آتيش تاسير/ ترجمة: أحمد شافعي -

«سالجيرا»، بتلك الكلمة هدر صوت الموظف الصغير في مكتب الهجرة بالجانب الباكستاني، وقد أوشك وجهه وهيئته بقميصه السلوار أن يستعصي على الأعين في غرفته المعتمة رغم النهار.

كان ذلك في عام 2002، وقد عبرت للتو، على قدمي، من الهند إلى باكستان، متجاوزا أحد أشد حدود العالم في الاصطباغ بالطابع العسكري، كان أغسطس من ذلك العام قد شهد توترات بين البلدين، وتهديدات بحرب نووية، فكان المعبر مهجورا. وبدت حقول الأرز ممتدة في كل ناحية، لاهية عن سياج السلك الشائك الذي يجري فيها جريان ندبة غائرة. وكنت بين حين وآخر، في حرارة النهار الغارق في المطر، أميز صيحة مقبضة لطائر الوقواق الآسيوي.

أنا نصف هندي، نصف باكستاني، نشأت في ديلهي (ابنا غير شرعي لصحفية هندية وسياسي باكستاتي)، وكنت قبل أسابيع من وصولي إلى ذلك المعبر قد قمت برحلة إلى لاهور سعيا إلى مقابلة أبي البعيد. نجحت في مقابلته، وإضافة وجه إلى شبحه، وتخليص نفسي من ثقل جاذبية الغياب. التقيت كذلك بجمع من الإخوة غير الأشقاء، وكنت في طريق العودة لحضور عيد ميلاد أختي الخامس والعشرين. وبسبب اسمي، تصور ضابط الهجرة أنني باكستاني الأصل وأسافر بجواز بريطاني، فأنا راجع إلى الوطن من زيارة للجانب الآخر. سألني بنبرة روتينية عن سبب مجيئي إلى باكستان. قلت «من أجل عيد ميلاد أختي» لكن الكلمة التي استعملتها هي جنامادين janamdin وليس سالجيرا saalgira ففضحت الكلمة أني امرؤ لا يمكن إلا أن يكون قد نشأ في الهند. فلم تكن كلمة سالجيرا التي نطقها الضابط تصحيحا بقدر ما كانت تحذيرا لشخص بات مكشوفا تماما أن محاولته التظاهر بأنه ليس ما هو عليه قد فشلت. تبدد أي تعاطف معي في الغرفة، وحلت محله ريبة.

الهندية والأردية أشبه بأختين سائلتين دائمتي التبدل، كأنهما الين واليانج، في كل منهما شيء من الأخرى. يتطابق النحو فيهما والتركيب، لكن في حين أن الأردية تستمد معجمها من الفارسية والعربية، اصطبغت الهندية في هند ما بعد التقسيم بصبغة سنسكريتية. تكتب الأولى بخط النستعليق Nastaliq العربي، والأخيرة بالديفانجاري Devanagari بحروف وصفها جابرييل جارثيا ماركيز يوما وصفا يستعصي على النسيان فقال إنها أشبه بـ«ثياب معلقة على حبل غسيل». وكلتاهما نشأت في المجال نفسه، أي اللغة الأم لشمال الهند قبل التقسيم، ولم تكن لأي منهما هوية مميزة حتى العصر الاستعماري. بل إن كلمة أردو نفسها، وهي مشتقة من كلمة تركية تعني الجيش وتتشابه مع كلمة horde الإنجليزية وتعني «البدو»، لم تستعمل اسما للغة إلا في زمن متأخر للغاية. ولعل ميزرا غالب (1797-1869)، أعظم شعراء الأردية كان ليعد نفسه في مفارقة صارخة من شعراء الهندية أو الريختا Rekhta. ولعله كان ليستقر للغة التي يكتب بها على أوصاف عديدة أخرى، كالدهلوية والجوجرية والدخنية، قبل أن ينتهي إلى الأردية. فالأردية بالنسبة له لم تكن لغة بقدر ما كانت اختصارا لمدينة دلهي، واختصارا لعبارة (zabaan-e-urdu-e mu’alla-e Shahjahanabad ) أي (لغة معكسر مغول ديلهي المعلّى). ويكتب الباحث في اللغة الأردية شمس الرحمن فاروقي أنه «ما لنقاش الآن أن يتجاهل حقيقة أن ثمة مدعيين اثنين لامتلاك تراث أدبي ولغوي واحد، وأن القضية برمتها سياسية أكثر مما هي أكاديمية».

وقصة تحول الواحد إلى اثنين ما هي إلا قصة مصغرة من قصة تفكك الثقافة الهندوسية المسلمة السيخية المتجانسة في شمال الهند. يمكن أن نرجع تاريخ هذا الانقسام إلى تأسيس كلية فورت وليمز في كلكتا سنة 1800، ففيها، وبرعاية إداريين بريطانيين من أمثال جون جيلكريست الذين كانوا يدربون الموظفين ويؤلفون الكتب الدراسية، تعرضت لغة الشمال لعنف التصنيف على أسس دينية، فالهندية للهندوس والأردية للمسلمين. وكان عبث التقسيم محسوسا حتى بعد قرن من الزمن لرجال من أمثال منشي بريمتشاتد (1880-1936)، وكان كاتبا مجيدا لكلتا اللغتين. وقد سألت حفيده مرة كيف كان بريمتشاتد يتنقل بين ذينك الماءين المخاتلين فقال لي إنه «كان يكتب بالأردية، ثم يسلم مخطوطته لكاتب اختزال ويقول له اجعلها هندية، فيشرع كاتب الاختزال في حذف الكلمات ذات الأصول الفارسية العربية من النص كله ويستبدل بها مرادفات سنسكريتية».

