من أنماط التأليف العماني، الشعر التعليمي والنظم العلمي، ونعني بالشعر التعليميّ وهو الشعر الذي يتمّ بواستطه عرض علم من العلوم عن طريق النظم الشعريّ، وبتعبير آخر هو النظم الذي يشتمل علی المضامين الأخلاقيّة، أو الدينيّة، أو الفلسفيّة، أو التاريخيّة أو التعليميّة عموماً، فهو ذو قالب شعريّ ومضمون علميّ، ورغم ذلك تحضر فيه بعض عناصر الشاعرية مثل المشاعر والذاتية، فهو ليس شعراً خالصاً، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يجاري العلم في دقته وشموله.
أما النظم العلمي فهي عرض للمعارف العلمية في قالب شعري، لكنه يفتقر إلى الشاعرية والمشاعر وإلى الذاتية، ويسمّى -أحيانا- بالمنظومات التعليميّة.
وظهر هذا الفن حين فَطِنَ مُصَنِّفُو العلومِ إلى أنه بالإمكان توظيفُ نظمِ الشعر وإيقاعاته في صياغة منظومات علميّة تُسهم في تسهيل العلوم وحفظها. وهذا الفن عظيم الفائدة وشديد الدلالة على الحال العلميّة للعصور الماضية، وهو ظاهرة تربويّة وعلميّة وحضاريّة وأدبيّة كان لها حضورها الواسع، خاصّة أنّ المناهج التقليديّة في المساجد والكتاتيب كانت عصب الحياة العلميّة، وهي تعتمد بشكلٍ واضحٍ على المتون العلميّة الفقهيّة واللغويّة والتاريخيّة والعقديّة والعلميّة.
(2)
يقول هلال الحجريّ في مقدمة كتابه (حداثة الأسلاف(: "ليس من باب المبالغة إذا ذهبنا الى أنّ ديوان الشعر العمانيّ يمثّل ثلث ديوان الشعر العربيّ القديم، وأنّه ظل مغموراً ومطويّاً حتى عن معظم أهله وذويه. فمن حيث الكم يشكل النظم -بمعناه الذي يقابل النثر-لغة تكاد أن تكون أشيع وسيلة للخطاب بين الناس، حتى لقد قالوا "خلف كل صخرة عمانيّة شاعر"، وهذه الجملة وإن كان من الصعب هضمها فنيّاً لحساسيّة كلمة "شعر" ومسؤوليتها الفنيّة وعدم مجانيتها، إلا أنّها مؤشر قوي الى العدد الهائل ممّن يتعاطون الشعر -بمفهومه التقليديّ-في عُمان. واليوم يدرك المثقفون العمانيّون جيداً أنّ هناك فجوة عميقة بين جيل الشباب من المثقّفين وموروثهم الشعريّ والأدبيّ، وذلك إمّا لتورّط بعضهم في المفهوم القاصر والأبله "للحداثة" من حيث الاكتفاء بثقافة الصحف والمجلّات والمقاهي ونحوها، وتصعير الخد لكل موروث وان كان إبداعاً أصيلاً، وإمّا لانطلاق بعضهم من أصول عرقيّة لا أحد يعرف مداها".
والذي ينظر إلى كلام الحجريّ الآنف يظن أنّ الرجل يبالغ في جعل الشعر العمانيّ ثلث ديوان الشعر العربيّ القديم، وفق مفهوم الشعر التقليديّ عند العمانيين –الذي يشمل النظم العلميّ- غير أنّ الكم الهائل من المنظومات العلميّة هو الذي دفعه إلى هذا القول، بل أصبح النظم هو وسيلة التدوين الأولى في معظم المجالات، فعندما قام السلطان برغش بن سعيد برحلة في أوربا فإنّ كاتبه زاهر بن سعيد تولّى صياغة الرحلة شعراً في كتابه (تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار)، وقبل ذلك سجل الملاّح العماني المشهور أحمد بن ماجد معلوماته القيّمة في علوم البحار في شكل أراجيز، أمّا علوم الفقه وما يتصل بها فيشيع فيها المنظومات إلى حدٍّ بعيد، وكتبها تحظى بالنصيب الأكبر من المخطوطات العمانيّة. بل وصل الأمر إلى أن تنظم الأسئلة إلى المختصّين في كل مجال، فيجيب المختص نظماً كذلك، ويكون السؤال والجواب على نفس الوزن والقافية وهذا النوع من الأسئلة والأجوبة شديد الشيوع في عُمان في كل العصور حتى عصرنا الحاضر، ومن يتابع كتاباً مثل (شقائق النعمان) يجد أسئلة من ذلك اللون تتكرر على ألسنة جميع الشعراء، بل إنّ السؤال كثيراً ما يتحوّل إلى "لغز" لكي يمتحن فيه قدرة المتلقّي على معرفة دقائق العلم وغرائبه من ناحية، ودروب الكلام من ناحية ثانية، وتكون عدم القدرة على الإجابة شهادة ضمنيّة لناظم السؤال بطول باعه وأحقيّته في مجال العلم وربّما في مجالات أخرى.
