كتب الفيلسوف الألماني بيتر سلوترديك مؤخرًا، «أنهت أوروبا فترة طويلة من الغياب عن التاريخ». فقد عبرنا بالفعل عتبة حقبة قاتمة، تتسم من جديد باستعراض القوة وسياسات القوى العظمى. وفي ظل الطعن في زعامة الولايات المتحدة الدولية، بل وربما تآكلها، لم يعد النظام الدولي، الذي كان قائمًا على الحقوق والقواعد، على الرغم من نقائصه حتى في أفضل أيامه، موجودًا.

تعتبر نزعة روسيا التعديلية العنيفة ومحاولة تغيير التاريخ في حربها الوحشية ضد أوكرانيا ليست سوى التعبير الأكثر وضوحًا عن هذه الحقبة الجديدة. وفي الوقت نفسه، تسعى الصين بدورها إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى، ودأبت لعقود، بصبر استراتيجي، على وضع أسس نفوذها على الشؤون العالمية. تعمل الصين بشكل منهجي على بناء علاقات تبعية، وتعيد تفسير النظام الدولي. في المستقبل القريب، قد يصبح جيشها على قدم المساواة مع الجيش الأمريكي.

وإذا كان هناك زمنٌ سادت فيه الهيمنة الأحادية بعد سقوط جدار برلين، فقد انتهى منذ وقت طويل. لا يمكن تفسير عودة سياسات القوة بالتنافس بين القوى الكبرى فحسب. تعكس هذه الديناميكية الجديدة أيضًا الاضطرابات القوية داخل المجتمعات حيث تقود التقنيات الحديثة تغييرات جذرية. ومع وصول الدول الديمقراطية إلى حدود قدرتها على الفعل، تتزايد الرغبة لوجود قيادة قوية.

ويبدو أن سياسات القوى العظمى تقدم حلولًا مباشرة وبسيطة لهذه المشاكل، على الأقل بالنسبة للقوى العظمى، وعلى الأقل في الوقت الراهن. هذه السياسات تمتاز بأنها سريعة، وحاسمة، وغير متوقعة، لكنها أيضًا سياسات «صفرية» (يربح فيها طرف على حساب خسارة الآخر). لا تقوم هذه الأنظمة على الاعتقاد بأن زيادة الترابط بين الدول تنتج نظامًا سلميًا وقانونيًا يعود بالنفع على الجميع، بل تستغل تبعية الآخرين وتستفيد منها عند الضرورة، وهكذا، تصبح المواد الخام والتقنيات وسلاسل التوريد أدواتٍ للقوة والضغط.

ما نشهده اليوم هو صراعٌ على مناطق النفوذ والتبعيات والولاءات.

وإدراكًا منها لحاجتها إلى اللحاق بركب الصين، تتكيف الولايات المتحدة مع هذه الديناميكية الجديدة بوتيرة متسارعة. وفي السياسات التي تتبناها، ولا سيما استراتيجيتها للأمن القومي، تستخلص واشنطن استنتاجات جذرية، وتفعل ذلك بطريقة تسرع هذه اللعبة الخطيرة بدلًا من إبطائها.

تستعد ألمانيا أيضًا لهذه الحقبة الجديدة. مهمتنا الأولى هي الاعتراف بالواقع الجديد، لكن هذا لا يعني قبوله كقدرٍ محتوم. لسنا تحت رحمة هذا العالم، بل بإمكاننا تشكيله. نستطيع أن نحافظ على مصالحنا وقيمنا إذا تصرفنا بحزم، بتناغم أوروبي، وثقةً في قوتنا وقوة العلاقات عبر الأطلسية.

تهدف السياسة الخارجية والأمنية الألمانية إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الحرية، والأمن، والقوة. وتأتي الحرية في المقام الأول، وأمننا يحميها، وقوتنا الاقتصادية تدعم ازدهارها. يفرض دستور ألمانيا وتاريخها وجغرافيتها أن تكون سياستها راسخة في أوروبا موحدة، وهو أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في العقود الأخيرة، اعتمدت ألمانيا على قوتها لإدانة انتهاكات النظام الدولي في جميع أنحاء العالم. وفي مواجهة هذه الانتهاكات، حذّرت وأبدت قلقها ووبخت.

فعلت ذلك بحسن نية، لكنها أغفلت حقيقة أنها تفتقر إلى الوسائل اللازمة لمعالجة تلك الأوضاع. اتسعت هذه الفجوة بين تطلعات ألمانيا وقدراتها بشكل كبير، وحان الوقت لسد هذه الفجوة، والارتقاء إلى مستوى الواقع. على سبيل المثال، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا حوالي 2.5 تريليون دولار، أما الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي فهو أعلى بعشرة أضعاف تقريبًا.

ومع ذلك، فإن أوروبا اليوم ليست أقوى بعشرة أضعاف من روسيا. للاستفادة من إمكاناتنا الهائلة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، نحتاج أولاً إلى تغيير جذري في طريقة تفكيرنا. يجب أن ندرك أنه في هذا العصر الذي تسوده سياسات القوى العظمى، لم تعد حريتنا أمرًا مفروغًا منه، والحفاظ عليها يتطلب عزيمة، ويجب أن نكون مستعدين للتغيير والعمل الجاد

لأسباب تاريخية، لا يستهين الألمان بممارسة سلطة الدولة. منذ عام 1945، ارتكز تفكيرنا بقوة على احتواء السلطة، وليس على تكديسها. لكن اليوم، يجب علينا تحديث هذا المنظور. يجب علينا أيضًا أن ندرك أن ضعف السلطة يؤدي إلى النتيجة نفسها. في عصر القوى العظمى، لا يمكن لألمانيا أن تكتفي بالرد على كل خطوة تقدم عليها قوة عظمى، كما لا يمكنها أن تمارس سياسة القوة في أوروبا. تحتاج إلى قيادة من خلال الشراكة، لا إلى أوهام الهيمنة.

في الواقع، أفضل طريقة للدفاع عن حريتنا هي مع جيراننا وحلفائنا وشركائنا، بالاستناد إلى قوتنا وقدرتنا على التضامن. وانطلاقًا من مكانتها الراسخة في أوروبا، يجب على ألمانيا أن ترسم مسارها الخاص وتضع أجندتها الخاصة بالحرية. على الرغم من أن أجزاء من هذه الأجندة لا تزال قيد التشكيل، إلا أنه بدأ تنفيذها بالفعل.

أولًا، نعمل على تعزيز قدراتنا العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتقليل اعتمادنا على الآخرين. وتتمثل أولويتنا القصوى في تعزيز الدور الأوروبي داخل حلف الناتو. ففي قمة الناتو التي عقدت في لاهاي في يونيو 2025، التزم جميع الحلفاء باستثمار 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي في الأمن. عدلت ألمانيا دستورها لتمكين ذلك، وستنفق ألمانيا وحدها مئات المليارات من اليورو على الدفاع في السنوات القادمة. ومع أوروبا، دعمت ألمانيا أوكرانيا دبلوماسيًا وماليًا وعسكريًا في مقاومتها الباسلة للإمبريالية الروسية. وفي هذا السياق، تكبدنا موسكو خسائر وتكاليف غير مسبوقة. ففي عام 2025، قدم حلفاء الناتو الأوروبيون وكندا ما يقارب 40 مليار دولار كمساعدات أمنية لأوكرانيا بعد أن خفضت الولايات المتحدة مساهمتها بشكل كبير. وكانت ألمانيا أكبر مانح في عام 2025، وزاد دعمها في عام 2026. وإذا وافقت روسيا أخيرًا على السلام، فسيكون للقيادة الألمانية والأوروبية في هذا الصدد دورٌ حاسم.

تعيد ألمانيا من جانبها إحياء صناعتها الدفاعية، بإطلاق مشاريع كبرى للمشتريات التقليدية في مجالات الدفاع الجوي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية. كما تشيد مصانع جديدة، وتوفر فرص عمل، وتطور تقنيات حديثة. ويجري العمل على إصلاح نظام الخدمة العسكرية، بهدف جعل الجيش الألماني (البوندسفير) أقوى جيش تقليدي في أوروبا، قادرًا على الصمود عند الحاجة. كذلك تعزز برلين الجناح الشرقي لحلف الناتو عبر نشر لواء في ليتوانيا لردع أي عدوان روسي، مع تكثيف الجهود لتأمين أقصى شمال القطب الشمالي.

وبالتوازي، تعمل ألمانيا على تعزيز مرونة اقتصادها ومجتمعها، من خلال سن قوانين جديدة لحماية الشبكات والبنية التحتية الحيوية من الهجمات الهجينة، وإنشاء سلاسل إمداد تقلل الاعتماد الأحادي على المواد الخام والمنتجات والتقنيات الأساسية. وتسعى إلى تعزيز قدرتها التنافسية عبر دفع الابتكار في تقنيات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب حماية نظامها الديمقراطي من التهديدات الداخلية والخارجية، بما في ذلك تقوية جهاز المخابرات الفيدرالي.

تعمل ألمانيا أيضًا على تعزيز أوروبا. توحيد السيادة الأوروبية ودعمها هو أفضل استجابة لهذه الحقبة الجديدة، وهو واجبنا الأسمى اليوم. ولتحقيق ذلك، يجب أن نركز على الأساسيات: الحفاظ على الحرية والأمن والقدرة التنافسية الأوروبية وتعزيزها. يجب علينا كبح جماح البيروقراطية واللوائح الأوروبية. يجب ألا تقيدنا معايير أوروبا في المنافسة العالمية، بل يجب أن تحفز الابتكار وريادة الأعمال، وتشجع الاستثمار، وتكافئ الإبداع. يجب ألا تنكفئ أوروبا على نفسها بتجنب المخاطر، بل أن تنفتح على الفرص الجديدة، وتصبح فاعلًا سياسيًا عالميًا بسياسة أمنية خاصة بها.

