أ.د. نضال الشمالي
عندما كتب فيودور دوستويفسكي رواية «الجريمة والعقاب» جعل الخطيئة فعلًا ذا بعد أخلاقيّ ووجوديّ مُبرّر يتفوق على القانون ويتجاوزه، تمتحن تفوّق الإنسان وإنكاره لمنظومة القيم رغم عجزه من الإفلات من ضميره. وعندما كتب ليو تولستوي رواية «آنا كارنينا» أطّر الخطيئة بإطار أخلاقيّ اجتماعيّ مرتبط بالحب والزواج، فتطل الخيانة برأسها عندما يُغلّب الحب الفردي على اشتراطات الطبقة الاجتماعية كعلاقة آنا بفرونسكي، ومن ثمّ يُمارس المجتمع قسوته على الفرد بانحيازه إلى القانون الأخلاقي أكثر من التماس الرحمة، ممّا يُعمّق من هشاشة الفرد أمام هذا القانون.
وللروائيّ أن يتخذ عالمًا مصغرًا أمثولةً لعالم كبير تسوده الخطيئة، وهذا الحق مارسته الروائية العُمانية آية السيابي في روايتها «العنبر الخامس» الصادرة عن دار الآن عام 2025؛ إذ جعلت من الخطيئة فعلًا سرديًا ومن السجن فضاءً روائيًا، فاشتغلت على إعادة تشكيل منظومة العلاقات البشريّة وتأويلها. ومع أن ثيمة السجن شائعة في العديد من الروايات إلا أنّ السيابي تعاملت معها بوصفها فضاءً اجتماعيًا يمسّ المرأة العربية، نتيجة أفعال أو ممارسات دُفعت إليها.
وقد أقحمت هذه المحاولة كاتبتها في العديد من الأسئلة الجريئة أو المسكوت عنها أو المغضوب عليها في المجتمع العربي، فاتخذت من تعدّد الأصوات استراتيجية تتولى إعادة تشكيل العديد من المفاهيم الاجتماعيّة والإنسانيّة بتوثيق لا يجانب الحذر. إنّ هذا التعدّد في الأصوات سيفضي بالضرورة إلى تعدّد في وجهات النظر، وهذه الأخيرة ازدحمت بها جنبات الرواية، وقد حدّ ذلك من مركزيّة الرؤية، وأسّست لسلسلة من الأسئلة المتنامية القادرة على إحداث فوضى لا بد منها لإعادة تشكيل الواقع بمراراته المركّبة وزيفه الطاغي، يذكر أنّ طرح آية السيابي في رواية «العنبر الخامس» لم يكن مسكونًا بمقولات النِسويّة بقدر ما كان منشغلًا بتمثيلات الخطيئة وتشكّلاتها في الذات الإنسانيّة.
شكّل السجن فضاء شديد التكثيف والخصوصية في هذه الرواية، وتتأتى رمزيّته من تشييد شكليّ يكشف جدل التناقض بين الإنسان والخطيئة. تتألف رواية «العنبر الخامس» من ثلاثين مشهدًا تحكي بسردية متناسلة متنامية واقع تسع سجينات قصصهن منفصلة في ظاهرها متحدّة في موضوعها، يوحّدها فضاء السجن والشعور بالاغتراب، وقد سُبقت المشاهد بعتبة وأُتبعت بأخرى تتضمنان كلامًا للطفل «رسول»، الابن غير الشرعي لإحدى السجينات، إذ يمثل مُخرجًا من مُخرجات الخطيئة.
برزت العتبات النصيّة بروزًا لافتًا في هذه الرواية، والعتبة أو المناصّ أو الملحق النصّي أداة مهمة من أدوات قراءة النصّ والكشف عن دلالاته، وقد ظهر السجن جليًا في عتبات الرواية؛ في الغلاف والعنوان والتصديرات، إذ مثّل انعكاسًا لأحاسيس الأصوات المتعدّدة في الرواية، وهي أصوات تخطّت انغلاق فضاء السجن إلى فضاءات لا متناهية تصنعها الذاكرة. جاءت عتبة العنوان مباشِرة في دلالتها مكشوفة في مضمونها. تشكّل العنوان على الغلاف الخارجي من خمس مفردات «العنبر الخامس في سجن النساء»، وفي الغلاف الداخلي من ست مفردات «العنبر الخامس الحياة في سجن النساء»، وهذه العتبة رغم ازدواجيّة ظهورها، إلا أنّها في الحالتين تقود إلى دلالة مباشرة لا تتحدى أفق توقع القارئ، فالعنبر هو المهجع الذي يضم عددًا من السجناء في البناء الكليّ للسجن، والسجن مؤسسة عقابية قانونية في عُرف المجتمع، ويمثل في رواية العنبر الخامس عالمها المصغّر.
