من منا لا يختزن في ذاكرته أشياء «نادرة»، تظهر مدى العلاقة التي تربطه بشهر العبادات والتوبة والغفران؟ هذه العلاقة الوطيدة تمتد جذورها لسنوات طويلة، ورغم قدمها، إلا أنها بقيت جزءًا مهمًا في التكوين الفكري والعقائدي لشخصية الإنسان المسلم مع شهر رمضان الفضيل.

هذه العلاقة التاريخية هي التي وضعت أقدامنا على الطريق الصحيح، خاصة وأنها بدأت معنا منذ الصفوف الأولى من الدراسة الابتدائية، وبقيت الذاكرة محتفظة بأول يوم صمناه في شهر رمضان.

البعض كان الصوم شاقًا عليه، فكان يؤجل فكرة الصوم من عام إلى آخر، والبعض الآخر فشلت تجربته مع الصيام ولم يستطع إكمال يومه الأول، واكتفى بوجبة خفيفة أو بجرعات ماء قليلة ارتشفها في الخفاء حتى تبقيه قويًا صائمًا، ثم أوهم من حوله بأنه لا يزال ممسكًا على صيامه، يظهر تماسكه حتى أذان المغرب.

وبعض الأطفال كانوا يجاهدون رغبتهم في الإفطار وكأن الوقت لا يمر بجانبهم بسهولة، إلا أنهم ظلوا محافظين على صيامهم حتى آخر لحظة من زمن الصيام، ولذلك كانت فرحتهم بهذا الإنجاز عظيمة؛ لأنهم تجاوزوا حدود الساعات التي يتم فيها الإمساك عن الطعام والشراب.

بالمقابل، بعض الأطفال كانوا يتبارون فيما بينهم على من يستطيع صيام أكثر أيام الشهر الفضيل، بعضهم يصوم يومين ويفطر ثلاثة، وغيرهم يصوم خمسة أيام ويفطر يومًا، وهذه التفرقة العددية ما بين الأطفال تأتي من قوة أجسادهم وقدرتهم على تحمل الجوع والعطش، خاصة وأن رمضان في الزمن السابق كان يأتي في أشهر الصيف الساخنة.

أحد الزملاء ذكر لي مرة بأن من بين ذكرياته مع أول صيام له في مرحلة الطفولة أنه كان يعتقد بأن شرب «القليل من الماء لا يفطر، وأكل القليل من الطعام لا يفطر»! لكنه سرعان ما علم في وقت لاحق بأن ذلك الصيام في تلك الفترة كان عبارة عن تدريب عملي على تحمل مشقة الصيام، وأيضًا تهيئة النفس الطفولية على الصوم من مرحلة الصغر لكي يتعود الطفل على صوم رمضان في مراحل أخرى من عمره.

صديق آخر يعود بذاكرته إلى الوراء ليؤكد لي بأن فرحته مع إخوانه لا توصف، خصوصًا في مرحلة عمرية صغيرة عندما ينهون يومًا كاملًا من صيام شهر رمضان، وأشار إلى أن الحياة في تلك الفترة لم تكن منفتحة كما هو الحال الآن، بل كانت محدودة النطاق سواء في المأكل أو المشرب، وحتى سبل الترفيه الأخرى كانت غائبة عنهم.

لكنه أكد على أن رمضان في الماضي له مذاق خاص، تحديدًا في مرحلة الطفولة، فالجميع كان يفرح بقدومه كبارًا وصغارًا، أما الأطفال فكانت فرحتهم مضاعفة؛ لأنهم كانوا يعلمون بأنهم سيأكلون «ما لذ وطاب» في الإفطار، فكانوا يحرصون أن يكونوا أول الحضور على المائدة الرمضانية وآخر من يغادرها.

في الماضي كان أطفال القرى يعيشون في أجواء اجتماعية متقاربة، تجدهم يلهون كثيرًا بين «ردهات الأزقة والحواري» لأن البيوت متقاربة مع بعضها، بل متلاصقة، لهذا كان الناس يعيشون وكأنهم أسرة واحدة.

عندما يبدأ شهر رمضان الفضيل، تعج المساجد بالأطفال المصلين رغم أنهم يحدثون نوعًا من الإزعاج للكبار بعدم التزامهم بآداب الصلاة وارتفاع أصواتهم وضحكاتهم، إلا أن خروجهم من المسجد يشعرهم بالسعادة.

الصغار كانوا رسل السلام قبل أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب، حيث جرت العادة في شهر رمضان أن تقوم العائلات بتبادل الأطعمة بين الجيران، فكانت الجارة ترسل لجارتها ما تيسر من الطعام، وفي اليوم التالي ترد الجارة نفس «الأواني» مليئة بالأطعمة، ولم تكن ترد فارغة أبدًا، وللأسف اندثرت هذه العادة الجميلة مع انتقال الناس من «القرى» إلى المخططات السكنية الحديثة.

ومن الذكريات التي لا تُنسى أن الأطباق التي تحط على سفرة في شهر رمضان كانت من طبخ «الأمهات»، فلم تكن مطاعم الوجبات السريعة منتشرة كما هو الحال الآن، وأيضًا أصبح الاعتماد على عاملات المنازل في إعداد الوجبات سواء في رمضان وغيره.

لست أخفي سرًّا على أحد إن قلت إن رمضان في الماضي كانت له «نكهة خاصة»، لكنها اختلفت عن الحاضر، حتى إن القلوب التي كانت تتآلف سابقًا لم تعد الآن كما كانت، رغم أن الماضي كان يعج بالتحديات والصعوبات، ورمضان كان يشتد على الصائمين.