تقوم فكرة المجتمع المدني على الفعل الإداري الحر القائم على احترام الاختلاف وتقدير الآراء، والتنظيم الجماعي الذي يؤِّسس مجتمعًا متنوِّعًا ضمن عوامل مشتركة بين أعضائه؛ فهو مجتمع يقوم على قبول الاختلاف والتنوُّع، وتقديم الأولوية للمصلحة العامة للدولة والأعضاء، ولذلك فإنه يلتزم بالضوابط التي تحمي هذه المصلحة، وتُنظم العلاقات بين الأعضاء.
فمؤسسات المجتمع المدني تدُّل على ما قدمته الدولة من جهود في التنمية البشرية للأفراد، وما بذلته في سبيل تمكينهم للتعبير عن آرائهم وإبداء مقترحاتهم والعمل مع مؤسسات الدولة الأخرى لتحقيق الأهداف الوطنية؛ لتكون شريكة في تمثيل الأدوار التنموية، وقادرة على التعاون والتكامل في دفع عجلة البناء، وتحقيق المصالح العامة التي أنشئت من أجلها.
إن المؤسسات المدنية تقوم على مفهوم التطوُّع كونها قطاعات غير ربحية؛ وبالتالي فأعضاؤها يتميَّزون بالفكر المستنير المتطلِّع نحو خدمة وطنهم دون مقابل مادي أو معنوي لا ينتظرون مكافآت أو مناصب أو سلطة؛ فهم شركاء مسؤولون عن تحقيق أهداف مؤسستهم المدنية من ناحية، وأهداف مجتمعهم من ناحية أخرى؛ إذ يقودون فكر التغيير والتطوير بما يتناسب مع قيم المجتمع وتطلعاته المستقبلية.
ولأن هذه المؤسسات تدُّل على الفهم العميق من الدولة بأهمية الديمقراطية، وتمكين أفراد المجتمع ليكونوا قادرين على قيادة هذه المؤسسات والمساهمة بفاعلية في التنمية؛ فإن هذا التمكين يجعل أعضاء هذه المؤسسات ومنتسبيها أمام مسؤولية كبرى؛ فهم يمثلون مجتمعهم سواء أكان مجتمعًا عاما أو خاصًا (جمعيات المرأة، والجمعيات المهنية وغيرها). وهذا التمثيل يقتضي العمل بمهنية وموضوعية تتجاوز المصالح الشخصية، وتسعى إلى تحقيق الأهداف العامة التي من أجلها تأسست.
ولعل التحولات المجتمعية والانفتاح التقني المتسارع أثرا تأثيرا مباشرا على الدور الذي تقدِّمه مؤسسات المجتمع المدني عامة، والمهنية منها بشكل خاص؛ حيث تفرض هذه التحولات أنماطًا جديدة من الشراكة والتعاون بينها وبين مؤسسات الدولة من ناحية، وأفراد المجتمع من ناحية أخرى خاصة الدور المهم والفاعل الذي تقدمه للشباب، وما يمكن أن تمثِّله لهم بوصفها مؤسسات حاضنة وداعمة ومؤسسة لوعيهم ومهاراتهم وتطلعاتهم.
غير أن السؤال الأساسي للمتأمل في حال هذه المؤسسات اليوم هو (أين الشباب من الحِراك المهني في مؤسسات المجتمع المدني؟)، ( أين هم من مجالس إدارة مؤسسات المجتمع المدني المهنية؟)، (أين هم في فكر التغيير والتطوير في هذه المؤسسات؟). إن تلك الأسئلة تفتح مجالا واسعا بشأن الإشكال القائم في ارتباط العديد من تلك المؤسسات بأسماء شخصيات بعينها تعد نفسها مسؤولة مسؤولية كاملة عنها، الأمر الذي دفع بالكثير من المتخصصين إلى العزوف عن الانضمام إليها، فتراجعت عن تأدية دورها الأساسي في المشاركة الفاعلة في التنمية الوطنية وتنمية المهارات والقدرات.
إن تفعيل أهداف مؤسسات المجتمع المدني المهنية لا يقوم على أفراد دون غيرهم، ولا بأفكار دون أخرى، بل الأصل فيها هو الاختلاف والتنوُّع الذي يجب أن يكون بدءًا من تغيير مجالس الإدارات، واحتواء الشباب وإعطائهم فرصًا في تلك المجالس؛ حتى يكونوا قادرين على إدارة التغيير والتطوير بما يتناسب مع المرحلة التنموية المتسارعة، لتكون هذه المؤسسات الحاضنة لهؤلاء الشباب والموجِّه للاستفادة من طاقاتهم وإبداعاتهم في دعم تطلعات الدولة ورؤيتها المستقبلية.
