د. خليل قويـعة -

«عمر الفن في أرض عُمان ليس جديدًا، إنه يعود إلى آلاف السنين، ولوحاتي شاهدة على ذلك»! هكذا تكلم حسين عبيد وهو يقدّم لي أعماله ذات ربيع، عام 2019. فقد ولع الفنان بالصخور القديمة وبالصحراء ورمالها والحجارة المغمورة والنقائش وما انطبع عليها من علامات تقص علينا سيرة الإنسان وآثاره في الأرض، فكشفها في الضوء وتفحصها وتأملها وقرأها وتلمسها بأنامله وداعبها وفركها وأزاح عنها غشاوة الزمن ثم رأى فيها صورة ملهمة من صور التاريخ المنسي...

ولكن، ما الذي يجعل هذه الكيانات الجيولوجية تارة، والثقافية تارة أخرى، مستندًا لتعبير تشكيلي خالص؟ كيف لها أن تتحوّل من كونها شاهدًا على حضارة بعينها إلى كونها تعبيرًا عن حالة الذات اللعوبة والمستكشفة، ذات الفنان نفسه؟ ما الذي يحتمله الأثر الفني من إنشائية في الفعل والنظر، عند تحويل هذه الذاكرة الصخرية والجدارية، من كونها «رسم درس» من أزمان الأولين إلى كونها رسما فنيا ينبض بتطلعات الذات المبدعة وأمزجتها الجمالية وتطلعاتها إلى الممكن وزمن آخر يسري بين أنسجة اللوحة؟

لا ريب، يصعب البحث عن إجابة حاسمة تشبع شوقنا إلى مستطاع السؤال وآفاقه الرحبة! إذ ليس الفعل الفني -ههُنا- مسارًا معلوم المراحل، محدّد الأهداف، معلّب الدلالات، محفوظ الشيفرات... بل هو أكثر من ذلك. إنه استعادة لبريق السؤال ومحاولة لتمديده على مدى القراءة. وعبثًا نحاول إن سعينا إلى سدّ باب السؤال لمجرد كتابة هذه الأسطر، وهي عتبات أولية للدخول إلى كون الفنان؛ فلوحة حسين عبيد زلوقة ومتحركة وخطوطه مراوغة، وهي أكبر من أي جواب. بل هي استعادة لنبض السؤال في الكائن عندما يتناسل باستمرار ما بين مستطاع العين الناظرة واحتمالات المعنى إذ تتمدّد وتتّسع في معترك القراءة.

لقد استعاد حسين عبيد جسم الحجارة الباردة التي استحالت بين يديه إلى جسد دافئ مولّد للانفعال. وهكذا، أعاد الفنان وجه الصخرة الصلبة إلى نبضها الحيّ بعد أن وهج فيها انفعالاته الملوّنة وقد غلبت عليها ألوان الطين والصخر والرمال والجبال ومرونة الثرى، فحوّلها إلى علامة تشكيلية في لوحته، ولم يقتصر على عمقها الأيقوني الثاوي في طبقات الأرض وطيّات الذاكرة... ومن ثم، فقد ركّبها ولوّنها وحزّ مساحها ومسح حيّزها ورتب هيأتها واستثمر غموضها الدلالي الملغز وكوّن ملامحها من جديد وحمّلها تعبيرًا عن تضاريس الوجدان البشري، فجرّدها وذهنها وشخّصها ثم أعاد ترتيبها مشهديًا فهوى مساحها وضبط إيقاعها البصري وأحكم تردداتها وصنع منها نسيجًا مترامي الأطراف، ينبثق من أديم الأرض ويستمر في زرقة السماء... ومع حسين عبيد، لنا أن نتردّد بين صمت الحجر وضجيج البشر، وأن نتقلّب بين صلابة الصخور ودلالة النور، وأن نترحّل بين تموجات الرمال وتقلبات الأزمان ونشهد على نبض الزمان وأثر الإنسان.

ومن العلامات والنقائش الصخرية الضاربة في القِدم إلى معمارية البناء التشكيلي للفضاء... يتعلق الأمر بمسار ملهم. تجريدٌ، نعم. ولكن الفنان ما انفك يحيلنا إلى ذاكرة منسية في غياهب التاريخ الطبيعي والحضاري، من خلال الزمن الأحفوري الذي يخلّد أثره في الصخور وزمن الأمجاد التليدة التي تفرض بعبقها الباذخ في شكل نقائش فتستعرض فصولًا من أثر الإنسان على الحجارة. ولم يقتصر عبيد على أخذ القطعة الصخرية لذاتها وتحويلها إلى سطح تصويري، بل أعاد ترتيبها في سياقات تشبيهية ومعمارية مختلفة توحي ببيئة بصرية متخيّلة. فقد أدرجها الفنان ضمن مشهدية مائية، بحرية. وهو منعرج في مسيرة الفنان ظهر في السنوات القليلة الماضية، إذ يقوم على سرعة الأداء والملمح الطيفي لمشهد الأفق البحري... فيما الخطوط تعتمل باستمرار أمام العين الناظرة وهي تسبح في حلاوة الغموض، ما بين ماء وسماء، بحثًا عن اكتمال المشهد، ولن يكتمل، إذ صار إلى تركيبة تجريدية آسرة. لكن الماء لم يكن معزولًا عن بقية عناصر الفيزياء القديمة ورمزية التشكّل. ففضلًا عن الماء، ارتبط أيضًا بالتراب والهواء ونار الشمس الحارقة. ولقد رتّب الفنان علاقات القطعة الصخرية في الفضاء التصويري برحابة السماء، بما أضفى على اللوحة تهوئة تتنفس الأشكال من خلالها وتتجلّى. وسيكون هذا الأزرق السماوي فتحًا جديدًا في نظام اللوحة وأفقًا خصبًا للرؤية... ولطالما ارتبطت اللوحة بخامة الأرض والصخر، وها هي تحلّق في رحابة السماء بحثًا عن النور وإذكاءً للحلم وإثراءً للتجربة.

