ترجمة: أحمد شافعي -

قبل خمسة وعشرين عامًا، أقنع جورج دبليو بوش القادة الأوروبيين بمساندة «حربه على الإرهاب». وكان ثمن ذلك المشروع الكارثي إزهاق ملايين الأنفس والنزوح الجماعي لبشر من شتى أرجاء الشرق الأوسط. كما تسبب في تطبيع العنصرية والكراهية تجاه المسلمين واللاجئين والأقليات العرقية في الولايات المتحدة وأوروبا. وأخشى أن خطبة ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن التي تدعو إلى الدفاع عن الحضارة البيضاء الغربية المسيحية أمام المهاجرين الذين يفترض أنهم ملوثون عرقيًا ـ وما قوبلت به من تصفيق الحاضرين من النخب الأوروبية وقوفا ـ قد تكون نذيرًا بفصل ثان يبعث القشعريرة.

تختلف لغة روبيو القائلة بحضارة أرقى مشتركة بين الأمريكيين والأوروبيين عن لغة قائديه دونالد ترامب وجيه دي فانس. فالنبرة لديه أشد لينًا، لكن الخطاب نفسه ذو طابع تآمري. فروبيو يتحدث عن الهجرة والهوية والقلق الحضاري، لا عن الإرهاب والتهديدات الأمنية الملموسة مثلما فعل بوش من قبل. وقد أثنى روبيو في خطبة ميونخ على الأوروبيين في ماضيهم الاستعماري، وأنكر بثه خطاب كراهية أو رهابا للأجانب، وبدلا من ذلك وضع دعوته إلى الدفاع عن الحدود القومية في إطار الواجب المحترم و»العمل السيادي التام».

غير أن خطاب الإقصاء القومي بقي على حاله دونما تغيير. وإنني وقد عشت وكتبت عن عواقب 11/9، أعي تمام الوعي العنصرية الضمنية والرسائل الخفية المعادية للإسلام في هذا الخطاب ذي الطابع المؤمن بالتفوق العرقي الأبيض، وبما قد يطلق هذا الخطاب عنانه من مخاوف بل وعنف.

إن النقاشات القلقة المتعلقة منذ سنين بموقع الإسلام في أوروبا وبالولاء والانتماء وبتمثيل المسلمين لا تزال تسيطر على مسلمي أوروبا اليوم.

وليس هذا بتهويل. ففي ظل الظروف الجيوسياسية المضطربة، وبخاصة فيما يتعلق بأوكرانيا، يشعر القادة الأوروبيون بقلق مفهوم من تنفير حليفهم غير متوقع التصرفات أصلا، أي الولايات المتحدة. لكن لا بد من من فضح العنصرية، بأي اسم تسمت وخلف أي قناع طبيعي وفاضل تقنعت.

وبناء على التصفيق الذي حظي به روبيو في ميونخ، أخشى من أن يكون كثير من القادة الأوروبيين قد أعربوا بالفعل عن استعدادهم للتجاوب، إما لأنهم يؤمنون برؤية ترامب للعالم أو لأنهم يشعرون أن من المناسب جيوسياسيا أن يفعلوا ذلك.

غير أننا إن أردنا أن نحمي الديمقراطية الليبرالية التعددية ونقاوم اليمين المتطرف، فعلينا أن نحذر كثيرا لا من الخطابات السامة العابرة للأطلنطي فقط وإنما من قرب صلات ترامب بأحزاب أوروبا الكارهة للأجانب وبالوسائل الكثيرة التي يعمد من خلالها قادة حركة ماجا إلى إضفاء الشرعية على الأيديولوجيات اليمينية المتطرفة. واحتمال تمويل وزارة الخارجية الأمريكية عما قريب لمراكز أبحاث وجمعيات خيرية أوروبية يمينية التوجه يجب أن يكون جرس إنذار مسموعا في القارة كلها.

حينما أسمع ترامب وروبيو وأتباعهما الأوروبيين، أتساءل عن السبب الذي يجعل القلة من نخبة الاتحاد الأوروبي السياسية تتجاسر على الجهر بأننا سمعنا هذا الخطاب الإقصائي من قبل ونعرف إلام يمكن أن يقودنا. وأننا لن نتبع الولايات المتحدة في قيادتها، وأن الاستعمار لم يكن مشروعًا مجيدًا بل لقد تسبب في خراب وموت هائلين. وأن اليهود أنفسهم يوما ما كانوا يعدون خطرًا على أوروبا المسيحية البيضاء ويتهمون بإضعاف الأمم من داخلها.

