ترجمة: بدر بن خميس الظفري
اجتمع دبلوماسيون في واشنطن مطلع هذا الشهر لحشد التمويل الإنساني للسودان، وفي الوقت الذي أعلنت فيه المملكة المتحدة عن عقوبات جديدة تهدف إلى تفكيك «آلة الحرب» السودانية.
وهنا يبرز تناقض سافر، فالتحرك الدولي يتسارع على الورق، لكن على أرض الواقع، لا تزال جهود حماية المدنيين وإعادة الإعمار متأخرة بشكل كبير.
يعود ملايين المدنيين السودانيين إلى مدن مدمرة بلا كهرباء ولا مستشفيات ولا خدمات عامة. إن العالم ناجح في عقاب المتحاربين، لكنه لا يحسن حماية الناجين.
وبعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تخاطر السياسة العالمية تجاه السودان بالخلط بين الإشارات الأخلاقية والاستراتيجية العملياتية.
فمن جهة تظهر حزم العقوبات الجديدة وتعهدات المانحين التزاما سياسيا، لكن الكارثة الإنسانية، من جهة أخرى، لا تزال تتفاقم، كاشفة عن فجوة متزايدة الاتساع بين النشاط الدبلوماسي والواقع المدني.
تستهدف العقوبات التي أعلنتها المملكة المتحدة مؤخرا أفرادا متهمين بدعم اقتصاد الصراع في السودان وتمكين العمليات العسكرية. وقد وصف المسؤولون البريطانيون هذه الإجراءات بأنها محاولة لإضعاف الهياكل المالية التي تدعم العنف والإفلات من العقاب.
وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع إطلاق الولايات المتحدة «فعالية دعوة صندوق السودان الإنساني للعمل» في واشنطن، بهدف حشد التزامات المانحين، وتنسيق جهود الوكالات الدولية، وتعزيز آليات الاستجابة الإنسانية للأزمة المتفاقمة في السودان.
ويجسد هذان التطوران معا المسار المزدوج الذي يشكل الاستجابة الدولية وهما: توسيع نطاق العقوبات من جهة، وزيادة التعهدات الإنسانية من جهة أخرى.
إلا أن أيا من المبادرتين، على الأقل بصيغتها الحالية، لا يعالج الفراغ العملياتي الأساسي، وهو إطار عمل متماسك وقابل للتنفيذ لحماية المدنيين، وعودتهم الآمنة، وإعادة بناء البنية التحتية.
إن السودان لا يزال يمثل أكبر أزمة نزوح في العالم، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة، حيث أجبر ملايين الأشخاص على الفرار من ديارهم منذ بدء الحرب. لكن هناك اتجاه مغفل عنه، وهو النطاق الهائل لحركات العودة.
تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين سوداني عادوا إلى مناطق تشمل ولاية الخرطوم والجزيرة وأجزاء من دارفور، ليس لتحسن الوضع الأمني، بل لأن النزوح أصبح غير مستدام اقتصاديا واجتماعيا، فالعائدون يجدون أنفسهم في ظل أنظمة منهارة.
وبحسب اليونيسف، أكثر من 70% من المرافق الصحية معطلة، بينما لا يزال ملايين الأطفال خارج المدارس، وقد دمرت أو نهبت البنية التحتية الحيوية للمياه.
في الخرطوم، التي كانت يوما ما المركز الإداري والاقتصادي للسودان، تضررت شبكات الكهرباء والجامعات والمستشفيات وشبكات المياه بشكل كبير.
الأسواق تعمل بشكل غير منتظم، والإدارة العامة مشتتة، والوضع الأمني المحلي لا يزال متقلبا.
إن العودة دون إعادة إعمار لا تمثل تعافيا، بل هي جزء من حلقة مفرغة من النزوح، حيث تغادر العائلات، ثم تعود بدافع اليأس، وتجبر على الفرار مرة أخرى عندما تصبح الظروف لا تطاق.
وتعزز العقوبات البريطانية الجديدة هذا النمط المألوف، فأدوات المساءلة تتوسع باستمرار من خلال قرارات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تستهدف القادة والشبكات المالية والمتهمين بارتكاب فظائع.
هذه الإجراءات -المتمثلة في تسمية الجناة وتقييد حرية التنقل المالي- مهمة، لكن العقوبات وحدها لا تكفي لإعادة بناء شبكات المياه، أو إعادة فتح المستشفيات، أو تأمين الأحياء.
لا يقتصر عمل الجهات المسلحة في السودان على الوصول إلى الخدمات المصرفية الغربية فحسب، بل تعمل من خلال شبكات المحسوبية الإقليمية، وطرق التجارة غير المشروعة، وأسواق الذهب، وقنوات مالية بديلة.
يمكن للعقوبات أن تسهم في المساءلة طويلة الأمد وعزل النخب، لكن قدرتها على المدى القصير على تغيير سلوكيات ساحة المعركة أو حماية المدنيين العائدين لا تزال محدودة.
