شهدت قاعة بيت الزبير مساء أمس ضمن سلسلة "كتابهم" مناقشة للمجموعة القصصية "ليل ينسى ودائعه" للكاتبة العُمانية جوخة الحارثي، تحدث فيها الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أستاذ النقد الأدبي المشارك بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، والأستاذ الدكتور عبدالغني بارة أستاذ النقد المعاصر بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، وأدارت الجلسة الحوارية الكاتبة الدكتورة منى حبراس بحضور نوعي من الأكاديميين والمهتمين بالشأن السردي.
واستهل الدكتور أحمد يوسف أستاذ النقد الأدبي المشارك بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس الجلسة بقراءة تحليلية ركزت على حضور الشخصيات النسائية في المجموعة، مشيرا إلى أنها تتصدر الفضاء السردي بحثا عن تجسير العلاقات وتحقيق التواصل، غير أنها سرعان ما تجد نفسها محاصرة فيما وصفه بـ«العمارة الداخلية» للذات، حيث تتكاثف المخاوف والهواجس ويبرز الآخر بوصفه مصدر قلق وضغط وجودي.
وأوضح أن قصة «زيارة» تمثل النموذج الأبرز لهذه الرؤية، إذ تتحول رحلة بسيطة لامرأة إلى مسار داخلي مثقل بالتوتر والخيبات، فالصعود عبر طوابق البناية الأربعة يشكل استعارة مصغّرة للعالم ولحركة الذات في صعودها المتعثر، حيث تتكاثر العوائق كلما تقدمت خطوة نحو غايتها... وأن النص لا ينشغل بسرد تفاصيل الزيارة بقدر ما يركز على رصد الانفعالات الدقيقة والأحاسيس المتقلبة في زمن محدود، ما يخلخل أفق توقع القارئ الذي ينتظر وقائع الحدث، فيجد نفسه أمام مساحة نفسية مفتوحة، حيث إن اختيار زمن الزيارة -بين الضحى أو العصر- يحمل دلالة نفسية مرتبطة برغبة البطلة في تفادي أن يراها أحد، بما يعكس اضطرابها الداخلي.
وتوقف الدكتور أحمد يوسف عند قصص أخرى من المجموعة مبرزا ثيمة الحضور والغياب، واستحالة التواصل بين شخصيات تتحرك في عوالم رمزية ولغوية متباينة، ولفت إلى أن قصة «زيارة» تعد من أطول نصوص المجموعة، وتتصدرها من حيث التكثيف الدلالي وبناء التوتر، وأن المجموعة لا تقدم «معاني جاهزة» أو حقائق مكتملة، بل تتيح مساحات بيضاء للقارئ ليملأها بتأويلاته، وأن الحقيقة في هذا السياق ليست معطى نهائيا، بل مواضعة قابلة لإعادة النظر، الأمر الذي يجعل النص حيا وقابلا لقراءات متعددة، وهذه النصوص تخلخل ما استقر عليه التصور التقليدي للجنس الأدبي، وتقترب من كتابة تسعى إلى تقويض الحدود الصارمة بين الأجناس، ما قد يربك القارئ المعتاد على البناء القصصي الكلاسيكي، لكنها في المقابل تمنحه فرصة المشاركة في إنتاج المعنى.
وأشار إلى أن ما يميز تجربة جوخة الحارثي هو انشغالها بالتفاصيل اليومية والمعيش البسيط، بعيدا عن القضايا الكبرى المباشرة. فالمشكلة الوجودية، كما تتجلى في هذه النصوص، تنبع من موقف يومي عابر؛ امرأة تريد زيارة حبيب، لكنها تصطدم بأسئلة الهوية والوجود ونظرة الآخر... واختتم مداخلته بالتأكيد على أن المجموعة لا تقدم حلولا، وإنما تضع القارئ في قلب الإشكال، ليواجه أسئلته الخاصة، مشيدا بقدرة الكاتبة على تحويل التفاصيل العابرة إلى بؤر دلالية عميقة تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية وتعقيداتها.
