- يقول الله تعالى في وصف الحور العين: «كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ»، وفي سورة الواقعة يقول: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ»، ما الفرق بين الوصف باللؤلؤ والوصف بالبيض؟ ولماذا جاءت كلمة واحدة في سياقها ولم تأتِ الأخرى مكانها؟

فأظن أن السائل يسأل عن ورود صيغة «كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ» في سورة الواقعة، وقوله تعالى: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» في الصافات. أولًا: البيض المكنون، والمكنون وهي كلمة مشتركة في الآيتين، أي المصون المستور، فمعنى المكنون أن المستور المصون يسمى مكنونًا، نعم، وقد وصف به في القرآن الكريم الكتاب نفسه في اللوح المحفوظ، قال ربنا تبارك وتعالى: «فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ»، فهذا هو معنى المكنون. واللؤلؤ معروف، والبيض معروف لغة، لكن بعض المفسرين، وهذا قول أثر عن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن متقدمي المفسرين، يرون بأن قول الله تبارك وتعالى: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ»، أنه كناية عن اللؤلؤ، فلا يفرقون بين الوصفين الواردين في الآيتين في السورتين الكريمتين، والصحيح أن بينهما فرقًا.

فالبيض معروف معلوم، وإنما الخلاف هل المقصود بالبيض هنا دون قشره، فالبيض المصون المستور يمكن أن تطاله، أن تمسه الأيدي أو الريش، أم هو في قشره؟ فإذا أزيل القشر فإنه ينكشف عن بياض ولين ملمس ونقاء، فهذه الأوصاف هي التي قصدت بهذا التشبيه، أو أنه بقشره دون أن يُمس، في الصون والحفظ من الطائر لبيضه، فإنه حريص على ألا يُمس.

لكن لما اختلف الوصفان عن الملذات التي سيتنعم بها أصحاب الجنة، فذكرت الأوصاف لذلك النعيم بأبلغ ما تتشوق إليه النفوس، مما تتطلع إليه لتتنعم به وتلتذ به وتستطيبه، لأن سورة الواقعة تتحدث عن وجوه النعيم في الجنة، أما في الصافات فإن الحديث عن الأزواج، ووعد الله تبارك وتعالى أن للمتقين، أن هؤلاء الحور قال: «قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ»، أي أن أنظارهن لا تتعدى أزواجهن، فناسب هنا ما يتعلق بالستر والصون، ولذلك جيء بوصف البيض المكنون: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ»، لأن المعنى المقصود هنا هو لخصوص هؤلاء الأزواج، حور مقصورات في الخيام، فلأنهن مقصورات على أزواجهن، ولأن أنظارهن لا يتعدين أزواجهن، فناسب معنى الستر والعفاف والصون والحفظ أن يُشبهن بالبيض المكنون.

فليس المقصود هو ما يتعلق بالحسن والجمال، هذا وصف وصفت به هؤلاء الحور العين في قوله تبارك وتعالى: «كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ»، ونفس هذا الوصف بالحور العين، فالحور جمع حوراء، وهي الحور حسان الأعين، نعم، فهذا الوصف يكشف عن جمالهن، ثم أضيف وصف آخر مما يتعلق ببيان غاية ما يمكن أن يتصور من الحسن والجمال، فوصفن باللؤلؤ المكنون. أما هناك في الصافات فأريد بيان اختصاص أهل الجنة، وبيان أن هؤلاء الحور مقصورات عليهم، فناسب ذلك أن يؤتى بوصف البيض المكنون، هذا هو المقصود، والله تعالى أعلم.

- بالنسبة للمرأة المؤمنة هل لها أوصاف خاصة تختلف عن الحور العين في الجنة؟

أولًا لنبين أمرًا، فإن ذكر الحور العين ورد في كتاب الله عز وجل في بيان الجنان وأوصاف أهل الجنان، ورد في مواضع قليلة مقارنة بأصناف النعيم وما أعده الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، مما بينه لنا من وصف الجنان، يعني لم يزد على أربع مرات في القرآن الكريم، بينما نجد أن أوصاف الجنة وما فيها من نعيم يتكرر كثيرًا في كتاب الله عز وجل، فالانسياق وراء الدفاع عما يثار من شبهات حول الحور العين ينبغي أن يُنتبه له، وأن يُجعل في سياقه.

الأمر الآخر أن أغلب هذه السياقات حيث ورد الحديث عن النساء المؤمنات من أهل الجنة لا يرد ذكر الحور العين، هذا مما تنبه له أيضًا عدد من المفسرين، عجيب، هو يُذكر في وصف الجنان وفيما أعده الله تبارك وتعالى لعباده المتقين من أصناف النعيم، لكن إذا كان الحديث عن المؤمنات وما ينتظرهن في الجنة فإنه لا يرد ذكر الحور العين، هم وأزواجهم، ففي هذه السياقات لا يرد ذكر الحور العين، قد يكون في ذلك ما يُستشف من معنى مراعاة مشاعر النساء المؤمنات، نعم، يعني ذكر ذلك بعض المعاصرين، وهذا معنى لطيف لا يُستغرب.

أما المؤمنات فإن الله تبارك وتعالى بين في كتابه الكريم بأنهن يُبعثن كذلك، يعني طاهرات مطهرات، في ذروة ما تكون عليه المرأة من الحسن والجمال، فربنا تبارك وتعالى بين أن النساء قال: «إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا»، هذا في وصف النساء المؤمنات، وكأنهن سيبعثن بعثًا جديدًا بهذه الأوصاف التي سيكون عليها، فنعم هذا الوصف يصدق عليهن أيضًا، والله تعالى أعلم.

- في قوله تعالى: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ»، تشير هذه الآية إلى أن كل ما يكدر الخاطر أو يدفع إلى الحزن أو الكراهية يكون مزالًا يوم القيامة أو منزوعًا، فهل نسقط هذا على موضوع مشاعر المرأة أو إحساسها بأن زوجها عنده حور عين أكثر، يعني أو عدد أكبر من الحور العين؟

هناك خلاف تعرضنا لذكره في معنى قوله تبارك وتعالى: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى «سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ»، ولم أطلع أن أحدًا من أهل العلم المشتغلين بالتفسير أشار إلى هذا المعنى مما يكدر عليه، أن تلك المشاعر هي مشاعر الغيرة، والغيرة تختلف عن الغل، لا شك أن الغيرة تؤدي إلى شيء من اضطراب النفس والقلق فيها، وهو شعور مكروه، يرجو المرء أن يتخلص منه، فيه قدر محمود، ويبعث هذا القدر المحمود من الغيرة، لا نتحدث عن الغيرة على حرمات الله عز وجل وعلى دين الله تبارك وتعالى، وإنما نتحدث عن الغيرة بين الأزواج لأن هذا هو الذي تشيرون إليه، نعم، فالقدر المحمود هو الذي يدعو إلى العفاف والستر وإلى صون الحرمات ومراعاة الحقوق وعدم مجاوزة الحدود، هذا القدر لا شك أنه محمود، لكن أن يبلغ الشعور بالغيرة إلى حد الغل فقد يكون في هذا بُعد.

وإنما لا شك أن هذا البعث الجديد في الآخرة، لننظر نحن فيما أعده الله تبارك وتعالى للرجال لأنفسهم من اللباس من الحرير والإستبرق والذهب والألوان التي وصفت في كتاب الله عز وجل، قد تكون طبائع كثير من الرجال أنهم لا يستطيبون هذه الزينة في حياتنا الدنيا، ولكن هذه النفوس تتغير، هناك بعث جديد لهذه النفوس، هناك ملذات ستُشتهى، وهناك لا شك كل أنواع الكدر ستزول، وهذا نعيم لكل المؤمنين من الرجال والنساء، فقد يكون الإعراض عن ذكر ما أعده الله تبارك وتعالى أيضًا للنساء مما يقابل الحور العين للرجال إنما هو من باب ما هو معهود في كتاب الله عز وجل وفي عموم أحكام هذا الدين من مراعاة العفاف وصون الأعراض، ولكن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.