بماذا يذكرك الحب؟ بالوحدة! بماذا تذكرك الوحدة؟ بالحب! يشغلنا المفقود عن الموجود في دوامة لا تنتهي ولا نستطيع معها الإجابة عن السؤال الذي كُتب على الإنسان أن يواجهه دون سائر المخلوقات: ماذا أريد؟ سنظل نعرِّف الأشياء بأضدادها، كأن نرضى بتعريف الحب نفيًا للوحدة، متناسين أن أقسى حالات الوحدة هي الوحدة التي تعشعش في قلب تجربة الحب نفسها.
وحده الحب يذكرنا كم كنّا وحيدين ومقطوعين من قبله. إنه العارض الاستثنائي الذي يأخذنا في نزهة قصيرة خارج حدود أنفسنا كي يعيدنا إليها، فندرك بأننا وحيدون في الأصل، وأن وحدتنا هي المُنتهى. لا بدَّ من الاعتراف بما ارتُكب من خطأ تراكم حين علقنا على الحب آمالًا كبيرة وعدنا بها الرومانسيون، فلم يعد الحب قادرًا على الإيفاء بشروط صورته ومعايير وصفه. ويبدو أن النفي المطلق لإحساسنا الوجودي بالوحدة هو أول تلك الوعود التي يفشل الحب في الإيفاء بها. سنصاب بالخيبة حين ندرك، عاجلًا أم آجلًا، بأن الحب لا يشفي الوحدة كما نحلم به دائمًا، بل إنه قد يعمّق الإحساس بها. ثمة فجوة لا يستطيع الحب ردمها بين الشخص آخره، وفراغ موحش في مكان قصي من القلب لا تطوله يد المحب. ربما عبَّر رولان بارت عن هذا القصد بدقة حين كتب أن «الحياة تتكون من تلك اللحظات الصغيرة من الشعور بالوحدة»؛ وكأن ما هو خارج تلك الوحدة محضُ نزهة في حُلم.
يذكرنا انتشاؤنا في ظلال الحب بحرمان قديم، لا ندري متى بدأ، لكنه شكَّل هوياتنا وبعث فينا ذاك النزوع الضاري للاقتراب من الآخرين، رغبةً في الحب والتواصل العميق، أو رغبة في الانكشاف فحسب، كي نشعر بأننا مرئيون، أن نستمتع بشيء من الانتباه الذي يذكرنا بأن حركة أجسادنا تقع ضمن مجال رؤية الغرباء. ولذا تبدو الوحدة مهينة، نخجل من الاعتراف بها، نؤجلها ونلهيها مؤقتًا، وندفنها بمسكنات العمل والشقاء اليومي. ذلك لأنها مصدر دائم للخجل، لأن الشعور بالفقر والحاجة هو الذي يحركها، ولأن حاجتنا التي ننشدها، قِطعتنا الناقصة، تكمن عند الآخر النقيض الذي لا خيار لنا سوى أن نذهب إليه فنطرق الباب بكل تواضع، في الوقت الذي يرفع فيه الناس شعارات من قبيل حب النفس والاكتفاء بالذات، وشعار «أنا أولًا» على طريقة دونالد ترامب وهو ينادي في الانتخابات الأمريكية: «أمريكا أولًا». وليس هذا الربط من باب السخرية فحسب، فالمؤكد أن مقولات «حب الذات» الرائجة لا تختلف عن الشعارات الإيديولوجية الفارغة حينما نفحص معانيها بتمعن، بل إنها تأخذ طابعًا فاشيًا في كثير من الأحيان، عدوانيًا تجاه المجتمع والغرباء.
لا مفر من الاعتراف بأن الحب في جوهره اعتراف بالحاجة والضعف. إنه الاستسلام بمنطق قادة الجيوش. ألهذا السبب ندخلُ الحب كمن يدخل حربًا؟ ندخله متحسسين متوجسين من هزائم سابقة، ونريد أن ننتصر هذه المرة، أو أن ننسحب منه أقوياء بدون خسائر. وفي خضم هذه الملاعبة الماكرة نحاول أن نقنع للآخر كما نقنع أنفسنا بأننا نحبه لذاته، ونسعى لأن نثبت له بكل الوسائل مدى استحقاقه لهذا الحب حين قررنا استثناءه من بين الجميع. مع ذلك، تبدو كل محاولاتنا للتأكيد بأن الحب «قرار سيادي» نابع من إرادة عاقلة ليست سوى طريقة مكشوفة لتبرير ما نخفيه: أننا نلوذ بحرارة الآخر هاربين من برد الوحدة المنبعث من فراغ عميق في الداخل.
لا تاريخ لهذا الحرمان الموغل في القِدم. وفي الجنة أو في الأرض لا يستطيع آدم أن يبقى وحيدًا، فحياته تتشكل عبر الاختلاط بالآخرين والاحتكاك بهم، كما لو أنه في النهاية عصارة علاقاته وعلائقه بالناس بالآخرين. ستعذبه تلك الرغبة اللجوجة في أن يكون موجودًا من خلال اعتراف الآخرين بوجوده. وعليه أن يكتشف في كل مرة بأن الآخر ليس منجاةً من الوحدة، لكنه حيلة جميلة تجعل من وحدتنا العميقة محتملة وقابلة للترويض.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني