يقول الله تعالى في سورة البقرة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) صدق الله العظيم.

هبّت علينا نسمات عطر شهر الصيام، وارتوت قلوبنا بأصوات مقرئي القرآن، وأُقيمت الصلوات في المساجد والجوامع، وعمّت البركات بقدوم الشهر الفضيل الذي جعله الله منارة خير للمسلمين وراحة لنفوسهم، وبركة في رزقهم وأعمارهم.

ففي أيام شهر رمضان تتجلى النفحات الإيمانية في شتى صورها، وتزهر منابع الخير في نهاره ولياليه، شهرٌ أنزل فيه المولى عز وجل كتابه العزيز ليكون شاهدًا لنا وعلينا، فرمضان شهر «العبادة والتوبة والغفران للذنوب».. هذا الشهر الذي سُمي بشهر «اللطف» لأنه جاء محمّلًا بلطف الله تعالى علينا بعد شهور حافلة بالكثير والكثير من الهزات النفسية والصراعات الدنيوية، والعلل الجسدية، وإرهاصات التعب والانشغال الدائم بتفاصيل حياتية كثيرة أبعدتنا في بعض الأحيان عن التقرب من الله تعالى بالأعمال الصالحات وأداء الواجبات المفروضة علينا.

إذن رمضان هو محطة استراحة نفسية، ليس للفرد فحسب، وإنما أيضًا لعائلته سواء كانوا صغارًا أو كبارًا، إضافة إلى كونه فرصة مهمة لمراجعة الذات، واستذكارا للدروس التي انقضت سريعًا من أيام السنة، فرمضان هو روح الإنسانية التي نتوقف عندها لنستريح مما نحمله فوق ظهورنا من ذنوب وأوزار نجنيها في دنيانا، ثم نعرج بها يوم أن يسترد الله أمانته إلى السماء فيحاسبنا المولى تعالى عليها.

كم تحدث الناس عن هذا الشهر الفضيل الذي تهطل فيه الخيرات وتسعد بقدومه قلوب العباد، يأتي إلينا في كل عام كأنه السيل الذي جاء ليغسل قلوبنا من رجس الشيطان، وينفض عن ذواتنا غبار الهموم التي علقت في أذهاننا نتيجة تفاعلنا اليومي مع الحياة، وانغماسنا الدائم في درجاتها ودركاتها ومشاغلها التي لا تنقضي.

لقد جاء رمضان ليعيد ضبط إيقاع الحياة إلى وزنها الصحيح، جاء بعد شهور العام الممتلئة بالصخب، والتشتت، والعناء الروحي الذي لا ينفض أبدًا إلا بخروج الأرواح وعودتها إلى خالقها سبحانه.

يدعونا أحد السلف الصالح إلى أمر مهم فيقول: (رمضان فرصة لتغير النفس، فاجعل قلبك مصحفًا، ولسانك رطبًا بذكر الله).

في شهر «اللطف» تتهيأ النفوس لتستقر في فضاءات روحانية سامية، تحلق وكأن لها أجنحة بيضاء تعينها على الصعود نحو السماء، تنسلخ عن كل ما هو دنيوي فانٍ، تسافر نحو الهدف الحقيقي والباقي والخالد، وهو عبادة الله وحده، والتفرغ لجني الحسنات التي تعيد الإنسان إلى رشده الصحيح.

إن نفحات إيمانية تحيط بنا في شهر الرحمات والبركات، وهي ما تُحدث في حياتنا الكثير من التغيرات النفسية والتحولات الجذرية التي تخبرنا بروعة الخالق سبحانه على مدى شهر كامل.

ثلاثون يومًا تأتي وتنقضي من أعمارنا وكأنها ضوء «لازوردي» جميل يستشعر المسلمون خلالها بعظمة هذا الدين الحنيف، ويشعرون بأنهم محاطون بشريط من اللطف الرباني، والقرب الخفي الذي يجعل الأرواح تفيض دمعًا وشوقًا لمثل هذه الأيام العظيمة. إنه إحساس إيماني تدخل فيه النفوس وهي تمارس العبادات والصلوات والطاعات، ومنها صوم رمضان الذي يذكر الإنسان بطهر النفس من مشابك الدنيا وزينتها الفانية.

إن هذه الأيام المباركة التي نحن فيها هي فرصة أمام الإنسان المؤمن ليغرف من حوض الحسنات، والتي هي كنوز سماوية تستحق أن يشمر كل مسلم عن ساعده ليفوز بمغفرة وعفو اللطيف الخبير.

وهنا نستذكر شيئًا جميلًا قيل في شهر اللطف على لسان أحد الصالحين حينما يقول: (لا أعرف غير الصيام فريضة توسع الصدر وتقوي الإرادة وتزيل أسباب الهم وتعلو بصاحبها إلى أعلى المنازل، فيكبر المرء في عين نفسه ويصغر حينها كل شيء في عينه). ويقال أيضًا في رحاب وأيام الشهر الفضيل: (إن الصيام حالة من السمو الروحي لا يبلغها إلا من يتأمل في حكمة الله من وراء هذه الفريضة).

ولهذا فنحن نعيش في فيض نفحات شهر الخيرات والرحمات، وحريٌّ بنا أن نغتنم أيامه لنكون من كوكبة الصائمين والفائزين برحمة الله تعالى ومغفرته.