لم يكن شهر رمضان يومًا من الأيام شهرًا عاديًا بالنسبة لجموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل كان منذ الأزل شهرًا استثنائيًا يجمع الناس على حبه ولحمة إيمانية، وتمني طول أيامه ولياليه.
شهر يجمع المسلمين تحت مظلة واحدة، وفي وقته الإيماني العظيم، شهر تجلّت فيه الأشياء الروحانية، وتتخلص النفوس من أمراضها وشهواتها وملذاتها. فهو الشهر الذي يربط القلوب المؤمنة بالله تعالى "صوما وعبادة وتقربًا" إليه سبحانه، سواء بأداء الواجبات المفروضة والعبادات والصلوات، أو بالقيام بالأعمال الصالحة الخالصة لوجهه تعالى. لهذا بقي رمضان شهرًا مختلفًا عن بقية الشهور الهجرية الأخرى.
ففي رمضان مكارم عديدة وأحداث سطرها التاريخ الإسلامي، وعلى الرغم من أن رمضان في بعض السنوات يأتي في ظروف مناخية شديدة، إلا أن المسلمين يجاهدون ويحرصون على صيامهم وتحمل المشقة فيه. لهذا جعل الله منزلة عظيمة للصائمين في الأرض والسماء.
لقد أثر هذا الشهر الفضيل في حياة الأسرة المسلمة وبقي راسخًا في أذهان الناس جيلًا بعد جيل، ولن يمحو الزمن من ذاكرتهم فضائله وذكرياتهم معه على امتداد الأيام وانقضاء السنون.
إن شهر رمضان له مسميات كثيرة عند المسلمين، فهو شهر الصدقات، والقيام بالواجبات الدينية، وفيه يضاعف الله تعالى الأجر والثواب للصائمين. لهذا يجتهد المؤمن قدر استطاعته في اغتنام أيامه بالصيام نهارًا، ولياليه بالصلاة والقيام والتهجد. ويقول عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وقال أيضًا: «الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام يقول الله: الصيام لي وأنا أجزي به».
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
إن قدوم شهر رمضان الفضيل يحمل معه فرحة غامرة ننتظرها نحن معشر المسلمين من عام إلى آخر. فهو ليس مجرد شهر نمتنع فيه نهارًا عن الملذات الدنيوية كالمأكل والمشرب وغيرها من العادات اليومية، بل مناسبة مميزة تجمع فيها العائلة، وتعزز فيه أيامه ولياليه الروحانية التي تزيد القلوب محبة لله والناس. ولكن ما سر هذا الحب الكبير لشهر رمضان دون سواه؟
ورد في السيرة النبوية الشريفة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه، يقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرم" رواه أحمد والنسائي.
الحقيقة أن محبة الناس لشهر رمضان كبيرة للغاية، فهو شهر عبادة استثنائي، والأثر النبوي فيه يعلو بالهمة والانقياد نحو التمسك بالجانب الإيماني الممتد منذ بعثة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. ومنذ عقود طويلة أصبح هذا الشهر الفضيل استثنائيًا لدى جموع المسلمين في كل مكان، شهر ينبغي أن تنعقد لنا مع الله صلة متينة جدًا، ولا سيما في الصلوات الخمس وما فيها من خشوع، وفي التراويح والنوافل. إذن هو شهر الإنفاق، وقراءة القرآن، وصلة الرحم والتواصل مع الآخرين، شهر العطاء وأداء الزكاة.
شهر تتجلى فيه جبر الخواطر والإحساس بالمحتاجين، فرمضان شهر تتغير فيه عاداتنا للأفضل، ونجاهد في تصرفاتنا لإرضاء الله سبحانه وتعالى.
كما أن الصيام سيشفع لصاحبه، فقد روى عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان) رواه الإمام أحمد والحاكم.
في شهر رمضان الفضيل، يستوجب على المؤمن أن يحذر محارم الله. نعلم أن المعاصي محرمة في كل وقت وفي كل مكان، لكن في هذا الشهر يجب أن يكون الحذر منها أكثر وواجبًا، وأن يجتهد المؤمن في صيامه وحفظ نفسه من سائر المعاصي، سواء من الغيبة والنميمة، والظلم للناس، والتعدي عليهم في أي شيء من أموالهم أو أنفسهم، وفي غير هذا من المعاصي والذنوب التي تقلل من الأجر والثواب عند الله تعالى.