يبثُّ لقطات من المدرجات، والمذيع يصرُّ على عمل لقاء تلفزيوني مع خان.

في السابع والعشرين من مارس، في الساعة السادسة مساءً، أغلق محمد خان محله في صناعيّة العامرات، صعد إلى الطابق الثاني، أخرج ملابسه التي جهزها منذ يومين، استحم، ترنّم بأغنية حماسيّة، حمل معه الأعلام، والشرائط، والأوراق التي جهز فيها الأناشيد الحماسيّة، ربط رأسه بقطعة قماش خضراء يتوسطها قمر ونجمة بلون أبيض، أخرج دراجته من تحت سلّم العمارة، قاد دراجته، خرج من صناعية العامرات، دار حول دوّار مكة في السادسة والنصف، أبواق المارة تحيّه، فيرد عليهم بابتسامة، فتبرز أسنانه الصفراء، علّق نظراته في مئذنة جامع عثمان بن عفان، داس على دواسة الدراجة بشكل أقوى، لم يلتفت جهة اليمين، رأى نفسه يطير في الهواء، بعدما صدمته سيارة مسرعة من جهة الحديقة الصغيرة، إنها السادسة وثلاث وثلاثون دقيقة، طارت الأعلام والهلال والنجمة، بعض الأعلام تعلقت بمئذنة جامع عثمان بن عفان، تدحرجت نظارته الطبيّة أمام محل الورد الملاصق للجامع، لعلّ عاشقة تحمل باقة ورد تشفق على عينيّ الرجل الميت. في الجهة الأخرى، احتشدتْ الجماهير الهنديّة والباكستانيّة في ملعب الكريكت بالعامرات، لم يذكر أحد محمد عمران خان الذي حملته سيارة الإسعاف إلى مستشفى النهضة حتى السفير الباكستانيّ لم يهتم بوفاة مشجع باكستانيّ، رفاقه في الغرفة حملوا دراجته وأعلامه وقمره ونجمته، وعادوا إلى غرفتهم.

حمود سعود قاص عماني