يرحل، لا كي نطوي الصفحة الأخيرة، بل لتفتح الكتاب من البدء، من هناك أزمنة وأمكنة، للتعرّف العميق على إبداعه، بل هي مناسبة أيضا لإعادة النظر في رؤية تاريخ السينما العربية، وليس أفلام داود عبد السيّد فقط. ثمة ارتباط ما بين إبداعاته، وما بين من مضوا قبله ومعه من رفاق درب السينما الجديدة بعد هزيمة عام 1967.
يرحل داود عبد السيّد بعدما أنار وجداننا وفكرنا بما استخلصه من رؤى، من سفره في عالم النفوس، في رحلتها في ظل التحولات التي تمرّ فيها وما زالت.


اختار عبد السيّد الواقعية الجديدة وسنأتي على تفسيرها بعد أسطر، ولكنه في الوقت نفسه، اختار واقعيته الوجودية التي تأخذ المعنى الإنساني الى آخر مدى، حتى لو كان المدى ساخرًا حد البكاء، كما في المشهد الأكثر عمقا في السينما العربية والعالمية، حين اكتشف "الشيخ الأعمى" في فيلم "الكيت كات" أن دليله في بحر النيل أعمى مثله.


كانت صدمة هزيمة عام 1967 قاسية علينا جميعا، وما زالت تلقي بظلالها حتى اليوم وغدا، باعتبار أن نتيجتها ما زالت واقعة، من احتلال وتخريب للنسيج العربي اجتماعيا واقتصاديا، لكنها كانت أكثر تأثيرا على فئة الشباب، ومنهم بالطبع الفنانون، وبخاصة من اختاروا العمل في السينما والمسرح اللذين لهما جمهور واسع، فكان سينمائيو جماعة السينما الجديدة" التي ظهرت كحركة سينمائية أواخر الستينيات، من أعمار مختلفة، مثل: صلاح أبو سيف، وعلي بدرخان، ومحمد خان، وداود عبد السيد، وخيري بشارة. وكان منهم المخرج الفلسطيني المرحوم غالب شعث الذي أخرج فيلمه الوحيد "الظلال على الجانب الآخر" عام 1974. ولعل مخرجي الواقعية الجديدة هم امتداد للفكرة، مثل داود عبد السيّد ومحمد خان وخيري بشارة وعاطف الطيب.


ولذلك، ونتيجة لتكوينه الفكريّ، وشخصيته المستقلة المرتبطة بصدمة الهزيمة، فقد آثر ترك عمله كمخرج مساعد لكمال الشيخ ويوسف شاهين، وهما من كبار المخرجين طبعا، ليخرج أفلامه التي تعبّر عنه وعن جيله.
بدأ عبد السيّد أفلامه عام 1985 بفيلم "الصعاليك" الذي رصد التحولات الاجتماعية التي خلخلت الطبقة الوسطة في مصر بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي، كاشفا منذ البدء عن شخصيته النقدية سياسيا واقتصاديا، وعدم الركون الى الحياد تجاه قضايا مجتمعه، طلبا للراحة، والبعد عن ملاحظات الرقابة على المصنفات الفنية.


كنت في السنة الجامعية الثالثة، حين قدّم أهم أعماله، (حسب مقابلة معه أجرتها جزيل خوري) ألا وهو الفيلم الشهير "الكيت كات" عام 1991، والذي كان عن نصّ رواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان. وقد كان هذا الفيلم بمثابة هوية له، بل إن اختياره لرواية أصلان، وهو روائي يحلّق خارج السرب في مضامينه الناقدة لمنظومة المجتمع، يدلّ على أن اتجاهه هنا ينبع عن شغف ورسالة معا. ثم ليتوقف عبد السيّد سنوات، حتى نشاهد فيلم "أرض الخوف" عام 1999 الذي ما زلنا حتى الآن نكرر مشاهدته، لما يوحي به فكر فلسفي عن دور الانسان واختياراته. لقد كان لقاء المخرج داود عبد السيّد في "أرض الخوف" مع الكاتب هاني فوزي، الذي كتب قصة الفيلم المثير "بحب السيما" الذي أخرجه أسامة فوزي عام 2004، ما يؤشّر على ما اختطه داود عبد السيّد من واقعيته المميزة، ألا وهي الواقعية الوجودية، التي بالرغم من واقعيتها وما تتضمن من نقد للمنظومة، إلّا أنها تتجاوز ذلك الى ما وراء الواقع، أي عن وجودية الإنسان في هذا العالم. لعله تحدي الإنسان في اشتباكه الأزلي مع اختياراته.


أما فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" الذي ظهر عام 2001، فهو لا يصوّر تحديّات انهيار العقد الاجتماعي للمجتمع، بل يحذّر من استمرارها كنتاج مقلق لتراكم التحولات التي بدأت منذ منتصف السبعينيات، بمعنى أن الفيلم بشكل ما هو توثيق ضميريّ للحظته، باتجاه الانعتاق.
ثم ليفاجئنا عبد السيّد بعد 9 سنوات بواحد من أهم أفلامه، بل لعله من أهم الأفلام العربية، ألا وهو فيلم "رسائل البحر" عام 2010 الذي لا نملّ من تكرار مشاهدته، الذي قدّم فيه مدينة الإسكندرية، (والمجتمعين المصري والعربي بشكل عام) في ظل طغيان النهج الاجتماعي-الاقتصادي والثقافي المحدود والمتقوقع على مصالحه الشخصية، كأنه بكائية لما كان من تنوع خصب ومزدهر.
ولعنا نعقد مقارنة بين هذا الفيلم وفيلم "أيس كريم في جليم" لرفيق دربه الأستاذ المخرج خيري بشارة، والذي كانت مقدمة الفيلم رثاء للزمن الجميل.
ثم ليختتم المخرج المبدع أفلامه بفيلم "قدرات عير عادية" عام 2015، والذي يشكّل دعوة لاكتشاف قدراتنا الكامنة فينا نحن الناس العاديين.


بالرغم من معرفة المجتمع السينمائي للمخرج الراحل داود عبد السيّد، إلا أنه صار يعرف على صعيد واسع بعد فيلمه الثاني الشهير "الكيت كات" والذي نال فيه جائزة مهرجان دمشق السينمائي عام 1991. كان في قمة نضجه الفكري والسينمائي، لذلك فإن كل ما قدّمه كان ملفتا للنظر.
لذلك كان اختيار ثلاثة من أفلامه (الكيت كات، أرض الخوف، رسائل البحر) ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي، هو تتويج لهذا النضج الإنساني والاحتراف الفني معًا.
كتب عبد السيّد كل أفلامه، باستثناء كما قلنا فيلمي "الكيت كات" عن مالك الحزين لإبراهيم أصلان و"أرض الخوف" لهاني فوزي، لما لاقى فيهما من مضمون يتفق مع رؤيته الواقعية الوجودية.


إنها خلود الروائع التي تستحق فعلا، والتي لم تؤثّر فيمن سبقونا وبنا نحن، بل سيمتد تأثيرها، لنبدأ دوما؛ فدوما هناك مجال للبدء من جديد، للنفض غبار ما نحن فيه، لتعزيز الفن السامي الذي يسمو بنا، فنرتقي فكريا ونحن نسعى لإعادة البهاء، كون الارتقاء هو مفتاح الخلاص الجمعي.
كان الأمل اللقاء به في القاهرة، ولكن كان ظرفه صعبا أول الخريف، وها هو يمضي في هذا الشتاء، بعد أن قدّم للسينما العربية والعالمية أهم الأفلام.