ليست المرة الأولى ـ ولن تكون الأخيرة ـ التي تتداول فيها قنوات الإعلام العالمية تهديدات أمريكية بضرب إيران؛ حيث يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجنب فشل ـ وفقا لرأيه ـ 8 رؤساء أمريكيين في التعامل مع إيران منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979م في عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر؛ حينها بدأت الدولتان علاقات عدائية مستمرة لم تهدأ مع الديمقراطيين بيل كلينتون، وباراك أوباما، وجو بايدن، ولا حتى مع الجمهوريين رونالد ريجان، وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن. وربما في هذا السياق تحديدًا سيخسر ترامب رهانه على الصدارة إذا ما اكتفى بالتهديد فقط؛ فهل يمكن اعتبار تنفيذه للتهديد نصرًا استباقيًا يفوز به على غيره من رؤساء أمريكا السابقين؟

الواقع أن ترامب يرى نفسه الأكفأ لضبط وترتيب العلاقات بين طهران وواشنطن سواء عن طريق دبلوماسية موسعة يصل بها إلى تحجيم النشاط الإيراني، أو عن طريق تشكيل النظام الإيراني كاملًا بالقوة عبر الحلول العسكرية.

مؤخرا، ومنذ بداية المفاوضات بينهما مجددا في أوائل فبراير الماضي بمسقط، بعد حرب يونيو القريبة2025م التي كانت كذلك حسب زعم أمريكا «سريعة محدودة»، والتي كبدت إيران الكثير من الخسائر البشرية وغيرها، بل تجاوزت إيران لتبلغ الخليج العربي، وإن استقرأنا الأثر العميق وجدناه أوسع من ذلك تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، وحركة الملاحة البحرية وخطوط الطيران، وأضعاف ذلك على المستويين النفسي والاجتماعي؛ فالمناوشات اللفظية والتهديدات المستمرة؛ متابعة الأخبار اليومية، ومراقبة الحراك العسكري في المنطقة تسلب المكان أمنه، والعقل تركيزه، والنفس صفاءها.

لم يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تهديد إيران بالقوة العسكرية، وحسبنا استرجاع حرب يونيو للتيقن من شراكة الولايات المتحدة وإسرائيل لتوجيه الضربة العسكرية الوشيكة على إيران تحت مسمى عملية «سريعة ومحدودة»، وكأن وصفها بالسريعة المحدودة تخفيف من وطأتها على الداخل الإيراني، وعلى دول الخليج العربي المجاورة لإيران مع الافتراض المنطقي بأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي بانتظار الضربة السريعة المحدودة، ومع يقين أنها أوان الرد ستستهدف-لامحالة- القواعد الأمريكية في المنطقة كاستهدافها إسرائيل، مما لا يدع مجالا للشك بتأثر الكثير من الدول العربية مباشرة والبقية تأثرا اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا بتداعيات تلك «السريعة المحدودة».

كيف يثق العالم بأكمله بخطاب شبح الحروب الأمريكية وادعاء مبررات لها كالسعي للسلام ونصرة الشعوب المقهورة، وهي ذاتها مع حليفتها إسرائيل من انتهكت كل المواثيق الدولية في دعمها حصار غزة ونصرة إسرائيل؟!

كيف يمكن تخيل التعاطف الأمريكي مع الشعب الإيراني الممنوع من التظاهر في وقت سجلت فيه أمريكا نفسها سقوط قتلى بولايات أمريكية مختلفة لاعتراضهم على سياسة الهجرة والجمارك في عهد ترامب؟!

رواية نصرة حكومة أمريكا لشعوب العالم المستضعفة صعبة التصديق، خصوصًا مع معاناة شعبها بعد التضاعف المتسارع لتكلفة المعيشة، وتجاهل الأصوات المعارضة للسياسات الخارجية، لتصبح رواية أبعد عن الصدق مع تصريح السناتور الأمريكي «تد كروز»على قناة فوكس نيوز بتقديم ترامب العرض المُقدّم للرئيس الفنزويلي السابق للقيادة في إيران حاليا «أن عليهم مغادرة البلاد وتسليم السلطة، وإلا فسيُزالون من الحكم بالقوة».

المسألة ليست مسألة مفاوضات لتخفيض تخصيب اليورانيوم، وضمان الاستخدام السلمي له، بل هي مسألة نفوذ وتدخل في سيادة الدول ومواردها؛ هربًا بالانتصارات الخارجية من الفشل الداخلي.

ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى معلوم متمثل في مكاسب ترامب غير المعلنة سواء من مجرد التهديد بالحرب، أو بتنفيذها، أو حتى من الاكتفاء بسيناريو فنزويلا المعد والمكرر في الاستعانة بوكالات مدفوعة للتخلص من أي حكومة لا تناسب توجه الرئيس الأمريكي وأطماعه وليس على القوات الأمريكية حينها إلا الاستعانة ببعض خيانات داخلية تضمن وصول الوكالة المدفوعة إلى مقر الحكم.

من المناسب كذلك التكهن بأن كل هذه السيناريوهات المحتملة مدفوعة التكاليف، بل مضمونة التحقق والمضاعفة في جيب الجانب الأمريكي مباشرة من ميزانيات الدول الواقعة تحت تأثير فزّاعات الحرب وتغيير الحكم، إما بتوجيه مباشر واتفاقيات سرية، وإما بشراكات معلنة لتسليح مستقبلي، وتسويق مؤقت لوهم ضمان الأمان واستقرار المكين والمكان.

ختامًا: الحرب ليست لعبة وإيران ليست ببعيدة. تفعيل المشترك أولى من تأجيج المختلف، والعداوات المُصنّعة الوهمية لا بد لها من تكشّفٍ ووضوح. لا بد من تفعيل الوعي قبل الوقوع في شرّك الجهل ومغبة الصمت. لا بد من توفير واستثمار وتوجيه موارد الأوطان إلى شعوبها أمانًا واستقرارًا إلى شراكات حقيقية متنوعة قائمة على التبادل والمشاركة دون استغلال أو تسلط، لا إلى اقتصادات خارجية توسلا واستجداءً؛ فالشعوب المنهكة لا تقوى على المقاومة، ولا حتى على الاستنزاف، وحين تصل الشعوب إلى هذه المرحلة فهي واقعة بين مُرّين؛ إما الاستسلام وإما التوحش، وفي الحالين لا يمكن الرهان عليها سلاحًا لبقاء الأوطان وازدهارها وأمانها.

حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية