لقد قرأ أحدث تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصّي الحقائق بشأن سقوط الفاشر في السودان، كأنه تقرير تشريح لجثة مأساة كان يمكن تفاديها. يفصّل التقرير ما يصفه بـ«سمات الإبادة الجماعية»: عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي منهجي، وتطهير عِرقي استهدف مجتمعات غير عربية على يد قوات الدعم السريع.
لم يكن ينبغي لما جرى في الفاشر أن يفاجئ أحدا في المجتمع الدولي. فقد تلقّت الحكومات الغربية تحذيرات متكررة من المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والصحفيين الاستقصائيين، بل ومن وكالاتها هي. في بريطانيا، اتّهم مُبلّغٌ عن المخالفات العام الماضي وزارة الخارجية بممارسة الرقابة على تحذيرات داخلية بشأن إبادة وشيكة، وفي الولايات المتحدة، تلقّت وزارة الخارجية وأعضاء في مجلس الأمن تقارير متواصلة من «مختبر ييل للأبحاث الإنسانية» توثّق الحشد العسكري لقوات الدعم السريع واستعداداتها لاجتياح المدينة. وحذّر مسؤولون أمريكيون كبار إدارة بايدن من أن الفاشر تواجه خطرًا وشيكًا. ودعا قرارٌ صادر عن مجلس الأمن عام 2024 إلى إنهاء الحصار. لكن شيئًا من ذلك لم يمنع خنق المدينة.
وأوضحُ تعبير عن هذا الفشل في تحويل المعلومات إلى فعل ظهر في أكتوبر 2025، حين استضافت واشنطن محادثات شارك فيها مسؤولون من الحكومة السودانية ومن قوات الدعم السريع. وبعد أيام قليلة فقط من تلك المناقشات، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر وبدأت المجازر التي وثّقتها الأمم المتحدة الآن. لم تمنع تلك المحادثات الكارثة. لقد وفّرت غطاء سياسيا بينما كانت تتكشف. ثم جاءت الدعوات اللاحقة إلى هدنة من دون أي اعتراف بسبب إخفاقها في منع الهجوم.
هذا الصمت يعكس تراتبية في الأولويات. فقد جرى وضع العلاقات الاستراتيجية مع الدولة المتورطة في هذه الأحداث فوق حماية المدنيين في السودان.
أجرت تحقيقات متعددة، بما في ذلك تقارير خبراء أمميين جرى تسريبها، إثارةَ مخاوف جدّية بشأن دور دولة عربية في إبقاء قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار عبر تحويلات السلاح، وشبكات الإسناد اللوجستي، وقنوات التمويل. وحين باتت طرق الإمداد عبر ليبيا وتشاد مكشوفة على نطاق واسع، يُقال إن ممرات بديلة برزت عبر بونتلاند في الصومال وعبر إثيوبيا. كما عزّزت الأسلحة المتقدمة والطائرات المسيّرة والمرتزقة الأجانب قوة الدعم السريع. وفي اللحظة ذاتها التي كانت القوات المسلحة السودانية قد استعادت الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار، بما خلق فرصة ضيقة لكنها حقيقية لخفض التصعيد، تصاعد دعم تلك الدولة لقوات الدعم السريع.
ومع ذلك، تواصل الحكومات الغربية التعامل معها بوصفها وسيطًا. فـ«الرباعية السودانية»، التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، تقدّم نفسها آلية دبلوماسية لصنع السلام. لكنها عمليا تُؤسّس تناقضا؛ فعندما يُجلَس على مقعد الوساطة طرفٌ تُوجَّه إليه على نطاق واسع اتهاماتٌ بتسليح أحد المتحاربين، تتحول الوساطة إلى مسرح، ويغدو الانخراط بديلا عن المساءلة.
وانتقلت الخلافات بين بعض الدول العربية إلى ساحة القتال في السودان لتصبح أرضها لساحة تصفية الحسابات ضمن منافسة البحر الأحمر. فعاصمة تقارب الصراع من زاوية سلطة الدولة والاستقرار الإقليمي، بينما اتبعت عاصمة أخرى استراتيجية هجومية ترتكز على الموانئ والذهب ورعاية الميليشيات. وبدل مواجهة هذا التباين، اختارت واشنطن ولندن سياسة التوازن، حرصًا على عدم تنفير أي من حلفائها.
