تتميز جزيرة مصيرة ورأس مدركة على الساحل الشرقي لسلطنة عمان بوجود صخور الأفيولايت المميزة بقممها الصغيرة والمدببة ولونها البني أو الأخضر الداكن. هذه الصخور، التي تُعرف علميا باسم «أفيولايت مصيرة» تمييزا لها عن أفيولايت شمال عُمان، تغطي مساحات واسعة من الجزيرة وتمتد كذلك على طول ساحل رأس مدركة، لتشكل مشهدا جيولوجيا فريدا يلفت نظر الزائر قبل المتخصص، فبمجرد أن تطأ قدمك تلك الأرض، تشعر وكأنك تقف على صفحة من كتاب تاريخ الأرض، كتاب كُتب بلغة الصخور والنار والمحيطات السحيقة.

تكمن الأهمية العلمية الكبرى لأفيولايت مصيرة في أنها تمثل جزءا من القشرة المحيطية للمحيط الهندي، أي أنها في الأصل كانت قاعا لمحيط عميق قبل أن ترتفع وتستقر فوق اليابسة بفعل الحركات التكتونية الهائلة.

فالمحيط الهندي يتوسطه صدعا عظيما يمتد بين شبه القارة الهندية والجزيرة العربية، وهو جزء من منظومة الصدوع العالمية التي تُعرف بظهور وسط المحيطات في هذه المناطق تتباعد الصفائح الأرضية عن بعضها، فتندفع الصهارة من باطن الأرض عبر شقوق عميقة، مكوّنة حواجز وأنابيب نارية تتصلب لاحقا لتشكل صخورا بازلتية وجابروية، وتظهر أحيانا على هيئة كرات متداخلة تعرف بالوسائد البركانية، وهي من العلامات المميزة لتكون الصخور تحت سطح البحر.

ومن رحمة الله بالإنسان أن معظم هذه العمليات البركانية العنيفة تحدث في أعماق البحار، بعيدا عن العمران، لكن في حالة مصيرة، شاءت الطبيعة أن ترفع هذه المقاطع المحيطية إلى السطح قبل نحو 60 مليون عام، لتصبح جزءا من محافظة الوسطى، وهكذا اعتلت صخور الأفيولايت، ومعها صخور رسوبية حمراء اللون ترسبت في قاع المحيط الهندي، هذه المنطقة لتشكل شريطا صخريا يمتد لعشرات الكيلومترات على طول السواحل، مانحا الشاطئ لوحة طبيعية مغايرة لما اعتدناه من رمال ذهبية فقط.

ولا تقتصر القصة على هذه الصخور الداكنة القادمة من أعماق المحيط بل تتواصل فصولها مع صخور رسوبية جيرية فاتحة اللون ترسبت قبل نحو 20 مليون عام، عندما غمرت البحار الضحلة أجزاء من المنطقة. تشكل هذه الصخور هضابا ممتدة على جوانب الساحل، وتغطي في بعض المواقع قمم الأفيولايت الداكنة، في مشهد جيولوجي بديع يعكس تعاقب الأزمنة وتغير البيئات من محيط عميق إلى بحر ضحل ثم إلى يابسة مكشوفة، هذا التباين بين اللون الأخضر والبني الداكن للأفيولايت، والأحمر للصخور المحيطية العميقة، والأبيض الكلسي للهضاب الأحدث، يصنع تناغما لونيا نادرا يضفي على المكان سحرا خاصا.

بالنسبة للباحثين وطلبة علوم الأرض، تمثل مصيرة ورأس مدركة مختبرا طبيعيا مفتوحا لدراسة مكونات الأفيولايت وطرق تكوّنها في سياق المحيط الهندي تحديدا، وهو أمر يختلف في تفاصيله الجيوديناميكية عن أفيولايت شمال عُمان المرتبط بمحيط التيثس القديم. إن القدرة على لمس صخور كانت يوما ما على عمق آلاف الأمتار تحت سطح البحر تمنح العلماء فرصة استثنائية لفهم آليات تباعد الصفائح الأرضية وتكوّن القشرة المحيطية، بل وحتى استكشاف الإمكانات المعدنية المرتبطة بهذه البيئات.

أما لغير المتخصصين، فإن جاذبية المكان لا تقل إثارة فشواطئ مصيرة ورأس مدركة لا تروي فقط قصة جيولوجية عميقة، بل تحتضن تنوعا حيويا لافتا إذ تنتشر أنواع متعددة من الطيور على امتداد الساحل، وتزخر المياه بالكائنات البحرية، فيما تعد الشواطئ من المواقع المعروفة لتعشيش السلاحف البحرية التي تعود كل عام في مشهد طبيعي مهيب، وإلى جانب هذا الإرث الطبيعي، تحتوي المنطقة على شواهد أثرية تعود إلى العصور البرونزية المبكرة، مما يضيف بعدا إنسانيا إلى المشهد حيث عاش الإنسان القديم على أرض تشكلت من قاع محيط سحيق.

إن أفيولايت مصيرة ورأس مدركة ليست مجرد تكوينات صخرية صامتة، بل هي شهادة حية على ديناميكية كوكب الأرض، وعلى التحولات الكبرى التي صنعت ملامح عُمان الجيولوجية. وبين زرقة البحر، وخضرة الأفيولايت الداكنة، وبياض الهضاب الجيرية، يجد الزائر نفسه أمام مشهد يجمع بين العلم والجمال والتاريخ في آن واحد، إنها دعوة مفتوحة للتأمل في عظمة الخالق، وفي رحلة الأرض الطويلة التي ما زالت فصولها تكتب حتى اليوم.