في إطار هذا الجهد، دخلنا في محادثات سرية مع فرنسا حول الردع النووي في أوروبا. بوصلتنا هنا واضحة: هذا المسعى مندمج تمامًا في أطر المشاركة النووية لحلف الناتو. ستواصل ألمانيا الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمنية متباينة في أوروبا. ونأمل في الاتفاق على الخطوات العملية الأولى هذا العام. في الوقت نفسه، يجب على صناعة الدفاع الأوروبية توحيد أنظمة الأسلحة وتوسيع نطاقها وتبسيطها لتصبح أسرع وأقل تكلفة وأكثر تنافسية.

سيفتح هذا التوحد أوروبا أمام شركاء استراتيجيين جدد، بما في ذلك في مجال التجارة. وكخطوة أولى، وقعنا اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور)، وسنطبقها مؤقتًا بأسرع وقت ممكن.

كما تفاوضنا ونسعى حاليًا لإبرام اتفاقية تجارة حرة مع الهند، وسيتبع ذلك المزيد من الاتفاقيات.

دبلوماسيًا، نسعى جاهدين لتحقيق التوازن في أوروبا، وهو جهد يتجلى في عملنا من أجل السلام في أوكرانيا. وحيثما يتطلب الأمر مرونة، نتقدم ضمن مجموعات صغيرة، مثل مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة)، وكذلك مع إيطاليا وبولندا اللتين تضطلعان بدور أكبر كفاعلتين مؤثرتين في أوروبا. ندرك أن نجاحنا على المدى الطويل يعتمد على إشراك الأوروبيين الآخرين معنا. بالنسبة للألمان، لا مفر من ذلك، ألمانيا في قلب أوروبا، إذا تمزقت أوروبا، فسنتمزق نحن أيضًا.

تواجه أوروبا تحديًا يتمثل في تسارع التحولات العالمية بما يفوق قدرتها على الاستعداد، إلا أن الدعوات لقطع الشراكة مع الولايات المتحدة لا تبدو حكيمة في ظل الواقع الجيوسياسي، خصوصًا مع توتر الجوار مع روسيا والإمكانات المتبقية في العلاقة عبر الأطلسي. لذلك تسعى ألمانيا إلى صياغة شراكة جديدة مع واشنطن، رغم وجود شرخ واضح بين الجانبين. فالحرب الثقافية لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» ليست حرب أوروبا، التي تتمسك بالتجارة الحرة، والالتزام باتفاقيات المناخ، ودعم منظمة الصحة العالمية، إيمانًا بضرورة التعاون لمواجهة التحديات العالمية.

تراجعت مصداقية الشراكة عبر الأطلسي، ما يستدعي إعادة بنائها على أساس إدراك متبادل بأن أوروبا والولايات المتحدة أقوى معًا. فعضوية الناتو ميزة تنافسية للطرفين، وحتى واشنطن تحتاج إلى شركاء موثوقين. لذا ينبغي ترميم الثقة، مع اضطلاع أوروبا بدور أكبر. فبينما تعتمد الأنظمة الاستبدادية على الأتباع، تعتمد الديمقراطيات على الحلفاء. وتعترف أوروبا بأن اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة كان خيارًا ذاتيًا، وتسعى اليوم لتجاوزه عبر بناء ركن أوروبي قوي داخل الناتو، لا بالانسحاب منه. هذا المسار يظل صائبًا سواء ابتعدت واشنطن أم لا، وهو أساس لشراكة متجددة تقوم على القوة والاحترام المتبادل، رغم احتمال تزايد الخلافات والنقاشات حول المسار المشترك.

أخيرًا، تسعى ألمانيا إلى توسيع شبكة شراكاتها عالميًا، إدراكًا منها أن التكامل الأوروبي والعلاقة عبر الأطلسي لم يعودا كافيين وحدهما لصون حريتها. فالشراكات درجات، ولا تتطلب تطابقًا كاملًا في القيم، بل تقاطعًا في المصالح الأساسية. لذا تنفتح برلين على قوى محورية مثل اليابان وكندا وتركيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ودول الخليج، بهدف تقليل الاعتماد الأحادي، وفتح آفاق جديدة، وترسيخ نظام دولي قائم على الاتفاقيات وحل النزاعات سلميًا.

في الوقت نفسه، تعمل ألمانيا على تحديث علاقتها مع الصين، رافضة خيار فك الارتباط، لكنها تتجه نحو إدارة أكثر حذرًا تقوم على تقليل المخاطر، وخفض الاعتماد، وضمان منافسة عادلة، ضمن نهج أوروبي أكثر توحّدًا.

وتنطلق في ذلك من قناعة تاريخية بأن عالمًا تحكمه القوة وحدها يقود إلى العتمة، وهو درب اختبرته ألمانيا في القرن العشرين. اليوم، تتمسك ألمانيا بجذورها في الاتحاد الأوروبي والناتو وشبكة شراكاتها المتنامية، مؤمنة بأن الشراكة القائمة على القيم والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل تظل الأساس لترجمة هذا الإرث إلى واقع العصر الجديد.