الهند وباكستان الآن بلدان منفصلان منذ قرابة ثمانين سنة، غير أن الناس في هذين المجتمعين لا يزالون يكلمون بعضهم بعضا بسهولة وكأنهم نشأوا تحت سقف واحد. وهذه العامية المشتركة السارية كأنها تيار دلالي تحتي في البلدين تسمى بـ«الهندوستانية» لعدم وجود لفظ أفضل. في الهند ذات المائة والسبعين مليون مسلما ينتشر أغلبهم في قلب المنطقة الشمالية الناطقة بالأردية في ولايتي أوتار براديش وبيهار، تزخر لغة الحياة اليومية بالكلمات الأردية. هذا بعيدا عن بوليود التي تقوم بدور هائل في الحفاظ على اللغة العامية المشتركة. ولا يصدق هذا في باكستان. فهنا، تأثر استعمال الناس بشعور ديني-قومي، وبقولي «جنمادين» كشفت نفسي، شأن جاسوس ألماني في بريطانيا في زمن الحرب إذ يعجز عن تذكر أبيات من أغنية أطفال شهيرة.

***

بعد خمس سنين جلست مع شاعر أردي من مدينة ديلهي القديمة في «مخيم السوق» الذي صار اسما للغة، لكي أتعلم خط النستعليق. كان جدي لأبي شاعرا أرديا. وسميت باسم أهم أعماله الشعرية «آتش كادا» أو «معبد النار». وكان عمي الأكبر فيض أحمد فيض من أهم شعراء الأردية في العصر الحديث، فكان من دواعي خجلي أنني لا أستطيع قراءة أعمالهما بالخط الذي كتبت به برغم أن جدي السيخي الذي لجأ إلى الهند في عام 1947 كان يقدر على ذلك، وهذه من سخرية مفارقات التقسيم.

كان معلمي الشاعر ظفر مراد آبادي رجلا رقيقا، يرتدي بدلة سفاري ونظارة شمسية وقلنسوة مدببة بيضاء. وكان يمتلئ حزنا بسبب انقسام اللغة إلى معسكرين دينيين. لكن برغم جميع كربه، كان يمتنع عن كتابة الأردية بالخط الديفاناجاري اتباعا للجاري منذ عقود في الهند. وكان يقول في غضب مستطير من سفهي إن «الخط هو الحاوي لروح اللغة». وبرغم أنه لم يكن يؤيد كتابة الأردية بالهندية، فقد كان يصر على أن روح الأردية تكمن لا في نقائها وإنما في عاميتها. وكان يحب أن يحكي قصة إداري إنجليزي زعم أنه يجيد الأردية فاقترب يوما من شاعر وتباهى بما حققه. فسأله الشاعر «فلا بد أنك تعرف ما الـ divot؟[الانبعاجة]». فارتبك الإنجليزي. لقد أراد الشاعر أن يريه أن لكلمة انجليزية شائعة الحق في أن تكون جزءا من المعجم الأردي شأن كلمات الفارسية والعربية الجليلة. وأتذكر مرة أني سألت الشاعر الغنائي الأردي جاويد أخطر هل أستعمل في الإشارة إلى «الموت» كلمة «ديهانت» الهندية أم كلمة «انتقال» الأردية. فنظر إليّ جاويد في حيرة وقال «عليك أن تستعمل كلمة ديث فحسب» مستعملا الكلمة الإنجليزية.

كانت الأردية حلا للغز تاريخ الهند ذي الطبقات الثلاث البريطانية والإسلامية والهندوسية. فقد استمدت حيويتها من قدرتها الفطرية على التكيف مع السياق الطبيعي لكل عصر جديد. لقد كانت ملكة العاميات المتوجة، اللغة البسيطة المبهجة، لغة العامة التي تهزأ بالأوساط الأكاديمية. وهذا أيضا ما يجعل الترجمة من الأردية بالغة الصعوبة. فحينما جلست لأترجم إلى الإنجليزية أعمال أحد أفضل كتاب القصة القصيرة الأردية سعادات حسن مانتو، أذهلتني عبقرية أن اللغة المنطوقة في هذه الأرض ذات الطبائع الثلاث قد جعلت للشيء الواحد كلمات مختلفة للمعاني المختلفة. وانظروا إلى حالة «المسافر»، حيث تستدعي كلمة (ياتري) yatri السنسكريتية الحج، وكلمة (مسافر) musaffir الأردية تستحضر كلمة الخان والليل المقمر مع لمحة من الرومنسية والخطر، أما كلمة ترافيلر الإنجليزية فتثير في الذهن على الفور عقم السياحة الحديثة. ومانتو مغرم بذلك كله وينعم بمستويات اللغة جميعا.

مأساة شمال الهند وباكستان ـ والهندية والأردية ـ هي أن النظام الرقيق للصوت والمعنى الذي تكتسب من خلاله الكلمات عبر الزمن دلالات دقيقة مميزة قد انتُزع من أيدي أغلب ممارسي اللغة، من روائيين وشعراء وسينمائيين وشعراء غنائيين ممن ينشئون اللغة. وبات الآن بين أيدي سياسيين مصرين على جعل اللغة ممحاة للتاريخ. ولو مضى الأمر إلى مآله الطبيعي، فسوف يفقد وزير الداخلية الهندي اسمه آميت شاه؛ لأن شاه كلمة فارسية قديمة تعني الملك، لكن المستبدين لا يردعهم العبث، إنما يعيشون عليه.

آتيش تاسير مؤلف العديد من الأعمال الروائية وغير الروائية. أحدث كتبه هو «العودة إلى الذات: رحلات في المنفى» وقد صدر في عام 2025

نشر المقال حديثا في مجلة جرانتا الأمريكية