في ذروة جائحة كورونا، وبين أسبوعين من الفراغ فرضتهما طبيعة عمله، لم يرضَ مالك الدغيشي أن يكون مجرد منتظر لانقضاء الأيام. كان يؤمن أن الوقت، مهما بدا عابرًا، يحمل فرصة كامنة لمن يحسن استثماره. ومن هنا بدأ يتشكل في ذهنه سؤال بسيط في صياغته، عميق في معناه: كيف يمكن تحويل هذا الفراغ المؤقت إلى أثرٍ باقٍ لا ينقضي؟
هكذا بدأت الحكاية... ومن هنا وُلد مشروعه "مآرڤا" لرائد الأعمال مالك الدغيشي.
في البدايات، اتجه الدغيشي إلى النحت على الخشب بأعمال كبيرة؛ طاولات وكراسٍ وأشكال منزلية. غير أن صوت المعدات الثقيلة لم يكن مرحّبًا به في الحي، فاشتكى الجيران، واضطر إلى إيقاف العمل.
كان ذلك التحدي الأول، لكنه لم يكن نهاية الطريق.عوضا أن يتراجع، بحث عن بديل تعمّق في أدوات النجارة التي تميل إلى النحت والفن، وقرر استيراد آلة متطورة لم تكن متوافرة بكثرة في سلطنة عُمان. خطوة جريئة خاصة مع ارتفاع تكلفتها واعتماده الكامل على التمويل الذاتي.
بهذه الآلة بدأ فصلًا جديدًا من رحلته؛ يخطّ الأسماء بيده، ويثبت الرسومات بعناية، ويُركّب القطع في أخشاب أخرى حتى يخرج العمل في هيئة تحفة فنية تنبض بروح صاحبها. ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد حرفة، بل تحوّل إلى فنٍ شخصي يُصمَّم لكل عميل على حدة، وتُنسَج تفاصيله بما يعكس ذوقه وقصته الخاصة.
ما يميز "مآرڤا" أن كل قطعة تحمل هوية مختلفة.
لا يكرر الدغيشي أعماله ولا ينتج نسخًا متشابهة،
يستمع إلى أفكار العملاء، ويستثمر مخيلتهم، ويحوّلها إلى عمل فني خاص لا يشبه سواه.
يحرص على اختيار ألوان الخشب الطبيعية بعناية، ويستخدم مواد طبيعية بالكامل، حتى الزيوت المستخدمة في المعالجة ذات مصادر طبيعية، ما يمنح القطعة ملمسا دافئا وأصالة واضحة.
وكانت اللغة العربية روح المشروع، حيث يعشق الدغيشي الخطوط العربية، ويحرص على إدماجها في معظم أعماله، لتصبح الحروف المنحوتة جزءا من هوية بصرية تدمج الفن بالثقافة.
لم يحظَ المشروع في بداياته بأي دعمٍ مادي، إذ انطلق بتمويلٍ ذاتي خالص، وتحمّل صاحبه تكاليف معداتٍ كان بعضها مرتفع الثمن وغير متوافر محليًا. ومع ذلك، لم تقف التحديات عائقًا أمام طموحه؛ فبإصراره وجودة أعماله استطاع أن يثبت حضوره في السوق، وأن يبني جسور تعاون مع عدد من الجهات الحكومية والمشاريع، منفّذًا لهم منتجات خاصة تعكس هويّتهم وتلبي احتياجاتهم.
ورغم أنه لم يشارك في مسابقات أو فعاليات دولية، ولم يتوَّج بجوائز رسمية، فإن جائزته الحقيقية لم تكن درعًا يُعلَّق أو شهادة تُؤطَّر، بل كانت ثقة العملاء، ورضاهم المتجدد، وتكرار طلباتهم؛ وهي شهادة صادقة على جودة عمله وأثره في نفوسهم.
في عام 2020، كانت إكس نافذته الأولى إلى الجمهور؛ هناك كان يعرض أعماله، فيتفاعل المتابعون بإعجاب، ويتحوّل التفاعل إلى طلبات شراء حقيقية. ويقول إن المتابعين كانوا الداعم الأكبر في البدايات، إذ منحوه الثقة والانتشار معًا.
ومع اتساع دائرة الاهتمام، أنشأ حسابًا خاصًا بالمشروع، لتبدأ الأعمال في “تسويق نفسها بنفسها”؛ فكل عميل ينشر تجربته، فتصل القصة إلى عميل جديد، وتتسع الدائرة بثقةٍ تنمو يومًا بعد يوم.
كما استخدم الإنستغرام لعرض صور المنتجات بطريقة احترافية مما ساهم في توسيع قاعدة المهتمين.
وأكد الدغيشي أنه يحرص على تسعير منتجاته بأسعار مناسبة، مراعيا الظروف المادية للعملاء، إيمانا منه بأن الفن يجب أن يكون في متناول الجميع، لا حكرا على فئة معينة.
لا يقف طموح "مآرڤا" عند حدود القطع الحالية يطمح مالك إلى تطوير أفكاره باستمرار، والابتكار في توظيف الخط العربي بطرق أكثر حداثة، وصناعة أعمال تحمل قيمة جمالية وثقافية في آن واحد.
قصة نجاح مالك الدغيشي هي حكاية شاب استثمر وقت الأزمات ليصنع فرصة، وحوّل ضجيج البدايات إلى هدوء فنٍ ينحت الحروف في الخشب ويترك أثره في ذاكرة كل من يقتني قطعة من «مآرڤا».