وقد يقتصر حسين عبيد على جعل الوحدة الصخرية جزءًا مكوّنًا لنسيج المفردات في جدار عتيق مهترئ صمدت بعض خاماته أمام مؤثرات الزمن. وبعدُ، فقد سبق وأن خاطبه أسعد عرابي، عام 2022: «بُنيات القهوة الصباحية وخربشات الجدار العتيق الملغز والمداعبة الجرافيكية الحميمة وأشياء أخرى مثيرة تحفظ أسرارها لنفسك...» ولقد حرّك الفنان صخوره في تراكيب مختلفة، قد لا نميّز فيها ما هو تجريد عما هو تشبيه. بل إن هذه الثنائية لم تعد شغالة في أعماله،

إذ التفريق بين تجريد وتشبيه راجع إلى زاوية النظر لدى المشاهد وليس أساسيا لدى الفنان، حيث الفن فعل تجريدي بالضرورة وليس مجرّد تصوير لمشاهد يومية اهترأت دلالاتها في زحمة المألوف البصري وأصبحت محلّ حنين جذّاب بفعل التقادم.

ولم يكتف الفنان بهذا الأفق من التحويل والتأويل، بل أذكى أعماله بشحنة مثيرة من اللامتوقع الذهني، فكسر بها أفق الفهم البصري المباشر وأنتج مسالك متجدّدة للسؤال والدهشة الخلاّقة. وذلك من خلال إدراج علامات تبدو مفاجئة في بنية التكوين ونسق الحركة وسلاسة الإيقاع، على نحو ما بدا في إحدى لوحاته، وهو ذلك الشهاب الأزرق القادم بسرعة البرق من خارج الإطار، ذاك الذي أذكى عنصر الحركة في هذا الكون التصويري المتشظي وقد حوّل جسد المدينة، المرتجة ما بين تجريد وتشبيه، إلى كائن مستهدف. إنها بنية العلامات وعلاقاتها أمام البصر، عندما تغتسل بالضوء فتوقظ في نسيج الأشكال احتمالية المعنى وتزرع في مساحة الإدراك شرارة من النور محلّقة... وقد يكون هذا اللامتوقع في لمسة سوداء أو زرقاء أو حمراء طائشة، هنا أو هناك، وكأنها تنبئ باستمرار الحركة خارج إطار اللوحة (كما في لوحة: الجدار 1، مواد مختلفة، 2022)، كما قد يكون اللامتوقع حاضرا في عبارة «لوْ» التي تفيد الممكن والاستدراك، أو في علامة القاطع والمقطوع، وقد تفيد رقم عشرة «X»، بالأرقام الرومانية (كما في لوحة: إشارات ورموز على الجدار1، مواد مختلفة، 2015).

وها نحن بإزاء فكر تشكيلي نابض، إيقاع بصري ملهم وحساسية لونية لذيذة، بطعم «القهوة الصباحية»... ومن شأن ذلك أن يحفّز الفضول في الرؤية ويجدّد المعنى. إذ المعنى ليس مرتهنًا ضرورةً بالمبنى، فلا يقتصر توليده على الجانب التشكيلي، المرئي. ومن هذا الجانب، ترى الفنان حريصًا أيضًا على إدراج اللامعنى في بعض أعماله، في سياق استحثاث المفاجأة وتحفيز الفكر المتأمل. وذلك موقف ثقافي لمعارضة العقلنة الواضحة عند معاشرة الأثر. فمهما يرى ويقال، ثمة جانب في اللوحة غير خاضع لمنطق الفهم المباشر ويحث الناظر على مزيد تأجيج السؤال عند تفحّص نظام الأشياء والعلامات.

ومع حسين عبيد، من العبث أن نحيط بمختلف ممكنات النظر؛ لأن جانبًا كبيرًا من اللامعنى في جملة ما نفعل، قد يقع تنزيله في سياق ما نرى وما نفكّر. وقد تكون للأرقام دلالتها في التصنيف الأركيولوجي للقطع الأثرية والأحفورات والنقائش، وذلك راجع إلى ترتيب إجرائي في التعامل مع التراث... على أنه في سياق التشكيل البصري لمنظومة العلامات هذه، تنبئ الأرقام بما يفلت عن الحساب الدقيق. بل الأرقام ذاتها، تحيل على أفق آخر للإدراك يظل معلقًا، عصيًا عن الإلمام به. وفعلًا، يبقى الرقم 890 لغزًا «موقوتًا» غير قابل للحل! ولو وقع تفسيره لضاعت اللوحة وانتفى وجودها الفني (كما في لوحة: الجدار 2، مواد مختلفة، 2017). والنظر مستمر.

د. خليل قويـعة باحث وفنان تشكيلي تونسي