لا تزال قصص مغامرات رجال فرض القانون والشرطة والتجارب التي مروا بها تجتذب جمهورا واسعا من المشاهدين، ولا تزال عجلة الإنتاج السينمائي تدور لتقدم قصصا لا تنتهي من هذا النوع، ومن ذلك الكشف عن الجرائم ومطاردة لصوص البنوك وعمليات السطو المسلح وتجار المخدرات وغيرها.
وشهدت السينما خلال ذلك تقديم العديد من الشخصيات البوليسية التي جسدها ممثلون متميزون مثل دينزل واشنطن وهاريسون فورد وكلينت إيستوود وبروس ويليس وتومي لي جونز وصامويل جاكسون وآل باتشينو وجاك نيكلسون وصولا إلى همفري بوغارت وغيرهم.
أما في هذا الفيلم للمخرج أكيفا شيفر فنحن أمام الممثل الكبير ليام نيسون في واحد من أدواره الجديدة ضمن أفلام المطاردات والحركة، على الرغم من تجاوزه سن السبعين، إلا أن المخرجين لا يزالون يطلبونه في هذا النوع من الأفلام التي عرف بها على نطاق واسع، وهو هنا في دور يجمع ما بين الحركة والنوع البوليسي والتحري وبين الكوميديا في معالجة ملفتة للنظر هي غير ما درج عليه نيسون في أدواره الجادة في مطاردة الأشرار في الغالب، وهو هنا يؤدي دور الضابط الاستثنائي فرانك ديربن، ملء الدنيا وشاغل الناس.
إنه هنا بعد إحباط عملية سطو مسلح على بنك في وسط المدينة، يجد نفسه في ورطة مع رئيسته السيدة ديفز -تؤدي الدور الممثلة سي سي إتش بوندر- وذلك بسبب استخدامه المفرط للقوة، وكنوع من العقاب يُنقل فرانك وزميله في العمل إيد، يقوم بالدور الممثل الكوميدي باول والتر هاوزر، من قضية البنك ويُكلفان بالتحقيق في حادث سيارة فيها شبهة جنائية.
في حادث السيارة يُقتل رجل يُدعى سيمون دافنبورت، ليكون ذلك سببا في تعرف فرانك على شقيقة المجني عليه بيث -تقوم بالدور الممثلة باميلا أندرسون- التي سوف تصبح صديقة مقربة من فرانك، لكن معلوماتها بصدد مقتل شقيقها سوف تفضي إلى اكتشاف غير متوقع يتمثل في أن حادث السيارة وسرقة البنك مرتبطان ببعضهما البعض ضمن شبكة غامضة تتمثل في شركة إيدنتك، وهي شركة تقنية عملاقة يديرها ريتشارد كين -يقوم بالدور الممثل داني هيوستن- ومن هنا سوف نستكمل ما بدأناه في مطلع الفيلم من خلال سلسلة من المطاردات والمواقف الكوميدية، وهو ما نجح فيه المخرج في إيجاد نوع من الموازنة ما بين الحركة والكوميديا.
لقد وظف المخرج مسارات سردية وبث مزيدا من الحبكات لا لشيء إلا تجديد الإيقاع الفيلمي كلما دخل في دائرة الترهل والتكرار، وهي مساع أثمرت عن متعة في المتابعة حينا ومجرد مشاهد كوميديا لا أكثر في حين آخر، وخلال ذلك كان ليام نيسون هو النجم بلا منازع الذي خطف الأضواء لصالحه.
وفي هذا الصدد يقول الناقد كيث كارلينغتون في الموقع الذي حمل اسمه الشخصي: "دون شك، هو فيلم مليء بالنكات؛ حيث ينصب التركيز على الانتقالات السريعة من موقف كوميدي إلى آخر، لكن المشكلة عندما تفقد النكات طرافتها، وهو ما سوف يتكرر في النصف الثاني، ولهذا يلجأ المخرج إلى المطاردات البوليسية والمواقف المضحكة في مسعى لإنعاش الدراما الفيلمية، وخاصة من خلال الممثل الكبير نيسون؛ حيث يجسد الممثل المخضرم البالغ من العمر 73 عاما روح الدعابة بكل تفاصيلها وبأقصى ما بقي عنده من طاقة في التمثيل، وهو أحد الأسباب الرئيسية لنجاح الفيلم".
أما الناقد برايان تاليركو فقد كتب رأيه وتحليله النقدي عن الفيلم في الموقع الشهير روجر إيبرت قائلا: "من وجهة نظري أن السبب الرئيسي وراء قدرة أحداث هذا الفيلم على رسم الابتسامة باستمرار هو براعة نيسون ذاته في تجسيد الجدية والرزانة، فهو ممثل قادر على أن يكون جادا للغاية وهو يؤدي تصرفات في غاية الحماقة والسطحية، فهذا الفيلم هو عرض ليام نيسون بامتياز، وهو الذي يجسد شخصية دريبين بجرأة وسخرية متجاوزا الجدية التي عرف بها سابقا. نيسون يأخذ ما يحدث على محمل الجد كما لو كان في جزء ثانٍ من الفيلم الشهير "Taken"، دون أن يستحوذ على الكاميرا بشكل مفتعل كما يفعل الممثلون الأقل موهبة مع النص نفسه. والخلاصة أنه يُعد بحق أحد أفضل أدوار نيسون، لأنه لا يُظهر أبدا أنه فوق كوميديا الموقف، مترفعا على الدور، بل إننا نجده وهو يُوازن ببراعة بين السخرية الذاتية والواقعية، ويجسد المشاهد والمواقف بأقصى قدر من الصدق".
على أن من الإشكاليات المهمة التي يثيرها هذا الفيلم وسائر الأفلام التي تتخذ من الكوميديا قناة لها للوصول إلى الجمهور العريض هي إشكالية تحويل المواقف والأحداث التي تبدو عابرة وعادية إلى ذروة كوميدية، وهو ما شكل ميزة في هذا الفيلم، خاصة بعد انحسار الأفلام والمعالجات الكوميدية، وإن وجدت فإنها مطالبة بتجاوز هذه الإشكالية لكي يمتلك الفيلم مقومات النجاح.
وهنا وفي هذا الإطار أيضا لا بد من الإشارة إلى ما رسخ في هذا النوع المرتبط بالكوميديا الساخرة التي تسعى إلى إحياء نوع فرعي محدد من المحاكاة التي ورثها فن الفيلم من النوع المسرحي الكوميدي، المليء بالمواقف والمفارقات الكوميدية المرئية وغير المتكئة على عنصر الحوار، وهو ما برع فيه المخرج ليخرجنا من نمطية الأداء إلى السخرية في وسط يوميات فرقة الشرطة.
وأما إذا انتقلنا إلى سلسلة المفارقات والمشاهدة المليئة بالحركة، فقد كان الهدف هو إبقاء شخصية الضابط فرانك على نفس القدرة الحركية الاستثنائية التي حاول فيها تجاوز سنّه وصولا إلى نوع من استمرارية المشاهد الكوميدية القادرة على مواصلة الجمهور متعة المتابعة، لكن ذلك كان على حساب الحبكة الرئيسية التي لم تكن متماسكة بما فيه الكفاية بسبب العامل الذي ذكرناه، وهو السعي من أجل ديمومة الكوميديا.
على هذا وجدنا أن الفيلم قد سار باتجاه مسار سردي قائم على المحاكاة الساخرة لأفلام الجريمة بما يتطلبه من سرعة الإيقاع والحس الفكاهي، لكن وفي الوقت ذاته لا يمكننا القول إن الفيلم من نوع تلك الأفلام التي تحمل رسالة عظيمة، بل إنه من نوع الأفلام الترفيهية الكوميدية التي لا تخلو من الابتكار ومحاولة التجديد من خلال ما ذكرناه من المزج ما بين الحركة والطبيعة البوليسية وبين حس الفكاهة، مع توظيف ملفت للوسائل الإخراجية من التصوير إلى المونتاج إلى الموسيقى، فضلا عن الاهتمام الجاد ببناء المشاهد بشكل متقن من أجل تكريس الكوميديا بشكل متميز في هذا الفيلم.