إيهاب الملاح -

(1)
بمجرد التنويه بأن مسلسلًا أنتجته إحدى أشهر المنصات العالمية مأخوذا عن رواية للكاتب التركي الشهير أورهان باموق، حظي هذا الإعلان باهتمام كثيرين من محبي الرواية والدراما معا. سبق إنتاج العديد من الأعمال المأخوذة عن روايات عالمية حاز أصحابها على شهرة عارمة، وترجموا إلى أغلب لغات الدنيا، وبعضهم حاز على نوبل في الآداب.
أخيرًا انضم إلى هذه القائمة التركي أورهان باموق، الحاصل على نوبل في الآداب عام 2006، والمعروف جيدا في العالم العربي بعد أن ترجمت أعماله كلها تقريبا إلى العربية (أشهرها وأبرزها كان بتوقيع المترجم السوري الراحل عبد القادر عبداللي).
لم تكن الدراما التركية وحدها هي التي غزت السوق المصرية والعربية خلال العقد الأخير، وربما قبله بقليل، فالأدب التركي عموما، وفي القلب منه "الرواية"، حقق طفرة ملحوظة من حيث التوزيع والانتشار وحجم المقروئية في السوق المصرية، وخاصة في أوساط الشباب في الفترة ذاتها وعلى نطاق واسع..
أشهر الروائيين الأتراك أورهان باموق الذي لم يعرفه القارئ المصري والعربي على نطاق واسع إلا عقب حصوله على جائزة نوبل عام 2006، ومن قبله كانت أسماء ناظم حكمت، عزيز نيسين، ويشار كمال، هي الأبرز والأكثر معرفة في أوساط المتخصصين.
قبل عشر سنوات من الآن، حصلت دار الشروق المصرية على حقوق نشر الترجمة العربية لأعمال الروائي التركي في طبعات مصرية خاصة، بتوقيع المترجم السوري الراحل عبد القادر عبداللي، بل وزادت بنشرها ترجمات لأحدث أعماله صدورا بالتركية آنذاك، غرابة في عقلي التي صدرت في 2014.
من بين أبرز هذه الأعمال التي ترجمت إلى العربية وصدرت عن دار الشروق بين عامي 2016 و2017 روايته المهمة «متحف البراءة»؛ وكان من حظي قراءة هذه الرواية قبل صدورها في مصر بحكم مهامي كمسؤول عن النشر بالدار العريقة خلال تلك الفترة.
(2)
صدرت رواية «متحف البراءة»، بالتركية للمرة الأولى عام 2008، وصدرت ترجمتها الإنجليزية بعدها بعام واحد، وفي عام 2016 صدرت ترجمتها العربية عن دار الشروق المصرية بتوقيع عبد القادر عبداللي.
تتناول الرواية قصة حب مستحيلة تجمع بين كمال الشخصية الرئيسية في الرواية، المنحدِر من الطبقة الأرستقراطية في إسطنبول خلال سبعينيات القرن العشرين (1975)، و"فسون"، الفتاة الفقيرة التي تربطه بها صلة قرابة بعيدة. تتجاوز تفاصيل علاقة الحب الرومانسية حدود الغرام التقليدي، لتكشف حيرة الإنسان بين ثقافة الشرق والغرب، من دون انفصال عن التغيرات الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بإسطنبول في هذا الوقت، وتركت أثرا عميقا حتى في قصص العشاق.
ولعل أورهان باموق في روايته هذه، أراد من خلال سلوك بطله والطبقة التي ينتمى إليها، أن يلقي بمسؤولية ما وصلت إليها البلاد لاحقا، أو ما وصلت إليه مدينة مثل إسطنبول عندما سيفوز بها لاحقا رئيس بلدية من تيار أيديولوجي موجه، على الطبقة الغنية هذه؛ الخراب يعمّ في أكثر من مكان، وإسطنبول اليوم ليست إسطنبول الأمس، الجميع يعرف ذلك.
و«متحف البراءة» مثل الكثير من أعمال باموق، قصيدة مؤثرة تتغنى بإسطنبول من خلال الجوانب المادية العادية جدا مثل عنوان محل، أو زجاجات "ميلتيم" أول ماركة للمشروبات الغازية بطعم الفاكهة في تركيا.
ففي نهاية المطاف "الأدب والفن يقومان على تحويل غرض مألوف إلى أمر غريب وغير اعتيادي" كما يقول باموق نفسه، في تعليق مطول ومثير نشرت ترجمته العربية ملحقة بالرواية.
وتعدّ «متحف البراءة»، في نظر عدد معتبر من النقاد، الأكثر تجريبية من بين رواياته السابقة، خاصة على مستوى الأسلوب، وهي ليست عن قصة حب تراجيدية فقط، لكنها تتحدث عنه وعن ذاكرة مدينته إسطنبول، حيث يسرد فيها قصة تركيا المعاصرة من خلال الحفر في التاريخ، ليعود إلى الماضي العثماني، وعصر كمال أتاتورك، رغم أن أحداث الرواية تبدأ عمليا وفعليا في عام 1975.