اشتمل العنوان على مفردتين تحملان الدلالة ذاتها (العنبر والسجن). وقد جاء العنوان الفرعي «في سجن النساء» بمثابة تعريف توثيقيّ لموضوع الرواية يتعجل في الكشف عمّا يُفترض أن يكشفه المتن. أما الغلاف فاكتسى باللون الأخضر الفاتح وهو لون هادئ لا يتوافق مع معاني السخط والألم والفجيعة والظلمة التي ركّزت عليها الرواية. كما يُبرِز الغلاف تشكيلًا من صناعة الحاسوب يشير إلى خطوط رأسيّة ثمانية تمثل قضبان السجن، ومن خلفهما يدان ناعمتنان مبتوراتان تمسكان بالقضبان. يُظهر هذا التشكيل مبكرًا الملامح الرمزيّة للسجن.
أما العنوان الرئيس فكُتب باللون الأحمر وبخط أكبر من بقية الخطوط، في حين اشتمل الغلاف الخلفي على ثلاثة تصديرات من تأليف الروائيّة تعكس مضمونًا مكثفًا عن مغزى العمل، أهمها التصدير الذي يُعلن عن طبيعة المتن الروائي: «سُرّبت هذه الأوراق من غسق زوايا سجن عربي مجهول، تُعلن عن سجينات منسيّات، سقطت منهنَ أرديتهنّ لسبب لا نعلمه، تحاصرهن جهالة الليل، وتأسرهنّ ضغينة النهار»، مما يدل على أنّ الرواية ستعتمد على تقنية المخطوط في التواصل بين السارد والمسرود له، جدير بالذكر أنّ هذا التصدير ظهر في الصفحة التاسعة في الرواية بين المشهد الاستهلالي بصوت رسول، وقراءة المدونة.
أما العتبة الأبرز في رواية «العنبر الخامس» فهي التصديرات الداخليّة في مستهل الرواية وخاتمتها، حيث بلغت ست تصديرات توزّعت ما بين ما ألفته السيابي أو ما استعانت به، من باب الرغبة في التواصل مع نصوص سابقة على الرواية تنسجم فيما تطرحه مع مغزى «العنبر الخامس» أو نصوص حرصت السيابي على صياغتها لتقوم بوظيفة تأملية وإرشاديّة للقارئ. يتقصد التصدير الأول ص4 أن يبين حقيقة هذه العمل «هذه ليست رواية! فلست عشتارًا لأوزع الهبات وأمسكها عن عبادي... هنا جرح قد فاقني حجمًا، وأحرّره اليوم...» وهذا التصدير بصوت المؤلفة تعتذر فيه عن قلة حيلتها حيال قصص العديد من السجينات في الوطن العربي عجزت عن تقديم ما يمكن لهن فقرّرت أن توثق معاناتهن. ويستكمل التصدير الثاني هذه الرسالة بصوت المؤلفة أيضًا تحت مسمى «رجاء» والرجاء هنا خطاب توصية لهاته النساء، تنحاز فيه السيابي إلى النساء المكلومات: «أوصيكِ بنفسكِ خيرًا! فكلُّ دمعٍ لا يقطِف منكِ أسوأ ما فيك، لا يعوّلُ عليه! وكلُّ نحيبٍ لا يُقرّبُكِ من أناكِ، لا يُعوّل عليه!»، وهو خطاب مباشر يتعين في نطاق من الخصوصيّة النسويّة الذي يعيد ترميم الذات الجريحة للسجينات.