وبدون آليات إنفاذ مرتبطة بالامتثال لوقف إطلاق النار، وضمانات وصول المساعدات الإنسانية، وأنظمة مراقبة المدنيين، تصبح العقوبات أداة شكلية تشير إلى الإدانة دون إحداث تغيير ملموس في البيئة التي يعيش فيها المدنيون.
ولذلك فإن مبادرة صندوق واشنطن الإنساني تعكس إدراكا لضرورة توسيع نطاق تمويل الإغاثة بشكل عاجل.
وإذا ما صممت بفعالية، يمكن لتنسيق مشاركة المانحين أن يدعم استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، وتعزيز آليات حماية العائدين. لكن تاريخ السودان حافل بمؤتمرات لم تسفر إلا عن تعهدات لا عن تغييرات هيكلية.
ويكمن التحدي الحقيقي لمبادرة واشنطن في مدى دمجها للتمويل الإنساني ضمن إطار أوسع للسلام، يربط الإغاثة برصد وقف إطلاق النار، وممرات حماية المدنيين، وإعادة الحكم المحلي. وبدون هذا الدمج، يخاطر المؤتمر بتكرار نمط مألوف، يتمثل بصورة دبلوماسية قوية تقابلها آثار ميدانية ضعيفة.
ما ينقصنا هو إطار أوسع للسلام وإشراك للمدنيين. لا تزال مفاوضات السلام متشتتة، حيث تعمل مسارات وساطة متعددة في آن واحد، وتتنافس جهات خارجية على النفوذ، وتتعثر مبادرات وقف إطلاق النار مرارا وتكرارا.
ولا يزال المجتمع المدني السوداني - بما في ذلك لجان المقاومة، والجمعيات المهنية، والمنظمات النسائية، والشبكات الإنسانية - مهمشا في مسارات التفاوض الرسمية. إن الأبحاث حول عمليات السلام تظهر باستمرار أن الاتفاقيات التي تشرك المجتمع المدني تحقق معدلات استدامة والتزام أعلى. يكرر السودان نموذجا فاشلا معروفا، وهو وجود مفاوضات نخبوية تفتقر إلى الشرعية الاجتماعية.
قد تؤثر العقوبات ومؤتمرات المانحين على بيئة المفاوضات، لكنها لا تغني عن إطار سلام قابل للتنفيذ، قائم على الشرعية المحلية وحماية المدنيين. والحقيقة المرة هي أن العقوبات والمؤتمرات أسهل سياسيا من فرض السلام وإعادة بناء البنية التحتية.
فتجميد الأصول أقل خطورة سياسيا من نشر آليات المراقبة. كما أن الإعلان عن التعهدات أسهل من تمويل إعادة الكهرباء أو تأمين الأحياء الحضرية.
تبقى العدالة والمساءلة عنصرين أساسيين في تعافي السودان على المدى الطويل.
ينبغي أن تبقى العقوبات جزءا من هيكل أوسع للمساءلة، لا سيما فيما يتعلق بالإجراءات القانونية في مرحلة ما بعد الحرب وتتبع الأصول.
لكن لا ينبغي أن تتصدر العقوبات هرم السياسات بينما يعود المدنيون إلى المدن دون ماء أو كهرباء أو مدارس أو حماية. إن استراتيجية دولية ذات مصداقية من شأنها تغيير أولويات اليوم. يجب على المجتمع الدولي إنفاذ وقف إطلاق النار ومراقبته من خلال آليات دولية منسقة.
كما يجب عليه إنشاء ممرات آمنة للمدنيين وأطر لعودة المدنيين، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما في ذلك أنظمة المياه، والكهرباء، والرعاية الصحية، والتعليم.
ومن الأهمية بمكان إشراك المجتمع المدني السوداني بشكل مباشر في عمليات التفاوض. وينبغي أن تعد العقوبات أدوات مكملة للمساءلة، لا استراتيجية أساسية.
لا يفتقر السودان إلى الإدانات أو حزم العقوبات أو مؤتمرات المانحين، بل يفتقر إلى أولويات عملياتية متناسقة تستند إلى التسلسل الهرمي الواقعي لبقاء المدنيين وهي: الأمن قبل الرمزية، والبنية التحتية قبل المظاهر، والسلام قبل التباهي.
إن العائلات العائدة إلى الأحياء المدمرة لا يهمها أن ترى العقوبات، بقدر عودة الكهرباء، وفتح العيادات، وتوفر المياه النظيفة، وانسحاب الجماعات المسلحة. لذا، لا ينبغي قياس السياسة الدولية بما تعلنه الدول، بل بما يستطيع المدنيون التعايش معه فعليا.
ـ أسامة أبو زيد هو باحث مختص في قضايا التنمية والحوكمة، يعمل باحثًا في المركز الفرنسي لدراسة القرن التاسع عشر، ومنسقًا لبرنامج منح المساعدات لمشروعات الأمن الإنساني والتنمية المحلية.
الترجمة عن موقع ميدل إيست آي.