(3)
تقدم الرواية أيضًا، بانوراما شاملة للطبقة الثرية التركية في فترة السبعينيات، قد تبدو في نظرتها إلى العالم وعاداتها غريبة ظاهريّا، ولكنها لا تختلف عن نظرة الطبقات الغنية في البلدان العربية.. يقول أورهان باموق في إضاءته الفريدة لهذا النص من بين نصوصه الروائية جميعا:
"لم يكن المتحف هو الهدف الأول من روايتي، بل شرح التعقيد والحالة النفسية والثقافية والإنسانية التي نسميها عشقًا ببرودة أعصاب. لا أريد أن أضع العشق في مكان سامٍ، والقول «يا إلهي ما أجمل هذا الشعور!» كما نفعل في الأغنيات المحبوبة. أريد أن أتحدث عن هذا الشعور باعتباره أمرًا يؤلمنا يحل بنا دون أن نرغب بذلك في أكثر الأحيان، مثل حادث السير تمامًا. «متحف البراءة» -قبل كل شيء- فكرة حول العشق.
نعيش العشق بحسب طبقتنا، وجنسنا، وثقافتنا، وبلدنا، وحتى ديننا. العشق في هذه الرواية هو عشق سيد إسطنبولي في النصف الثاني من القرن العشرين. أثناء كتابتي الرواية كنت أتوقع بأن فكرة القارئ عن العشق أغنى وأعمق من فكرة كمال. بعد نشر الرواية، اشتكى بعض القراء من أنانية كمال، وقالوا إنهم لم يجدوه «شاعريًّا» أو «عاطفيًّا». قراء آخرون سامحوا كمالًا بسبب الآلام التي عانى منها مع تقدم الرواية، حتى إنهم وجدوه «شاعريًّا». وأنا أجد هذين الشعورين صائبين".
الشخصية الرئيسية في هذه الرواية اسمها "كمال"، وكم سئل أورهان باموق عما إذا كانت شخصية "كمال" هذه هي تمثيل لشخصيته الواقعية المرجعية (كم يذكرنا هذا الأمر بنجيب محفوظ وعما إذا كانت شخصية كمال عبد الجواد في ثلاثيته الأشهر بين القصرين، قصر الشوق، السكرية» هي تجسيد وتمثيل لنجيب محفوظ نفسه!!)
يجيب الروائي التركي بوضوح وحسم بالغ:
من السهل قول: «لا، أنا لست كمالًا! إنه بطل أنا نسجته». ولكن الأصعب إقناع القارئ الذي دخل إلى تفاصيل مشاعر كمال الخاصة، وآمن بها بأنني لم أعش هذا الشعور في حياتي. أصلًا الرواية هي مهارة عرض الروائي مشاعره كأنها مشاعر الآخرين، وعرض مشاعر الآخرين كأنها مشاعره. مهما قلت إن كمال شخصية خيالية، أريد من قرائي أن يشعروا بأنني عشت قصة العشق التي كتبها، مثل كل روائي.
أفضل جواب للقراء الذين يسألون: «حسنٌ يا سيد أورهان، أما عشقتم مثل بطل روايتكم، وجمعتم أشياء حبيبتكم؟». أقدّم لهم مدى الغذاء الذي استمده كتابي من الحياة..
(4)
هذه إطلالة سريعة للغاية وموجزة على عالم الرواية وما تصوره وتجسده من شبكة مصائر وعلاقات ومحاولة لربط الظاهر بالخفي، والمعلن بالمسكوت عنه. فماذا عن العمل الدرامي المأخوذ عنه والذي يعرض حاليا على واحدة من كبريات منصات الإنتاج الفني والدرامي العالمية؟
تسع حلقات تشكل في مجموعها التجسيد البصري والمرئي لشخوص وعوالم «متحف البراءة» تبرز إلى أي حد روعة هذا الوسيط المرئي الساحر، إذا كانت المعالجة الدرامية محكمة والصنعة متقنة والفهم العميق والمتمكن للنص الروائي تنعكس على السيناريو والحوار واختيار الوجوه والكاستنج القادر على تجسيدها بحرفية عالية ونقل المشاعر والأحاسيس والالتباسات الداخلية لأبطال الرواية ومن ثم أبطال العمل الدرامي نفسه..
يبدو المسلسل بطبيعة الحال كما الرواية جريئا ومجاوزا لكثير من المساحات الآمنة المسموح بها في التقاليد الشرقية عموما، وفي بلد مثل تركيا تتنازعه هذه التقاليد مع انفتاح الحداثة والاتصال بالغرب،
هذه الإشكالية الكبرى التي لم تجد
لها تركيا والمجتمع التركي حلولا
نهائية قاطعة حتى اللحظة.