يتراءى للسواد الأعظم من الناس أن النص التراثي مجرد من أي شيء آخر سوى موضوعه، فالنص الكلامي مثلًا، أو الفقهي، أو الأدبي أو العلمي أو التاريخي إنما هو محصور في دائرة ذلكم الموضوع المعنيّ به ولا يتجاوزه إلى سواه، هكذا هو المُتخيَّل عند من لم يمعن النظر في النص التراثي ويرجع فيه البصر كَرَّة بعد كَرَّة.

والحقُّ أن التراث العربي الإسلامي ميدان فسيح بين ما يُعرَف اليوم بالنص الإبداعي والنص الوظيفي، وفي تضاعيف هذا وذاك تختبئ إضاءات وإشارات قد لا تكون من صُلب موضوع النص. وحيث إنه بالمثال يتضح المقال فقد نستطيع كتابة طرف من ترجمة مؤلِّف لم يُترجم له من قبل باقتناص ما نقله في مؤلفاته عما يتصل بحياته ومسيرته، تصريحًا كان ذلك أو إشارات في ثنايا نصه.

وبالمثل تختزن كتب الجوابات والنوازل الفقهية كثيرًا من أخبار حياة الناس في مختلف العصور، زد على ذلك تداخل العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية في بعض المباحث التي قد تنقل صورة متخيَّلة عن الطبيب الفقيه أو الفلكي الشاعر أو حتى العامل المتعلِّم المتزوِّد بشيء من المعارف المنقولة على نحو ما حكاه الفقيه أبو سليمان محمد بن عامر بن راشد المعولي (ت:1190هـ) من أنه أخذ علم المواريث عن رجل كان يعمل جَذّاعًا أي يقطع جذوع النخل المستعملة في البناء.

ونتقصَّد في هذه السلسلة من المقالات الالتفات إلى خبايا من زوايا التراث العماني، سواء أكان النص من متون الكُتُب أو من زياداتها، أو مما على طُرَرَ المخطوطات من تقييدات وحواشي، بُغية اكتناه الجوانب الحضارية في النص من ألفاظ واصطلاحات، وأعلام وأسماء، وتواريخ تنبئ عن تطورات في حياة الناس.

والنص في التراث العماني بطبيعته متحرك بين فنون شتى، ونمَثِّل لذلك بما نقلته المطوَّلات الفقهية من نصوص في الطب والفلك والرياضيات من جهة وفي علوم إنسانية نحو الفلسفة والأدب والاجتماع من جهة أخرى، على نحو ما نراه من نصوص متفرقة في كتاب الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي (ق5هـ) وفي كتاب بيان الشرع لأبي عبدالله محمد بن إبراهيم الكندي (ت:508هـ).

ونلتفت في هذه السلسلة كذلك إلى شيء مما قيده النُّسّاخ أو من طالع المخطوطات بعدهم وقيَّد على طررها شوارد أو فوائد أو تواريخ، وبذا نلتفت إلى ما يصاحب النص التراثي في شكله المخطوط لكنه يتخلَّف عنه عند الطبع والنشر، إذ من المعلوم بداهة في مفردات تحقيق التراث أن كل ما هو خارج عن متن الكتاب لا يُلتَفَت إليه إلا بقدر ما يخدم ضبط النص، فتبقى الكثير من التقييدات والزيادات والفوائد رهينة المخطوطات حتى يأتي من يكشف عنها النقاب وينفض عنها الغبار، ومثال ذلك التقييدات التي نراها في الصورة المرفقة لصفحة عنوان نسخة للجزء العشرين من كتاب بيان الشرع، ففيها عنوان الكتاب، وقيد تملك، ورواية في فضل الاستغفار، وفائدة في النقود والأوزان، ومختارات شعرية.