سلطة السرد
بعدها عبّرت الدكتورة جوخة الحارثي عن شكرها لبيت الزبير وللنقاد والحضور، مؤكدة تقديرها للقراءات التي قُدّمت حول نصوصها كما ألقت بعدها نصا من المجموعة بعنوان "النخالة الوردية"، بعد ذلك قدم الأستاذ الدكتور عبدالغني بارة أستاذ النقد المعاصر بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس ورقته حول أونطولوجيا المحكي وأعجوبة اللغة القصصية، واستهل بارة مداخلته بالإشارة إلى أن المقاربة التي اعتمدها تنطلق من الطابع الأونطولوجي للمجموعة، مبرزا هيمنة «المحكي» كمركز الثقل في البناء السردي، واعتبر "بارة" أن اللغة في هذه التجربة ليست أداة محايدة، بل وسيطٌ جوهري يشكّل العوالم التخيلية ويعيد صياغة الواقع، إذ لا وجود للحكاية خارج اشتغال اللغة وقدرتها على السبك والحبك... ورأى أن عودة جوخة الحارثي إلى كتابة القصة تأتي محمولة بـ«عين روائية»، حيث تتجلى خبرتها السردية في معمار النصوص وفي ضبط التفاصيل الدقيقة، مؤكدا أن القصة -في تقديره- أكثر صعوبة من الرواية، لما تتطلبه من تكثيف واقتصاد لغوي، وهو ما تحقق في هذه المجموعة عبر بناء عوالم مفتوحة لا تنتهي إلى عقدة تقليدية أو حلٍّ سردي واضح.. وأن القارئ يجد نفسه أمام ما سمّاه «السرد غير المكتمل»، إذ تتعالق القصص ببعضها وتتناسل دلاليا، دون أن تمنح نهاية حاسمة، ما يفضي إلى حالة من الإرجاء المستمر للمعنى. وبهذا المعنى، فإن النص لا يقدّم «قصة» بالمفهوم الكلاسيكي القائم على تصاعد الحدث ثم انفراجه، بل يفتح أفقا سرديا يتأرجح بين الامتلاء والفراغ، «فيه كل شيء ولا شيء في الآن نفسه» -على حد تعبيره.
وتوقف بارة عند تقنية التبئير، مشيرا إلى حضور السارد العليم وقدرته على التموقع داخل الفضاء الحكائي، بما يتيح له النفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية ورصد القلق والحيرة والتيه. ولفت إلى أن الشخصيات بدت فاقدة للحركة والرغبة، مثقلة بوطأة الخيبة والاصطدام بالواقع، رغم مظاهر الحياة اليومية العابرة، وأن النصوص تنزع إلى محو الأعلام والأسماء المحددة، حيث يغلب ضمير المتكلم وتغيب الهويات الفردية الواضحة، فيتحول كل صوت إلى تمثيل للإنسان في حالاته الوجودية العامة: الفقد، الضياع، الخيانة، والاغتراب. وبذلك تصبح القصص مرآة لحالة إنسانية مشتركة، لا لحكايات فردية معزولة.
وأكد عبدالغني بارة أن الحقيقة الجمالية تختلف عن الحقيقة الفلسفية أو المنطقية؛ إذ لا يُقاس النص الأدبي بمعيار الصدق والكذب، بل يُفهم ضمن «عوالم ممكنة» تُشكّلها اللغة وتعيد إنتاجها. فاللغة، بحسب طرحه، لا تحيل إلى الواقع مباشرة، بل تعيد تشكيله ضمن بنية تخييلية خاصة، وأكد أن المبدع يتميز بقدرته على رؤية التفاصيل التي قد يغفل عنها الإنسان العادي، وأن اللغة الإبداعية هي التي تقتنص هذه الجزئيات وتحولها إلى طاقة دلالية، ومن هنا وصف التجربة بـ«الأعجوبة اللغوية»، حيث تتجلى اللغة بوصفها مأوى الكائن وأفق وجوده.
وتطرق "بارة" إلى مسألة تداخل الأجناس الأدبية، معتبرا أن الحدود الصارمة بين القصة والرواية والشعر لم تعد قائمة كما كانت في التصنيف الكلاسيكي، وأن ما نواجهه هنا هو «كتابة سردية» تتجاوز القوالب الجاهزة، وتنفتح على أشكال تعبيرية هجينة تعكس تحولات الكتابة المعاصرة.
متلازمة المكان الآخر
من جانبها قدمت الدكتورة منى حبراس مديرة الجلسة الحوارية قراءة تأملية ركزت فيها على ثيمتين رئيستين رصدتهما أثناء قراءتها للمجموعة القصصية حيث أشارت إلى أن خمس قصص من أصل عشر تتكئ على ما أسمته «متلازمة المكان الآخر»، حيث يتجاور مكانان أو يتقابلان داخل البنية السردية، بما يخلق شعورا بالمتاهة وعدم اليقين، ففي قصة «زيارة»، يبدو المكان واحدا ظاهريا -بناية واحدة بطوابق متعددة- إلا أن الإحساس بالتيه يتضاعف مع صعود الساردة بين الطوابق بحثا عن الشقة المنشودة، فيتحول المكان إلى فضاء ملتبس لا يفضي إلى يقين، وفي «الجنة» يتقابل وطنان: بلد المنشأ والبلد الذي أطلق عليه الحبيبان اسم «الجنة»، بما يعكس انشطارا بين الواقع والحلم، وحالة من التشظي بين ما هو معيش وما هو متخيَّل، أما في «النخالة الوردية»، فرغم جلوس الشخصيتين في مكان واحد، فإن حضور بابين متقابلين -قد يفضي كل منهما إلى مصير مختلف- يعمّق فكرة اللايقين واللقاء المؤجل. ويتكرر هذا البناء في «الأوردة الرخامية»، حيث يفصل المكان بين حبيبين يقيمان في موقعين مختلفين داخل المدينة ذاتها، وتنتهي القصة قبل اكتمال اللقاء، وكأن الانتظار ذاته هو الحدث المركزي، وفي «قنديل للمرأة الأخرى»، يتجاور المكانان داخل البيت الواحد: الغرفة الزرقاء للعروس الجديدة، والغرفة الخضراء التي بقيت شاهدة على حضور الزوجة الراحلة، هذا التقابل يرسّخ شعورا بعدم التكافؤ، ويجعل الذاكرة حاضرة بقوة تفوق حضور الواقع، فتبدو الحية في مواجهة ظلٍّ لا يغيب.
ولفتت "منى حبراس" إلى أن غموض «الطرف الآخر» يتكرر في المجموعة، سواء في القصص التي تسردها امرأة أو تلك التي تُروى من منظور رجل؛ إذ يظل الآخر غير مكتمل التعريف، مراوغا، وغير قابل للامتلاك اليقيني. كما أن الحب، في معظم النصوص، يبدو مشروعا ناقصا أو مؤجلا، لا يبلغ نهايته الحاسمة.
ورأت أن هذا التشظي المفتوح يرتبط بطبيعة حلمية تلوّن عوالم المجموعة، مشيرة إلى عبارات صريحة وردت في بعض القصص تحيل إلى الحلم بوصفه مفتاحا تأويليا، ففي «زيارة» تقول الساردة: «كنت أمشي داخل حلمي، وعلى حلمي أن يمشي معي"، وهو ما يفسر بنظرها حالة التيه وعدم السؤال المنطقي عن تفاصيل يمكن حسمها باتصال هاتفي مثلا، وفي «الجنة» يحضر الحلم باعتباره وعدا مؤقتا، تُدفع أثمانه سلفا، بينما تشير «النخالة الوردية» إلى منام سابق يسبق الافتراق، بما يعمّق غرائبية العالم السردي، كما تستهل «الخركوشي وبدعة أخرى» بفكرة الارتباط بمنامات الآخر، ما يعزز البعد الحلمي في البناء.
وخلصت الدكتورة منى حبراس إلى أن هذا الطابع الحلمي يسهم في تفسير غياب النهايات المحكمة، وعدم تسمية الشخصيات، وتكريس أجواء اللايقين، مؤكدة أن النصوص تظل مفتوحة على التأويل، ومتعمّدة إبقاء القارئ في منطقة بين الحلم واليقظة، حيث لا يكون المعنى نهائيا ولا الحدود واضحة.
وفي ختام الأمسية ناقش المتداخلون طبيعة الكتابة السردية وحدود الأجناس الأدبية، والعلاقة بين الحقيقة واللغة، وحضور الخيبة والنهايات المفتوحة كخيار فني مقصود، وتنوّعت المداخلات بين قراءات أكاديمية معمقة وتأملات إبداعية وحوارات نقدية وأكدت المداخلات أن النص الأدبي يظل فضاء مفتوحا للتأويل، يتجدد مع كل قراءة ويستثير أسئلة تتجاوز حدود الحكاية إلى أفق الوجود والمعنى.