استطلاع - ليلى الحسني 

تحتفل سلطنة عُمان ممثلة بوزارة التعليم غدًا بيوم المعلم العُماني الذي يوافق الرابع والعشرين من شهر فبراير من كل عام، حيث يشكل الاحتفاء بهذه المناسبة سنوياً محطة تقدير واعتراف بدور المعلم المحوري في بناء الأجيال وصناعة المستقبل وهي فرصة لتسليط الضوء على رسالته السامية التي تتجاوز حدود الصف الدراسي إلى التأثير في المجتمع بأسره.
ويؤكد معلمون أن هذه المناسبة تمثل وقفة وفاء لعطاء ممتد وتذكيرًا بأهمية غرس قيم المسؤولية وتعزيز الانتماء الوطني بما يسهم في خلق بيئة تعليمية مثمرة قوامها العلم والأخلاق.
«عُمان» التقت بعدد من المعلمين للحديث عن أهمية يوم المعلم العُماني وما يمثله لهم، إضافة إلى استعراض أبرز مقومات المعلم الناجح في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم.
حيث قال خالد السيابي معلم لغة عربية بمدرسة سهيل بن عمرو العامري: إن يوم المعلم ليس تاريخًا عابرًا في الروزنامة، بل هو وقفة وفاء تُجدّد العهد بين الرسالة وحاملها، وتُرسّخ في النفس قناعة بأن الكلمة الصادقة قادرة على بناء أمة، وأن القلم حين يلامس السبورة إنما يخط مستقبلًا.
وأوضح السيابي أن من أبرز مهارات المعلم الناجح قدرته على إحياء المعنى في نفوس طلبته، وتحويل المعلومة من حروف جامدة إلى تجربة حية نابضة، مشيرًا إلى أن المعلم المتميز هو من يجعل من الدرس حوارًا، ومن الفكرة نورًا يهدي العقول.
وبيّن أن البلاغة لا تكمن في فصاحة اللسان فحسب، بل في فقه القلوب، والقدرة على الإصغاء الجيد، واستنطاق الطاقات الكامنة لدى كل طالب، مؤكدًا أن المعلم الحق هو من يُحسن السؤال كما يُحسن الجواب، ويزرع الثقة كما يزرع المعرفة.
وأشار إلى أنه يحرص قبل كل شيء على غرس قيمة الأمانة في نفوس الطلبة؛ أمانة الكلمة، وأمانة العلم، وأمانة السلوك، مبينًا أن العلم ليس زينة تُتلى، بل مسؤولية تُؤدّى، وأن الصدق هو أساس بناء الشخصية وعماد الإنسانية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن استقامة الخلق هي الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة، فإذا ترسخت القيم أزهرت العقول، وأصبح الطالب لبنة صالحة في بناء وطنه وأمته.
من جهتها قالت وفاء بنت مسلم المحرزي معلمة صعوبات تعلم (لغة عربية) بمدرسة نجية بنت عامر الحجرية (5–7)، إنها تعمل في مجال تقديم الدعم التعليمي لطلبة صعوبات التعلم منذ عام 2011م، انطلاقًا من إيمانها العميق بأن التعليم وسيلة حقيقية لتغيير حياة الأفراد وتمكينهم.
وأضافت: «أحرص على توفير بيئة تعليمية محفزة تشجع على الإبداع وتنمّي مهارات التفكير النقدي لدى الطالبات، بما يتناسب مع قدراتهن واحتياجاتهن التعليمية». وأشارت إلى أن الاحتفال بيوم المعلم يمثل فرصة لتقدير الجهود الكبيرة التي يبذلها المعلمون في توجيه الطلبة وبناء مستقبلهم، مؤكدة أنه يوم للاحتفاء بالمعرفة والتعلم، وتسليط الضوء على الدور المحوري للمعلم في تشكيل القيم والمبادئ التي تعين الطلبة في حياتهم العملية والشخصية.
وأكدت المحرزي أن أهم مهارة ينبغي أن يمتلكها المعلم الناجح هي مهارة التواصل الفعّال، موضحة أن القدرة على إيصال المعلومة بوضوح، وفهم احتياجات الطلبة، وبناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، تعد عناصر أساسية في إيجاد بيئة تعليمية مثمرة. كما أن التواصل الجيد يمكّن المعلم من تقديم المحتوى بطرق متنوعة تراعي أنماط التعلم المختلفة وتحقق الاستفادة القصوى لكل طالبة.
وأضافت أنها تحرص على غرس قيمة الاحترام في نفوس طالباتها، لما لهذه القيمة من أثر مباشر في تعزيز روح التعاون وتقبّل الاختلاف، مشيرة إلى أن ترسيخ الاحترام داخل الصف يسهم في بناء بيئة تعليمية إيجابية، ويهيئ الطالبات ليكنّ عناصر فاعلة في مجتمع أكثر تماسكًا وتفهمًا.
العطاء والانتماء
وتقول حنان بنت سالم المعولي من مدرسة بركة بنت ثعلبة (11–12)، إنها تعتز بالانتماء إلى هذا الصرح التعليمي الذي يحرص على بناء جيل واعٍ ومتميز علميًا وأخلاقيًا، مؤكدة أن يوم المعلم يمثل محطة تقدير واعتزاز بمهنة سامية تحمل رسالة الأنبياء.
وقالت: «في هذا اليوم نجدد العهد على الإخلاص في أداء رسالتنا، ونستشعر قيمة الأثر الذي نصنعه في حياة طلبتنا؛ فالتعليم ليس مهنة فحسب، بل رسالة ومسؤولية وأمانة».
وأوضحت أن المعلم يُعد حجر الأساس في بناء المجتمع، إذ يسهم في صناعة العقول، وغرس القيم، وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية، مبينة أن شخصيات الأجيال تتشكل داخل الصفوف الدراسية، حيث يُبنى وعيهم وتتحدد اتجاهاتهم، ليصبحوا مواطنين صالحين قادرين على العطاء والمشاركة الفاعلة في نهضة وطنهم.
وأضافت أنها تحرص دائمًا على توجيه طلبتها نحو الاجتهاد والمثابرة، واحترام العلم وأهله، والسعي المستمر إلى تطوير الذات، مؤكدة أن النجاح يبدأ بحلم، وينمو بالإرادة، ويتحقق بالعمل الجاد، وأن الطلبة قادرون على صناعة مستقبل مشرق .
نهضة المجتمع
وثمّن إسماعيل بن طالب الشيادي معلم أول لغة إنجليزية بمدرسة أنس بن النضر للتعليم الأساسي، الاحتفال بيوم المعلم، موضحًا أن هذا اليوم يمثل تكريمًا للعطاءات التي يبذلها المعلمون وتقديرًا لما يقدمونه للطلبة والمجتمع والعالم أجمع.
وقال الشيادي: «يوم المعلم العُماني ليس يوماً عابراً، بل هو تعبير صادق عن روح البذل والعطاء والانتماء، واعتراف بفضل المعلم وجهده في كافة مجالات الحياة. فالمعلم هو اللبنة الأساسية التي تبني المجتمع، فهو القائد والمرشد والموجه علميًا وسلوكيًا، ولا يمكن أن يقوم المجتمع دون المعلم. إنه من يبني العقول، ويغرس الانتماء للوطن العزيز في نفوس الأجيال. وبلا شك، فإن المجتمع الذي يقدّر معلميه مجتمع رائد في كل مسارات الحياة، لأن التعليم هو مرتكز نهضة المجتمعات، وبدونه لا يمكن لأي مجتمع أن يتطور».
وأشار الشيادي إلى أن المعلم مطالب بالنماء المهني وتطوير ذاته باستمرار، مبينًا أن هذا النمو يتحقق بالرغبة الصادقة في التطوير والعمل الدؤوب لتحقيق الأهداف. وأوضح أن العملية التعليمية عملية متجددة لا تتوقف عند حد معين، وأن التنمية المهنية مطلب أساسي للعمل التربوي.
