ترجمة أحمد شافعي

من العقبات التي تحول دون فهم السبب الدقيق للافتتان الغريب لدى بعض أقسام الحكم الأمريكي بـ «الظواهر الجوية المجهولة» و«الذكاء غير البشري» ـ أي الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية بعبارة أخرى بسيطة وشائعة ـ أن ثمة حرجًا صحفيًا يصاحب السؤال المباشر عن هذا الموضوع.

فما لم يكن الصحفيون منخرطين في الموضوع تمامًا بحيث لا يبالون مطلقًا بالاحترام، فإنه يصعب عليهم التعامل مع الأمر بوصفه مسألة ملحة، أو قضية يحق لهم بشكل مشروع (بدلا من الغمز واللمز) أن يطالبوا فيها بإجابات واضحة بمثل ما يفعلون بشأن الضربات الإيرانية أو سياسة الهجرة أو حتى قضية جيفري إبستين.

لكن انظروا إلى ما أحدثته بضعة أسئلة مباشرة؛ في الأسبوع الماضي وجه أحد مستعملي يوتيوب ومقدمي البودكاست ويدعى بريان تايلر كوهين أسئلة لباراك أوباما حول الكائنات الفضائية، فأشار الرئيس السابق إلى أنها موجودة، نافيًا أي معرفة شخصية بأسرار فضائية.

وأفضى هذا إلى إيضاح لاحق من أوباما مفاده أن كل ما كان يقصده هو أن الكائنات الفضائية موجودة على سبيل الاحتمال في مكان ما. (وإنه لكون كبير!)

لكن قطع الدومينو تحركت؛ ففي مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، سئلت كارولين ليفيت عن شائعات تتردد على الإنترنت بأن لدى دونالد ترامب خطابًا متعلقًا بالكائنات الفضائية جاهزًا للإلقاء (فأنكرت معرفتها بذلك).

ثم وجه بيتر دوسي من قناة فوكس نيوز سؤالا لترامب نفسه عن تصريحات أوباما بشأن الكائنات الفضائية، فأدى ذلك إلى زعم غريب بأن الرئيس السابق قد أفشى معلومات سرية ثم أفضى عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعهد ترامبي برفع السرية عن أي شيء يتصل بـ»تلك الأمور شديدة التعقيد، بالغة الأهمية، شديدة الإثارة».

وأراهن أن هذا الكشف المزعوم لن يطرح أكثر من فيض من المثيرات المنقحة بشدة. لكن الآن وقد بدأت فيالق الصحفيين الإحماء بشأن الأمر، يجدر بنا أن نطرح الأسئلة الواقعية التي قد يساعد رفع السرية في الإجابة عنها ويمكن الضغط بها على مسئولي الإدارة ضغطا منطقيا.

أولا: هل لدى جيش الولايات المتحدة صور جوية سرية من قبيل أفلام الفيديو التي التقطتها طائرات تابعة للبحرية الأمريكية ونشرتها صحيفة نيويورك تايمز في عام 2017، مطلقة بذلك الاهتمام الشديد في عصرنا الراهن بالمركبات الغريبة في السماء والبحر؟ ولو أن الأمر كذلك، فكم لدى الجيش بالضبط من هذه المواد المصورة؟ وهل الحكومة اليوم أكثر اقتناعا من ذي قبل بمحاولات الدحض وتفسيرات هذه الأمور الغامضة بأنها محض أوهام بصرية؟ أم أنه لا يزال الاعتقاد سائدا بأنها تقدم دليلا على «تقنيات لا نمتلكها ولسنا بصراحة قادرين على الدفاع عن أنفسنا في مواجهتها» مثلما قال مدير المخابرات الوطنية السابق ومدير لوكالة المخابرات المركزية (سي آي آيه) الحالي جون راتكليف في حوار صحفي سنة 2021؟

ثانيا، لماذا قدم الأمن الوطني تيارًا ثابتًا من المبلغين المزعومين الذين قالوا إنهم صادفوا نوعًا من «البرنامج القديم» السري المخصص للاتصال مع ذكاء غير بشري؟ هل هؤلاء الأشخاص كاذبون؟ هل يخدعون أنفسهم، ربما عبر نوع من سوء الفهم لبرامج سرية طبيعية؟ هل هذا كله محض تداول لشائعات مرتبطة بقائد الأغلبية السابق في مجلس الشيوخ هارد ريد وتكوينه لمجموعة سرية لدراسة الأطباق الطائرة داخل البنتاجون؟ هل يحتمل وجود جهاز حكومي دائم للمعلومات المضللة يشجع الاعتقادات الزائفة المرتبطة بالأطباق الطائرة لدى المسئولين الحكوميين؟ ولو أن الأمر كذلك، فهل هذا جزء من الجهد المستمر لخداع الرأي العام أيضا؟

ثالثا، لماذا دأب أعضاء مرموقون في مجلس الشيوخ الأمريكي بقيادة زعيم الأقلية تشاك شومر والنائب الجمهوري عن ساوث داكوتا مايك راوندز على التصرف مرارا، والحديث في بعض الأحيان، بما يوحي بأنهما يعتقدان بأن أجهزة الأمن الوطني تخفي معلومات أو مواد متعلقة بهذا الموضوع ولا تتيحها لمسئولين منتخبين؟ وما الدافع الملموس للإجراء الذي يشجع على الكشف عن «الظواهر الجوية المجهولة» والذي طرحه راوندز وشومر مرارًا دونما نجاح حتى الآن؟ لماذا وقف راوندز في قاعة مجلس الشيوح وأبدى اهتماما بإمكانية وجود «مواد جوية مجهولة أو بقايا حيوية» في أيدي كيانات في القطاع الخاص؟

رابعا، هل هناك حقيقة في المزاعم التي تذهب إلى أن وكالات حكومية أو مسئولين حكوميين على اتصال بأشخاص يصفون أنفسهم بأنهم تعرضوا لتجارب مع الأطباق الطائرة أو يتابعون مواضيع أخرى متعلقة بالظواهر الخارقة؟ هل لا تزال أبحاث فترة الحرب الباردة في مجتمع المخابرات مستمرة في ما يتعلق بالأجسام الخارقة؟ ولو أن الأمر كذلك، فما الذي يفسر هذا أو يبرره؟

خامسا، ما علاقة هذا كله بروايات النفيليم في سفر التكوين و«المشاهدين» في سفر إينوخ المنحول؟ أو بـ... ما علينا، لعل ما لدي لا يعدو أربعة أسئلة فقط قائمة على الواقع.

لكن الأربعة تكفي لوضع معيار منطقي لأي كشف من إدارة ترامب.

فإن هي أجابت بعضًا فقط من هذه الأسئلة على نحو منطقي وواضح، ستكون قد قدمت خدمة للرأي العام، حتى لو لم تشبع فضول أصحاب النظريات جميعا، وحتى لو بقيت تفاصيل كثيرة سرية أو غارقة في غموض الدولة العميقة. (ولسوف يرضيني على المستوى الشخصي أن أركز انتباهي على الذكاء غير البشري واحتمال ظهوره من وادي السيليكون لا من السماء أو البحر).

أما إذا لم تستطع أو لم ترغب في إجابة أي من هذه الأسئلة، فغاية ما سوف تفعله هو أن تقوي الإحساس بأن أقسامًا في حكومتنا، لسبب ما غير معلوم، شديدة السعادة بتشجيع الأمريكيين على التيه في هذا الضباب الغريب المريب.

روث داوثات من كتاب أعمدة الرأي في صحيفة ذي نيويورك تايمز منذ عام 2009