وقد تُرجم ذلك الحذر إلى صمت صارخ. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي وأمام مجلس الأمن، عبّرت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عن قلقها على المدنيين السودانيين وعلى النساء اللاتي يتعرضن للعنف الجنسي. لكنها لم تُقرّ بالادعاءات التي تتهم دولا بعينها بدعمها لقوات الدعم السريع، واكتفت بالقول إن «نحو اثنتي عشرة دولة» متورطة في تحويلات السلاح. وكانت النتيجة تشتيت المسؤولية في اللحظة التي كان مطلوبا فيها الوضوح.
وسار مستشار دونالد ترامب، مسعد بولس، على النص ذاته. ففي إحاطته لمجلس الأمن أمس، تجنّب تناول الحجم الموثّق لدول الدعم، وركّز بدلا من ذلك على التهديد الذي يشكّله الإسلاميون وفلول النظام السابق داخل الجيش السوداني. قد تكون تلك المخاوف مريحة سياسيا، لكنها لا تفسر حملة الدعم السريع في دارفور.
بهذه الاستراتيجية الملتفّة تُحمى التحالفات، لكن المدنيين لا يُحمَون. والنتيجة شللٌ يُقدَّم في هيئة دبلوماسية.
كثيرًا ما يستدعي المسؤولون الغربيون لغة المساءلة، فيما يظلون متخبطين في تحويلها إلى فعل. لقد أخفق نموذج «بناء السلام الليبرالي» الذي يفضّل الفاعلين المسلحين والصفقات النخبوية في السودان من قبل. فهو يعامل الجنرالات وقادة الميليشيات باعتبارهم أصحاب مصلحة لا غنى عنهم، ويُحيل المدنيين إلى دور المتفرجين. وعندما يُعامل المجتمع الدولي قوات الدعم السريع كمحاور سياسي شرعي، بدل النظر إليها كما هي: تنظيمًا مسلحًا متورطًا في فظائع جماعية ومسنودًا برعاية خارجية، فإنه يمنح العنف شرعية بوصفه طريقا إلى الاعتراف. وإذا كان للفاشر أن تعني شيئًا، فلا بد أن يتغير هذا النهج.
أولا، موّلوا الناس الذين يُبقون السودان حيًا. وجّهوا الموارد مباشرةً إلى شبكات المدنيين السودانيين، مثل لجان المقاومة، وغرف الاستجابة الطارئة، وشبكات الإسناد الطبي والغذائي التي تعمل خارج معسكري السلاح كليهما.
ثانيًا، سمّوا أطراف الحرب بأسمائها. يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة أن تُقِرّ صراحةً بدور الدولة/ الدول التي تبقي قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار، وأن تتعامل معها بوصفها طرفا محاربًا لا وسيطا. وهذا يعني فرض عقوبات لا على الأفراد فقط، بل أيضًا على الشركات، وقنوات التمويل، ومسارات النقل المتورطة في تحويلات السلاح والإسناد اللوجستي لقوات الدعم السريع.
ثالثًا، أرسوا مساءلة حقيقية. فأي وقف لإطلاق النار أو مسار سياسي يفتقر إلى مراقبة مستقلة، وحماية مدنية قابلة للإنفاذ، وعواقب تلقائية للانتهاكات، لن يكون سوى غطاء لإعادة التسلح.
لا يمكن بناء السلام على الصفقات النخبوية ذاتها التي انهارت مرارًا. ومن دون مواجهة المُمكّنين الخارجيين لهذه الحرب، تتحول الدبلوماسية إلى مسرح، وتغدو المساءلة شعارًا. لقد كشفت الفاشر بالفعل كلفة ذلك الوهم.
حسام محجوب هو أحد مؤسسي «سودان بكرة»، وهي قناة تلفزيونية سودانية مستقلة غير ربحية.
عن الجارديان البريطانية