وأن ما يسميه الكاتب البريطاني حنيف قريشي بـ «الهلوسة الجماعية» في أوروبا اليوم في ما يتعلق بقدرة الغرباء غير المرغوب فيهم على الاستعمار والتلويث، قد تتمثل أهدافها اليوم في المهاجرين والمسلمين وذوي البشرة السوداء والبنية. ولكن السردية الخاصة بالمنتمين وغير المنتمين نفسها سردية خطيرة ومدمرة للجميع.

من الصعب السباحة ضد التيار. ورئيس الوزراء الأسباني بيدرو سانشير ـ وهو نادر وسط القادة الأوروبيين في محاولته أن يتكلم بالحقائق لا بالوهم في ما يتعلق بالهجرة ـ قد صادف معارضة قوية لا من اليمين المتطرف فقط وإنما من كبار صناع السياسة الأوروبيين الذين يصورون قراره بتقنين أوضاع خمسمئة ألف مهاجر وطالب لجوء غير شرعي باعتباره قرارًا مقوضًا لرسالة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالردع.

فقد حذر مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي ماجنوس برونر ـ وهو سياسي نمساوي محافظ ـ من أن أسبانيا «لا بد أن تضمن ألا تكون لقراراتها آثار سلبية على أجزاء أخرى من الاتحاد» وتجاهل حقيقة أن مئات آلاف المهاجرين غير الشرعيين موجودون بالفعل في أسواق العمل الأوروبية، وأن كثيرًا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي توقع مع بلاد في الجنوب العالمي اتفاقيات لتنقل العمال برغم أنها تنخرط علنا في الحملات المناهضة للمهاجرين.

بدلا من الاعتراف بهذه الحقائق المزعجة، تركز بروكسل على ضمان دعم البرلمان الأوروبي «لإجراءات عودة أبسط وأكثر فعالية» اقترحها برونر لتشديد وتسريع ترحيل الأشخاص غير الشرعيين ومن ذلك احتمال إرسالهم إلى مراكز احتجاز خارجية في بلاد غير تابعة للاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذه الخطط، وفقا لجماعات حقوقية، أن توسع وتطبع غارات على المهاجرين في شتى أرجاء القارة شبيهة بغارات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) وكذلك إجراءات المراقبة في أرجاء القارة.

كان يجدر بقادة أوروبا أن يكونوا أكثر دراية. وبدلا من أن يغريهم ويطمئنهم خطاب روبيو وثناؤه الزائف، كان يجب أن يتحلوا بالشجاعة للوقوف في مواجهة خطاب «ماجا» التحريضي ويتساءلوا مثلما تساءل سانشيز أخيرا: «متى كان الاعتراف بالحقوق تطرفًا؟ ومتى كان التعاطف استثناء؟»

أعرف أنه يسهل الوقوع في هيمنة السردية السائدة بينما يصعب التزام المرء بقيمه. ففي أعقاب 11/9، انتحى بي زميل جانبًا وقال إنني لو أردت أن «أنجح في أوروبا» فعليَّ أن أتوقف عن التنديد برهاب الإسلام وأن أقف في صف السردية المهيمنة الناشئة عن المسلمين بوصفهم أصحاب عنف متأصل، والأفضل أن أدين الإسلام نفسه باعتباره متخلفًا وبربريًا. ونبهني إلى أن البديل سوف يكون صعبًا للغاية.

لعله كان على حق؛ لكن ما لا يزال يدهشني، بعد مرور أكثر من عقدين، هو مدى شعوري بالصدمة من كلامه في حينه. فلم تكن فكرة التنافر الجوهري بين الهوية الأوروبية والمسلمين هي السائدة آنذاك. واليوم يلقى الرأي نفسه، وقد عبر عنه روبيو، تصفيقًا لا استهجانًا في ميونخ، وهذا مؤشر مزعج على أن التحيز والتعصب ـ حين لا يجدان من يفضحهما ـ قد يترسخان في خطاب أوروبا وسياساتها على جميع المستويات.

شذى إسلام كاتبة مقيمة في بروكسل، متخصصة في شؤون الاتحاد الأوروبي، وتدير شركة (نيو هوريزون) المتخصصة في الشؤون الاستراتيجية

الترجمة عن ذي جارديان