أما التصديرات الختامية فكان منها مقولة مقتبسة من الروائي الروسي دوستويفسكي يقول فيها «كنْ واثقًا بأنّك لم تولد عبثًا، وأنّ لحياتك معنى، وستعرف كيف تعيش»، وهي مقولة وجودية تنسجم مع التصديرات الاستهلاليّة التي تمنح للمرأة السجينة قيمة حياتية يمكن أن تجدّد الأمل. كما لم يفت السيابي أن تختتم بتصدير اختتامي تبرئ بها روايتها من أنّ أي تشابه في الأسماء والظروف والأحداث لم يكن مقصودًا، وهذه الإشارة رغم قصديّة تأليف العمل تحت مسمى «رواية» إلا أنه احتراز يمكن تفسيره استجابة لمتطلبات زمن الكتابة ومكانها. لقد انسجمت هاته التصديرات مع فكرة تعدّد الأصوات.
نهضت الرواية بفكرة تعدّد الأصوات نهوضًا لافتًا، فبالإضافة إلى حرصها على مدّ جسور التواصل الثقافيّ مع مقولات وعبارات تنسجم مع طرح الرواية، أظهرت حرصها على أن تمنح كل شخصية من الشخصيات النسائيّة التسع حقها في إبراز صوتها حيال مؤسسة المجتمع. تأتي أصوات الشخصيات التسع بين دفتي صوت رسول ذلك الطفل الذي أنجبته في السجن أماني الملقبة بالنوّاحة، فرسول هو عتبة الخطيئة ابتداءً وانتهاءً ومُخرج من مُخرجاتها. وأذكر في هذا السياق الفيلسوف «بول ريكور» الذي ميّز في كتابه «رمزية الشر» بين الشر بوصفه حالة وجودية والذنب بوصفه تجربة شعورية أخلاقيّة، والخطيئة بوصفها بنية رمزيّة دينيّة تؤشر إلى انكسار العلاقة مع القانون الأخلاقي، تتجاوز كونها فعلًا خاطئًا، إلى قطيعة العلاقة مع القانون بتأثير من البنية العميقة لوعي الإنسان. وتغدو في الأدب نمطًا سرديًا يؤسِّس لفعل السقوط والعقاب والتطهير وتمثيله الإخلال بالنظام القيمي في النصّ. والقصد من ذلك أن الأصوات النسائية التسعة لم تكن على قدم المساواة في استشعار الذنب من الخطيئة، فبعضهن امتهنّ الخطيئة والأخريات دُفعن إليها دفعًا.
والصوت الأبرز بين هاته الأصوات صوت «صنتوب» التي اشتغلت على توثيق حياة السجينات الأخريات ومنحهن حق الحديث وبما أنّ الصوت لن يُسمع في المجتمع، فالكتابة والتوثيق وسيلة أخرى لحفظ الحق بإيصال الصوت، تقول صنتوب: «أنا لأسرارهنّ هنا بئر تغيب فيه حكاياتهن، مختزل تمادى في عمقه حتى اختفى. يسفحن بكاءاتهن على طرف مسمعي، ويعلمن يقينًا أنّ لي أذنًا كبيرة كأذن فيل. تلتهم ما كان وما فاض من الأسرار» ص131، واللافت أن صنتوب لم تمنح السجينات حقهن في الحديث بتساوٍ، فاستأثرت لنفسها أحد عشر مشهدًا وإنّ سخرت هذه المشاهد للحديث عن قضايا الشخصيات الأخرى أكثر من حديثها عن ذاتها، ومنحت «فضيلة النعجة» ستة مشاهد، وللنواحة ثلاثة، وللكبيرة شريفة والعجوز والنغلة مشهدين لكل واحدة، وللفاجرة والكافرة والهندية ميري مشهدًا واحدًا لكل واحدة. شكّلت المشاكل الاجتماعية والأخلاقية، والديون، والتجاوزات الدينية أسبابًا لوجود كل واحدة في هذه المكان، فغاب الإحساس بالزمن، وفشا الاغتراب بينهن، وكانت كل واحدة تعاني من سجنين؛ مادي وذهني.
عند التعمّق في الطرح الذي قدمته بعض الشخصيات يمكن أن نلمس انحيازًا إلى النموذج المضاد المستحوذ على الفكرة المعادية، ليقدم فكرته، تمامًا كما انتصر نجيب محفوظ لسعيد مهران في رواية اللص والكلاب، إذ يتوجب أحيانًا منح أصحاب الخطيئة مجالًا للتعبير عن مشاعرهم وتوصيف أفعالهم، ومعرفة إدراكهم للمجتمع.
ومن الشخصيات اللائي مثلن نموذج المضاد المستحوذ شخصية «الفاجرة»، وهو لقب وُصمت به بسبب أفعالها اللأخلاقية والتي أفضت بها إلى السجن، إذ تقول مفتخرة بماضيها: «اليوم أنا سعيدة بحصيلة معارفي، ففي مفكرة هاتفي أسماء كبرى لزبائني المنتظمين... هم أنفسهم الذين يراهم الناس كل نهار أمام شاشات التلفزة وفي الصحف اليومية، ويتقنّعون بصوت المثاليّة في منصّات التواصل الاجتماعي» ص57، يضع الفيلسوف الدانماركي سورين كيركجارد الإنسان مُمارس الخطيئة في علاقة مغايرة مع ذاته أمام العالم، إذ يدرك تمامًا أنها ممارس للخطيئة وواقع فيها، ومن هذا الإدراك يعيش نوعًا آخر من القلق؛ أن يقلق من الشر، وأن يشعر بذنبه، إلا أنّ هذا القلق سيُولّد خطايا جديدة يندفع إليها الفرد اندفاع اليائس أحيانًا أو المتحدي أحيانًا أخرى، وشخصية «الفاجرة» تعيش دور التحدي في الإصرار على الخطيئة.
ومن النماذج اللائي سُجنّ لأسباب تتعلق بتجاوز تابو الدين «الكافرة» وهو لقب حازته به في السجن بسبب أفكارها التي تمسّ بعض ثوابت الدين، تقول مخاطبة صنتوب:«الفارق بين سيرة ابن هشام ... وبين وفاة الرسول يبلغ مائتي عام! هل تعتقدين يا صنتوب بأن هذه مدة بسيطة لتدوين سيرة غيرية عن النبي؟ .. خلال هذه الفترة يا صنتوب، تقوم إمبراطوريات وتسقط ممالك ودول. يجب اعتبار البعد الزمني الطويل في تدوين السيرة، والحركة النشطة للأمّة في حقبة عرفت بكثرة التشابك والاختلاط... كل ذلك أثر بشكل كبير ومباشر على مصداقية عمليات التدوين والنقل... أنا أنتقد التراث الإسلامي صنتوب. الذي وفد إلينا عبر صحيح البخاري ومسلم وتفسير الطبري. حاذري من الوقوع فيما وقع فيه الكثير، وهو تكفير كل من لم يتفق مع كل من أرادوا لنا الإيمان به!.. عزيزتي، سوف أضع أمامك المعطيات مرة أخرى وركّزي معي: قام البخاري بتأليف صحيحه في عام 870م، أي بعد مضي أكثر من مائتي عام على وفاة الرسول، وتفسير الطبري كان في عام 925م، أي بعد ثلاثة قرون من وفاة محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك، قيل عن الصحيحين أنهما أصحّ كتابين بعد كتاب اللهّ! وحتى الألباني الذي قام بتصحيح السنن الأربعة أصبحت أعماله مرجعًا أساسيًا لنا، ومنها عمل الرجل على تصميم أزياء المرأة المسلمة في كتاب له سماه حجاب المرأة المسلمة! هل فهمتِ ما قصدته؟» ص95-96. هذا الصوت يكشف علاقة صاحبته بالخطيئة، فالبعودة إلى بول ريكور في فلسفته التأويليّة المعاصرة يعتقد بأنّ الخطيئة تتجاوز كونها وصمة عار أو مجرد خطأ إلى كونها علاقة متوترة مع المقدس، فهي حالة وجودية من الضياع قبل أن تكون فعلًا أخلاقيًّا.
يرفض إيمانويل كانط في فلسفته الأخلاقية، فكرة أنّ مصدر الخطيئة عند الإنسان هي الغريزة أو الطبيعة، فالخطيئة عنده «اختيار حرّ لإرادة مخالِفة للواجب الأخلاقي»، ولا يعني ذلك أنّ الإنسان شرير بطبعه بل أن لديه «استعدادًا دائمًا لتقديم المصلحة الذاتية على القانون الأخلاقي»، ولا يجوز اعتبارها عصيانًا لأمر إلهي، إنّ الخطيئة لدى كانط تتحقق عندما يضع الإنسان ميوله ورغباته ومنفعته فوق الواجب العقلي.