ونظراً لخطورة النظم وشيوعه في عُمان وتفضيل العمانيين له، نجد أنّه كان الوسيلة المثلى للترويج لأيّة فكرة، ولو كانت شاذة على المجتمع، فيروي نور الدين السالميّ في كتابه (تحفة الأعيان) قصة عن مدى خطورة الذين يتلاعبون بقدرتهم على النظم في تغرير الناس، وهو يورد رسالة كتبها أحد أئمة اليعاربة بنفسه وهو السلطان بلعرب بن سلطان (ت1104ه) إلى أحد العلماء ينبهه فيها إلى أنّ "رجلاً من مخالفينا جاء إلى الصير، وصار له شأن عظيم، وصار له مجلس يجتمع فيه مئة رجل فصاعداً من قومنا، وصار متطاولاً تيّهاً بذيله على ديننا، ويفتي في الأثر نظماً ونثراً، ويمتحن أصحابنا بمسائل، وأرسلوا لنا مسألة في بعض امتحانه لهم وطالب جوابها، والمسألة في هذه شعراً"، ثم يورد مسألة منظومة حول بعض مسائل الميراث يتلاعب فيها صاحبها بالألفاظ، ويعلّق عليها الشيخ بما يبيّن وجه الصواب".
(3)
ازدهر الشعر التعليميّ في عمان تلبية لحاجات كثيرة أهمها:
أولاً: الحاجة التربوية والتعليميّة: ويمكن تلمّس هذه الحاجة في أمرين: أولهما حاجة المدارس التقليديّة العمانيّة إلى مناهج. أعني المدارس التقليدية في الحارات والقرى العمانية، وكذلك المدارس العلمية التي ذكرنا بعضا منها سابقا، فقد رأى المربّون والعلماء أنّ تأطير العلوم بالشعر يسهّل على المتلقّي أبحاث هذه العلوم، نظراً لما تشتمل عليه العلوم من جمود وجفوة وشدّة، فكان القالب الشعريّ مدخلاً مناسباً جميلاً لهذه العلوم، كما أنّه كان مجالاً لتعليم اللغة من خلال الألفاظ والمرادفات والمصطلحات التي يشتمل عليها النظم. ممّا أدّى إلى كثرة الطلب على هذه المنظومات، ولهذا وضعتْ هذه المنظومات وفق مستويات تراعي أحوال المتعلّمين ومقدراتهم. والأمر الثاني حاجة العالم لها في تنظيم الحلقات العلميّة التي غالباً ما تعقد في المجالس أو بيوت أحد العلماء، بل أصبحت المساجد بمثابة معاهد تعقد فيها دروس الفقه والعقيدة والمنطق والفلك والأدب والتاريخ، وغالباً ما يعتمد على متن منظوم، لأنّ كثيراً من الناس لا تقرأ، ويلذ لها السماع النظميّ ثم الحفظ. فيقرأ المتن أندى الحضور صوتاً بينما يقوم الشيخ بالتعليق والشرح الخفيف. وأحياناً يحبّذون قراءة كتب الفتاوى النظميّة، سؤال منظوم ويكون الجواب على نفس الوزن والقافية، وتتميز الأسئلة بالطرافة وإعمال العقل وتنوّع الأغراض، كما تتنوّع القافية والأوزان، وهنا يأخذ المتلقّي زاداً لغويّاً وتاريخيّاً وعلميّاً ومعرفة بأعلام العصر.
ثانياً: الحاجة الوطنيّة: حيث ارتكزتّ هذه المنظومات في جانبها الدينيّ على المذهب الإباضيّ، الذي شكّل بعده الفكريّ التابعيّ العمانيّ الجليل جابر بن زيد (ت93ه)، واحتضنه العمانيون في بعده السياسي، ليكوّنوا به نظامهم السياسيّ الإمامة، التي استندت على البعد الوطنيّ في محافظة العمانيين على استقلال بلدهم، ولهذا جاءت المنظومات التاريخيّة مستعرضة تاريخ عمان باعتباره البلد المستقلّ الذي يرفض أيّة هيمنة.
ثالثا: حاجة المجالس والاستفادة منها: فقد شكّلت المجالس علامة بارزة في المجتمع قديماً وحديثاً، وكثرة هذه المجالس العامّة والخاصّة، كان لها أثرها في شيوع المنظومات، فالعادة أنّ ما يُقرأ في هذه المجالس أكثره نظم، فمن خلاله يتمّ تقديم المعلومة في قالب موسيقيّ جميل. بل هناك منظومات أو كتب وُضعت خصيصاً لتلبية حاجة المجالس مثل كتاب (بهجة المجالس) لخلفان بن جميل السيابيّ، الذي ألّفه من خلاصة تجربته العلمية مع المجالس. كما شاع في هذه المجالس فن الأسئلة والأجوبة النظمّية التي تربط بين الفقه والأدب، ففي الوقت الذي يتعلّم فيه طالب العلم أمور الدين، يهذّب نفسه باللغة ويطوّع لسانه لمختلف فنونها وينمّي ذوقه اللغويّ والأدبيّ.
رابعا: حاجة المدارس العلميّة: وذلك لتعدد المدارس العلميّة في عمان، وتعدد اتّجاهاتها التي تتطلب إيجاد مناهج خاصّة لكل مدرسة، وقد ذكرنا سابقا بعض تلك المدارس ومنها: الجابرية والرستاقية والنزوانية والشقصية والبونبهانية والسالمية.
سادساً: الحاجة لحفظ العلوم والتراث، فقد تعرّضت عُمان إلى فتن ومعارك واضطرابات كثيرة نتيجة كثرة الأعداء من أمويين وعباسيين وخوارج وفرس وأوربيين، ممّا جعل المكتبات العمانيّة في نزوى والرستاق وغيرهما من الحواضر العمانيّة عرضة للحرق والنهب على يد الأعداء، وتطلّب ذلك إيجاد البدائل، فكانت المنظومات الأكثر قدرة لسد النقص، لأنّها أكثر إيجازاً في التأليف، والأكثر قدرة على الانتشار والحفظ.