وأضاف: «على كل معلم أن يستفيد من المعطيات التربوية والتقنية وغيرها لتطوير ذاته، وأن يسعى نحو التطور الوظيفي المستمر، ويربط التعليم بالواقع ليواكب متطلبات العصر والمجتمع. ويأتي ذلك من خلال المشاركة في الدورات التدريبية المتخصصة، وحضور الورش والمشاغل الهادفة، التي تسهم في صقل المعرفة والمهارات المهنية للمعلم».
رسالة العلم
وقالت علياء بنت عامر الحجري معلمة الكيمياء بمدرسة مزون للتعليم الأساسي: «أؤمن بأن التعليم رسالة سامية قبل أن يكون وظيفة، وأسعى من خلال عملي إلى ترك أثر إيجابي مستدام في نفوس طالباتي، سواء على المستوى العلمي أو الأخلاقي. يوم المعلم بالنسبة لي ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو وقفة تقدير لكل من حمل رسالة العلم بإخلاص، وتجديد للعهد على مواصلة العطاء رغم التحديات. إنه يوم نشعر فيه بقيمة الأثر الذي نصنعه في الأجيال، وقيمة الكلمة التي قد تغيّر مستقبلًا كاملاً».
وأضافت: «تجربتي التعليمية كانت رحلة ثرية مليئة بالتحديات والإنجازات، تعلمت من خلالها أن التعليم ليس مجرد نقل معلومة، بل بناء شخصية، وتعزيز الثقة، واكتشاف المواهب. كل عام دراسي يضيف لي خبرة جديدة ويعلمني قبل أن أعلّم غيري».
وأشارت إلى حرصها على غرس قيمة المسؤولية لدى الطالبات، بحيث يكون الطالب مسؤولًا عن علمه وسلوكه ومستقبله. كما أكدت أن الاحترام والاجتهاد يشكلان أساس كل نجاح، لذلك تعمل على ترسيخ هذه القيم داخل بيئة صفية داعمة ومحفزة.
بناء الإنسان وصياغة المستقبل
من جهته قال أحمد بن نصير الغافري معلم أول مادة اللغة الإنجليزية بمدرسة الإمام ناصر بن مرشد للبنين (10–12) بمحافظة جنوب الباطنة إن: «يوم المعلم العُماني ليس مجرد مناسبة نحتفي بها، بل هو لحظة تأمل عميقة أشعر فيها بثقل الأمانة وعظم الرسالة التي نحملها. إنه يوم نستشعر فيه أن المعلم لا يؤدي وظيفة فقط، بل يحمل مسؤولية بناء الإنسان وصياغة مستقبل الوطن. أثر المعلم لا ينتهي بنهاية العام الدراسي، بل يمتد ليشمل مسارات الحياة كلها وقد يمتد لأجيال».
وأضاف الغافري: «المعلم هو صانع الوعي، وحارس القيم والمبادئ، ومشجع البدايات الأولى لأحلام أبنائنا. ومن موقعي كمعلم، أؤمن أن مسؤوليتنا لا تقتصر على إيصال المعرفة، بل تمتد إلى غرس المبادئ، وتعزيز الانتماء، وبناء شخصية متوازنة قادرة على العطاء والبناء. إن بناء المجتمع يبدأ من داخل الصف حين يشعر الطالب بالأمان، ويُعامل بالعدل، ويُمنح الثقة، فهنا تتشكل ملامح المواطن الصالح وتتجسد رسالة المعلم الحقيقية».
وأشار إلى أن التطوير المهني ليس مجرد حضور دورة تدريبية، بل هو التزام داخلي بالسعي نحو التميز، ومراجعة الأداء، والانفتاح على الجديد، والاستفادة من كل تجربة، مؤكداً أن الانفتاح المعرفي وتطور أساليب التدريس يحتم علينا البقاء في حالة تطوير مستمرة. «المعلم الذي يؤمن برسالته يسعى ليكون قدوة في التعلم قبل أن يكون قدوة في التعليم، وكلما نمينا مهنيًا، منحنا طلابنا فرصًا أوسع للنمو والنجاح».