لم تبرئ الرواية السجينات من خطاياهن بل حرصت على إظهار السياق الحقيقي لكل خطأ والظروف التي قادت كل واحدة لتكون في هذا المكان، والغريب أنهن لم يظهرن حرصًا على الخروج من السجن، لأنّ المجتمع سجن كبير لا تحكمه قوانين عادلة.
جرّدت آية السيابي المكان التوثيقي من أيّ علامة تكشفه وجعلته مكانًا مجردًا عامًا يتكرّر في المجتمعات العربية دون تحفظ. فالسجن هو العالم المصغّر والذاكرة عبر محكي الأقوال هي سفيرة نزيلاته إلى ما وراء القضبان، ويمثل السجن حالة انقطاع عن العالم واتصال مع الروح والذاكرة وتأمل مرهق في فعل الخطيئة. تقول إحدى السجينات: «أسمعُ فجأة جلجلة أقفال الباب الفولاذي الأصم، أنتفض في مكاني. شعرتُ بالارتياع والذعر يكتسي حتى دمي. بدأت الرعشة تنتشر في أطرافي وفي صوتي. أشعر بدقات قلبي تستنفر بجنون، أعلم تماماً أن هذا التوجّس من صوت القفل هو حدس يقين بأن ما سيأتي يفوق طاقات تحملي كلها. أصبحتُ أفهم لغة الأقفال، أستطيع التفريق بين صوتها عندما تفتح لتقديم الأكل وصوتها لخروجي من هنا إلى العنبر العام. أو صوتها عندما تفتح لنيّة خبيثة، كالتي وعدني بها النقيب السافل قبل ساعات» ص66.
تتحقق دلالات المكان عبر تقاطباته والتقاطب تلاحم بين متعارضين أو متضادين ينبني اجتماعهما عن نظام ثنائيّ مشترك من العمل والوظيفة والأداء، وقد «أظهر مفهوم التقاطب كفاءة إجرائيّة عالية عند العمل به على الفضاء الروائي المتجسّد في النصوص. وفكرة التقاطب تعين على تصنيف الأمكنة و«تبحث في شكل ثنائيات ضديّة، بحيث تعبّر عن العلاقات والتوترات بين قوى وقيم متعارضة»، تصنع توترًا جماليًا للمكان، فانغلاق السجن وضده المكان المفتوح، وظلمته وضده المكان الجلي، ووحشته وضده المكان الأنيس، وخوفه وضده المكان الآمن، ومكروهيته وضده المكان الحميمي،... كل ذلك يؤطر دلالات قطعية للمكان تنعكس على دخيلة الشخصية المتحدثة ويؤدي سرديته المنوطة به.
وختاماً، فقد دأبت الرواية العربية على توظيف السجن السياسي وتفاعلاته الحزبيّة والقمعيّة لكن رواية العنبر الخامس وظفت مظهرًا آخر للسجن هو البعد الاجتماعي لسجن النساء. وأثارت سؤالًا مفاده كيف يمكن أن يوازن الإنسان بين حريته الشخصية ومسؤولياته الأخلاقية؟ وكيف يمكن أن يستوعب ذلك العبور إلى الحدود الخفيّة التي تتبدل فيها القيم؟
جاءت رواية «العنبر الخامس» فكرة مسؤولة ومنتزعة من سياقها التاريخي، وموثقة في سياقها الموضوعي التأملي، تجدد الدور الأخلاقي للرواية، يقول فرنسوا مورياك: «إنّ على الإنسان أن يكون قديسًا، ولكنه في هذه الحالة لن يستطيع أن يكتب رواية». وأعتقد أن آية السيابي في خوضها لتجربة الكتابة في أدبيات السجن قد قطعت شوطًا مهمًا في منح الرواية العُمانية ملمحًا آخر لمسيرتها الحافلة.
أ.د. نضال الشمالي ناقد وأكاديمي من الأردن