فالانفتاح المتسارع، وهيمنة مجموعة ممن يعتقدون أنهم الأكثر قدرة على التأثير والأقدر على فعل التغيير حجَّما من دور هذه المؤسسات على الرغم من حرص تلك المجموعة التي تمثِّل (النخبة) في اختصاصها. إنهم (نخبة) بما يمثلونه من خبرات علمية وعملية جعلتهم في مرحلة ما يتصدرون مؤسسات المجتمع المدني المهنية. والحق أنهم أفادوا هذه المؤسسات فوائد عدة؛ فقدموا خبرتهم ووقتهم وجهدهم في سبيل خدمة أهدافها وأهداف المجتمع، غير أن الكثير منهم نسي في خضم حرصه على خدمة تلك المؤسسة أنها تنتمي إلى المجتمع المدني الذي يتبنى فكر التغيير بوصفها قاعدة أساسية لعمله، فبقي في منصبه حتى ارتبطت باسمه.
إن هيمنة مجموعة (النخبة) على مؤسسات المجتمع المدني خاصة المهنية منها، يمثِّل ظاهرة تحتاج إلى إعادة النظر؛ فهذه الهيمنة التي اتخذت أساليب وطرائق عدة رسَّخت فكرة ارتباط مؤسسات المجتمع المدني المهنية بشخصيات بعينها، الأمر الذي دفع الشباب إلى منصات التواصل الاجتماعي بوصفها أكثر قدرة على احتوائهم ما عمَّق الفجوة بينهم وبين تلك المؤسسات، وأضعف من دورهم في صناعة القرار، والمشاركة الفاعلة في تحقيق الأهداف التنموية.
لقد أُنشئت مؤسسات المجتمع المدني المهنية للإسهام في قيادة التغيير والابتكار والإبداع باعتبارها بيوت خبرة في مجالاتها سواء أكانت اجتماعية أم ثقافية أم اقتصادية أم إدارية أم طبية أم غير ذلك إضافة إلى ما ينبغي أن تمثِّله في سد الفجوات المهارية في التخصصات المختلفة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية؛ فكيف يمكن أن تحقِّق دورها وهي تقبع تحت الإدارات التي تتَّخذ أنماطًا إدارية لا تتناسب مع المرحلة التنموية المتطلِّعة نحو تمكين الشباب وتعزيز المواطنة الإيجابية الفاعلة التي تسعى نحو الابتكار الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
إن تعزيز دور الشباب في مؤسسات المجتمع المدني المهنية يبدأ من إفساح المجال لهم لا ليكونوا أعضاء في المؤسسة أو مجالس الإدارة وحسب، بل ليتقلدوا مناصب الرؤساء أو النواب لتلك المجالس؛ فأصحاب الخبرات من (النخبة) يمثلون الأساس المعرفي والقدوة التي تدفع الشباب وتمكِّنهم وتحتضن طاقاتهم وإبداعاتهم وتوجِّهها نحو خدمة المجتمع؛ فهذه المؤسسات توفِّر البيئة المهنية التي تتيح للشباب المشاركة الواعية التي تنمي مهارتهم، ليكون (النخبة) باعتبارهم خبرات وطنية أساسًا داعمًا لهؤلاء الشباب.
ولأن مؤسسات المجتمع المدني المهنية قدَّمت منذ نشأتها أدوارًا مهمة كل في مجاله واختصاصه، ووفَّرت بيئة مهنية حاضنة للشباب؛ فإن دورها اليوم يتعاظم في ظل المتغيرات الحالية والتحوُّلات المتسارعة في كافة المجالات؛ ولهذا فإن هذه الأدوار يجب أن تتغيَّر وتتطوُّر وفقا لمقتضيات المرحلة التنموية، وهذا التغيير لن يحدث سوى بإدارات حديثة لا تنشد الحرص على المناصب بقدر ما تتطلَّع إلى تحقيق الأهداف الوطنية وتمكين أفراد المجتمع.
ولعل قانون مؤسسات المجتمع المدني المنتظر سيمثِّل أساسا يمكن أن يُحدث تغييرا في سياسة العمل في تلك المؤسسات، ويقدِّم نمطا يتناسب مع المرحلة التنموية التي تعيشها الدولة، ويتوافق مع السياسات التشريعية الحديثة في كافة المجالات، وحتى يصدر هذا القانون فإننا نعوِّل على وعي أعضاء مؤسسات المجتمع المدني عامة والمهنية بشكل خاص بأهمية التغيير واتخاذ المواقف الإيجابية في الحرص على المصلحة العامة بوصفها أساسا للعمل.
إن الانخراط في هذه المؤسسات يقتضي الوعي بأهميتها للوطن، وأهميتها للأفراد؛ وبالتالي فإنها مؤسسات للعمل المجتمعي الذي لا يقدِّم مصلحة الفرد، بل ينشد الخدمة العامة، ودعم الأفراد خاصة الشباب الذين يحتاجون إلى بيئة مهنية تُسهم في تأهيلهم وتدريبهم وإشراكهم في صناعة القرارات الوطنية.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة